أحدث انفجار جديد ضرب في عمق منطقة الاشرفية منتصف ليل الجمعة صدمة مضاعفة سياسياً ومعنوياً في سائر لبنان لاعتبارين اساسيين: الاول ان هذا الانفجار الجديد جاء ليبدد الآمال في توقف مسلسل التفجيرات والاغتيالات بعدما تم توقيف قادة الاجهزة الامنية السابقين مما يعني ان توقيفهم لم يسقط احتمال ان تكون محاولات زعزعة الاستقرار متواصلة بأدوات اخرى. والثاني ان الانفجار استهدف مرة اخرى منطقة ذات غالبية مسيحية ورسخت الانطباع بأن هذه التفجيرات تستهدف المسيحيين تحديداً.
وجاءت الوقائع الامنية مطابقة تماماً لكل عمليات التفجير التي سبق ان استهدفت مناطق جديدة، سد البوشرية، الكسليك، برمانا، الزلقا والاشرفية بحيث افاد شهود العيان في التحقيقات الاولية انهم شاهدوا شابين يضعان حقيبتين تحت سيارة ويفران بسرعة قبل حصول الانفجار بدقائق، مما أودى بحياة شخص واحد وجرح 25 آخرين وتسبب بأضرار كبيرة في حي مكتظ بالسكان.
واكتسب التفجير الاخير خطورة اضافية لكونه استهدف منطقة سكنية وشعبية خالصة ليس فيها مؤسسات تجارية على ما كان يجري في موجة التفجيرات التي سبقته والتي كانت تخلف انطباعاً باستهداف الشريان الاقتصادي في البلاد. فاذا بالتفجير الاخير يعمم القلق في تحول في المسلسل الاجرائي لكونه يستهدف في المناطق السكنية. وهذا التحول رسم علامات استفهام كبيرة حول مآل الوضع الامني في لبنان قبل شهر واحد تقريباً من الموعد المحدد لانتهاء لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري من مهمته التي اتسمت تحقيقاتها في الايام الاخيرة بغموض والتباس كبيرين مع انتفاء معرفة التفاصيل الدقيقة للمراحل التي تمر بها.
فحتى الآن لم يعرف بعد موعد الزيارة الثانية التي سيقوم بها رئيس اللجنة القاضي الالماني ويتليف ميليس لدمشق لمباشرة الاستماع الى المسؤولين الامنيين الذين طلب الاستماع اليهم كشهود. وتملأ الاشاعات سائر الاوساط حيال سير مهمته في حين يواكب هذا الغموض ظاهرة انقسامات كبيرة على مستوى الحكم والسلطة تمثلت في تجسيدها الاشد سواء بظاهرة وجود ثلاثة وفود لبنانية منقسمة ومستقلة عن بعضها عن بعض على مرأى العالم بأسره في الامم المتحدة في نيويورك.
ولعل ما يزيد الوضع قتامة وغموضاً هو ان الساحة السياسية بدت متروكة في الآونة الاخيرة للعناوين الكبيرة التي يختصرها التحقيق في جريمة اغتيال الحريري والصراع السياسي الذي يتركز على مصير رئاسة الجمهورية.
ولكن في هذا الوقت بدا الشارع اللبناني عرضة لصعود ظاهرة خطيرة تتمثل في عودة تحركات وتجمعات متطرفة الى العمل العلني والإعلامي والدعائي وربما ايضاً التنظيمي. وشهدت الايام الاخيرة سلسلة متعاقبة من هذه الظواهر كان من بينها عودة حزب «حراس الارز» الى واجهة العمل العلني مع شعاراته المناهضة للفلسطينيين والعروبة مما ادى الى اعتقال ثلاثة منهم وكذلك ظهور حركات متطرفة في المقلب الإسلامي ظهرت خصوصاً في يوم 16 ايلول في ذكرى مجازر صبرا وشاتيلا، من بينها ظهور مجموعة تنادي بوقف ملاحقة المتهمين بقتل الرئيس بشير الجميل، فضلاً عن ظاهرة ثالثة تمثلت في قيام الجماعة الإسلامية بتنظيم حفل علني هو الاول من نوعه بمناسبة انتساب 300 عنصر اليها في قلب بيروت الغربية.
هذه الظواهر اشاعت غداة انفجار الاشرفية قلقاً متعاظماً لدى الكثير من الاوساط المحلية التي تخشى ان يكون لبنان في مرحلة انعدام وزن.
فلا قيادة سياسية متماسكة تضبط الفوضى التي تسوده ولا اجهزة امنية قوية تتمتع بالقدرة على مكافحة التفجيرات والاغتيالات ووضع حد لها فضلاً عن ان معظم السياسيين باتوا في واقع تعطيل كامل اما بفعل وجود غالبيتهم في الخارج او عدم مبادرة بعضهم الآخر الى اي تحرك في الداخل. وكل ذلك بفعل هاجس الاغتيالات الذي يظل سائداً الوسط السياس.
ولعل ما يضيف الى مجمل هذه العوامل عنصراً يطغى عليها جميعاً هو ان احداً لا يملك اي رؤية او تصور او معطيات دقيقة وذات صدقية كاملة حول المستقبل القريب للبنان، مادام كل هذا المستقبل قد ربط بتقرير ميليس وتداعياته التي اصبح الحديث عنها اشبه بالتنجيم.