الرئيسية > مقالات اليوم

مبدأ الجدارة.. كأساس للديمقراطية


د. عبدالله بن سعد الرواف

الكلمة اليونانية القديمة ديمو كراتيا )في القرن الرابع قبل الميلاد لم تكن اليونان تشكل وحدة سياسية متحدة وإنما كانت تتكون من حوالي ألف وخمسمائة وحدة يسمى كل منها باللوس أو السيتي ستيت، كل واحدة من هذه السيتي ستيت لها حكومة مستقلة، منها ما يحكم بما يسمى بالألغارشي أو حكم الأقلية ومنها ما يحكم بما يسمى بالأتوكراسي أو حكم الفرد وغير ذلك من أنواع الحكم المختلفة. بضع مئات منها تحكم بما يمكن أن يكون شكلاً من أشكال الديمقراطية. أهم هذه الديمقراطيات وأكثرها استقراراً وأطولها مكوثاً هي ديمقراطية أثينا. الديمقراطية الأثينية والتي بدأها سولون حوالي ستمائة قبل الميلاد واكتملت على يد إيفيالنس وبيركلس في حوالي أربعمائة وستين قبل الميلاد تعتبر أساساً للفكر السياسي والمنهج النقدي للعالم الغربي.. صناع الديمقراطية في العصر الحديث مثل فرنسا بعد الثورة والولايات المتحدة الأمريكية يدعون بأنهم من سلالة الديمقراطية الأثينية.. بالطبع هناك فروقات كثيرة بين الديمقراطيات الحديثة وديمقراطية أثينا القديمة سواء من ناحية القياس أو الأحقية أو المشاركة.. فعدد سكان أثينا في القرن الرابع قبل الميلاد يُقدر بحوالي مائتين وخمسين ألفاً منهم فقط ثلاثون ألف رجل الذين يحق لهم التصويت كما أن الديمقراطية الأثينية وهو الفرق المهم كانت ديمقراطية مباشرة وليست نيابية كما هي الحال في الديموقراطيات الحديثة. قد يكون أقرب ديموقراطية في العصر الحديث للديمقراطية الأثينية هي الديموقراطية السويسرية وديمقراطية ألمانيا قبل الحكم النازي.. منذ بدأت الديمقراطية كفكرة سياسية أو أسلوب للحكم ولها نقاد كثيرون.. فالمفكرون القدامى مثل سقراط وتلميذه أفلاطون وكذلك أرسطو أشهر تلاميذ أفلاطون يرون أن غالبية الناس هم جهلة وغير ماهرين وتقريباً دائماً يصلون إلى النتيجة الخاطئة. في رأي هؤلاء المفكرين الحكم هو عبارة عن فن ومهارة ولابد من إعطائه فقط إلى الأذكياء والمهرة والذين هم بطبيعة الحال دائماً يشكلون القلة. فهم ينفون بشكل خاص بأن النوع من المعرفة المتاحة أو المستخدمة لدى عامة الناس العاديين تشكل معرفة على الاطلاق، فهي في أحسن صورها مجرد رأي، هي دائماً ناقصة وكثيراً ما تكون خاطئة. وأن العامة في كونهم جهلة وغير قادرين بشكل عام على التحليل الصحيح يمكن أن يتأثروا بالخطابات الرنانة ومن ثم يمكن استمالتهم بسهولة فهم ليسوا قادرين على أخذ رأي صحيح والتمسك به ويشكلون فريسة سهلة لخطيب بليغ يحمل أفكاراً خاطئة..

في الوقت الحاضر هناك نقاد ومحللون كثيرون لما يسمى بالديمقراطية خاصة لبعض المفاهيم الخاطئة حولها. يقول المسرحي والمفكر الأمريكي جيمس فيمور كوبر بأن الفرضية السائدة عن الديموقراطية والتي تقول بأن الديموقراطية هي حكم الأغلبية بدون حدود هي فرضية خاطئة، فلو أن غالبية المجتمع حكمت بدون ضوابط فإن النتيجة ستكون حتماً اضطهاداً لبقية أفراد المجتمع، وسيكون الحكم حكماً تسلطياً مثله مثل حكم الفرد، ويوافق هذا الرأي جيمس مادسن في الورقة الفدرالية في شرح مفصل عن بعض مشاكل الديمقراطية.. وغيرهما كثير.

