]يروي الكاتب والشاعر والفيلسوف اليوناني الكبير نيكول كازنتزاكس، في سيرته الذاتية الفكرية، والتي صدرت بعنوان «تقرير إلى غريكو» في هذه السيرة الذاتية الفكرية يتحدث كازنتزاكس عن حياته في الجزيرة التي ينتمي إليها، جزيرة كريت، والتي كانت عندما ولد تحت الحكم التركي، وكان أهالي الجزيرة يقاتلون الأتراك لتحرير جزيرتهم والانضمام إلى اليونان.
كان نيكول كازنتزاكس يسمع في مجالس الرجال عن بطولات أهالي كريت ضد الأتراك، وكان والده واحداً من هؤلاء الأبطال الذين قاموا ببسالة لتحرير جزيرة كريت، كان والده محاربا عنيدا، خلق لكي يصبح مقاتلا، يخوض المعارك، وكذلك كان والد والده.
حدثت مذبحة كبيرة لهم في جزيرة كريت، فغادر الجزيرة أكثر سكانها خاصة النساء والأطفال، طلب والد نيكول منه وهو طفل صغير أن يختار جزيزة أخرى لتذهب العائلة لها، قال له أنه لا يريد أن تذهب العائلة إلى أثينا لتصبح عالة على الحكومة أو أن يصبحوا متسولين.. قال له إنه يريد أن يذهب إلى جزيرة قريبة، يعيش فيها أهله، والدته وشقيقته ويعود هو للقتال مع أهالي كريت ضد الأتراك الذين يقتلون أهالي جزيرة كريت، يقول نيكول في صفحة 110 من تلك السيرة، يصف والده: «مر وقت دون أن يتكلم.
وأخيرا حين حانت عودتنا إلى البيت توقف، وقال: ستطول الثورة في كريت، سأعود إلى هناك، لا أستطيع أن أترك رفاقي يقاتلون هناك بينما أنا أتنزه في البساتين.
إنني أرى جدك في نومي كل يوم، وهي يوبخني، يجب علي أن أذهب، ولكن في الوقت نفسه يجب أن لا تضيع وقتك، أريدك أن تصبح رجلاً، يكمل كازنتزاكس: عاد إلى صمته من جديد ومشى بضع خطوات ثم توقف مرة ثانية وسألني «هل فهمت؟ رجل - هذا يعني أن تكون مفيدا لوطنك، من المؤسف أنك ولدت للدراسة وليس للسلاح.
ولكن لسوء الحظ ليس في اليد حيلة، هذا طريقك فأسلكه، أتفهم؟ ثقف نفسك لكي تساعد كريت في الحصول على حريتها، فليكن هذا هدفك، وإلا فلتذهب الثقافة إلى الشيطان، أنا لا أريدك أن تصبح معلماً أو راهباً، فليكن هذا واضحاً. لقد أخذت قراري والآن عليك أن تتخذ قرارك، إن لم تستطع مساعدة كريت بالسلاح أو بالحرف فالأفضل أن تضطجع وتموت».
لقد نقلت هذه الأسطر من تلك السيرة الذاتية الفكرية لواحد من أكثر الكتاب والروائيين قرباً لنفسي، ما لفت انتباهي هنا هو كيف أن والده عرف أن ابنه نيكول (الذي أصبح واحداً من أشهر الكتاب في العالم وحصل على جائزة نوبل للأدب فيما بعد) لم يخلق لحمل السلاح وإنما خلق للمدرسة والدراسة وهو لا يزال في الخامسة من عمره؟
إن هذا الأب المتعصب لكريت والذي ترك أهله في جزيرة ناكسوس، وأدخل ابنه إلى مدرسة داخلية كاثوليكية رغم كرهه الشديد للكاثوليك، ولكنه حرصه من أن يغيروا مذهبه الارثوذكسي (فيما بعد أصبح نيكول كازنتزاكس علماني).
ترك الأب ابنه بين الآباء الكاثوليك وحرصه بشدة على ألا يؤثروا على معتقداته.
وعندما علم بأن الآباء الكاثوليك يحاولون أن يغيروا عقيدة ولده إلى الكاثوليكية، بعد أن اكتشفوا تفوقه وإنه ربما يكون شيء في المستقبل، بحكم ذهنه المتوقد، وشخصيته القوية، وطريقته في التفكير، عندما سمع والد نيكول بهذا ركب قاربا من جزيرة كريت، وجاء مع مجموعة في منتصف الليل وهدد بحرق المدرسة إن لم يعطوه ابنه في تلك اللحظة.
ما أود أن أقوله بأن هذا الأب ونحن نتكلم عن حادثة وقعت في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، لقد عرف الأب ميول الابن ولم يجبره على أن يحمل السلاح ويذهب معه إلى ساحة المعركة ولكنه، قال له، إنك لم تخلق لحمل السلاح ولكن للمدرسة والتعلم.
وطلب منه أن يستخدم علمه في معركة تحرير وطنه كريت، وهذا فعلاً ما فعله نيكول كازنتزاكس بعد أن كبر وأصبح كاتباً معروفاً.
ما يؤسفني بأنه ما زال بعض الآباء يجبرون أبنائهم على الالتحاق بجامعات معينة، أو كليات محددة، دون أن ينتبهوا إلى ميول أبنائهم، إن هناك أبناء يحاولون إقناع آبائهم بأن المجالات التي اختارها الأب لا تتفق مع ميول الطالب، لكن الوالد يصر، ويقول لابنه عندما التحقت بكلية الطب، كان معنا زملاء أجبروا من قبل والديهم للالتحاق بكلية الطب رغم أن الطالب ليس لديه أية ميول لدخول كلية الطب.. وبعد عام أو عامين يترك الطالب المغصوب على الالتحاق بهذه الكلية، ويكون قد عانى معاناة شديدة خلال دراسته لتخصص لا يرغب به، كذلك بعض الآباء يجبرون ابنائهم على الالتحاق بالكليات العسكرية، لأن مستقبلها مضمون، ويكون هذا الطالب لا يميل ولا يصلح لأن يكون رجلا عسكريا، ولكنه أمام اصرار الوالد الذي يرغب أن يرى ابنه رجلا عسكريا رغم انه لم يأخذ رأي الابن، بل أن طالباً في إحدى الكليات بعد أن التحق الكلية بعد ان اجبره والده على الدخول إلى هذه الكلية تركها بعد أن أصيب بالاكتاب، أضاع سنوات من عمره، وكانت رغبته كلية معينة لكن والده أرغمه على الالتحاق بذلك التخصص، لضمان مستقبله، ولكن لم يحصل على ما يرغب الأب..!
إن معرفة ميول الطالب، وحتى الطالب الصغير يجب أن راقب الأهل ميوله، وماهي الأمور المناسبة له في المستقبل، وتنمية هذه المهارات والميول فربما نجح الطفل في المستقبل، كما حدث مع نيكول كازنتزاكس، بفضل فراسة والده ومعرفته بأن ليس بالإمكان تغيير ميول الشخص حتى ولو كان طفلاً صغيراً..