بالطبع لا يمكن لمقال كهذا أن يشكل دراسة عن الديمقراطية ومناهجها ولكن المهم هو أن نعرف أن الديمقراطية لها أشكال ومفاهيم كثيرة فهي ليست مصطلحاً علمياً مثله مثل الطاقة أو الكتلة بمعنى أنه يمكن التعبير عنه بقياسات عددية حسب معايير لا يختلف عليها الناس ولا هي عقيدة سماوية بنهج ثابت يسلّم بها الناس. هي في نهاية المطاف وبأي شكل وجدت ليست هدفا بحد ذاتها سواء بمفهومها العام أو حسب طقوسها المختلفة وإنما هي وسيلة تتشكل حسب البيئة التي تمارس فيها وما تحتويه هذه البيئة من عادات وتقاليد وظروف دينية وتاريخية واقتصادية وتعليمية. هي في كل حالة عندما تكون صادقة في تطبيقها محاولة من المجتمع لخلق نظام اجتماعي سياسي عادل هدفه تحقيق أكبر قدر من السعادة لأطول وقت ممكن لأكثر عدد من أفراد المجتمع ولأكثر عدد من أجياله القادمة. عمادها بطبيعة الحال هو العدل الاجتماعي، والعدل هو ركيزة أساسية في الدين الإسلامي. يقول الرب سبحانه وتعالى: {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} «سورة لقمان آية 12» فقد ساوى الرب سبحانه وتعالى بين الكفر والذي هو خروج عن الملة والظلم والذي هو نقيض العدل. والدين الإسلامي هو الدين السماوي الوحيد الذي أعطى غالبية القوانين التي تنظم حياة الناس صفة دينية يثاب الإنسان على الالتزام بها ويعاقب على الإخلال فيها في الدنيا والآخرة.. والعدل في مفهومه العميق لا يختص فقط بتنظيم وضبط العلاقات الاجتماعية وإنما هو كذلك يختص بالوضع العادل والسليم للفرد في المنظومة الاجتماعية كعضو منتج بين أفراد المجتمع.. يقول أفلاطون في كتابه الجمهورية عند محاولته للتعريف العام للعدل بأن العدل بالنسبة للمواطن يتوافق وينسجم مع العدل بالنسبة للمجتمع فإذا ما الفرد هيئ تهيئة صحيحة توصله إلى أقصى طاقته العقلية والجسدية وأعطي مكاناً مناسباً في المنظومة الاجتماعية يمكنه من القيام بعمل ما هو مهيأ له وأنه أدى عمله بشكل صحيح فإن النتيجة النهائية لمفهوم العدل تكون قد تحققت له وللمجتمع وفي هذه الحالة سيكون المجتمع مجتمعاً عادلاً وسعيداً، أي ان وضع الشخص المناسب في المكان المناسب أو العمل بمبدأ الجدارة هو ركيزة أساسية للعدل الاجتماعي في أعمق صوره. وحتى العملية الانتخابية النيابية والتي هي احدى ركائز أي شكل من أشكال الديموقراطية ما هي إلا احد عناصر تطبيق مبدأ الجدارة. فالمجتمع في ممارسته لتلك الوظيفة ما هو إلا يبحث عن الأجدر من بين أفراده للقيام بتمثيله لأداء مهمة ما.. تطبيق وتعميق مبدأ الجدارة هو الركيزة الأساسية للتطور الاجتماعي. غير ان المشاكل التي تعيق تطبيقه في الدول النامية هي كبيرة جداً.. ذلك لأنه لا يوجد غالباً في تلك الدول آلية سليمة للفرز الوظيفي.. كما لا توجد مؤسسات تعليمية متطورة لتهيئة الفرد تهيئة صحيحة.. ولا يوجد غالباً في تلك المجتمعات آلية متطورة للمتابعة المستمرة المبنية على معايير علمية دقيقة ترتبط بالانتاج والتطوير.. وهذا يؤدي في كثير من الأحوال لأن تعيش هذه المجتمعات نوعاً من التطور الشكلي تدوّر فيه مشاكلها في دوامة زمنية لا توصلها إلى التطور الحقيقي.. والله الموفق.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة