جريدة يومية تصدر عن مؤسسة اليمامة الصحفية

الخميس 11 شعبان 1426هـ - 15 سبتمبر 2005م - العدد 13597

الخطاب ذلك الكائن الخفي

د. محمد ربيع الغامدي

    حدثني احد الزملاء عن رجل كان يعد في نظر الكثيرين احد المتزمتين الذين لا تخلو نظرتهم للامور من تشدد واضح. عرفت تلك السمة فيه من خلال ما يكتبه او ما يقوله في احاديثه الصحفية او على منابر بعض المؤسسات الثقافية والاعلامية، وكذلك عرف عنه انه احد حملة الالوية في معارك دارت بين اتجاهات ادبية ونقدية في فترة زمنية ماضية. حدثني عنه الزميل حديثاً ملؤه الدهشة والمفاجأة بشخصية الرجل حين التقيا في مجلس خاص جمعهما ليس به مايكروفونات ولا صحفيون. قال لي باختصار: لم يكن الرجل ذلك الذي نعرفه مطلقاً. كان الزميل يتوق الى معرفة السر في وجود شخصيتين متباينتين لذلك الرجل، ويتمنى فك هذا اللغز المحير بأي ثمن.

مضى زمن قبل ان تتكرر هذه الحادثة معي بصيغة أخرى. اذ استكتبت صحيفة محلية صديقاً اعرفه تماماً، واعلم انها المرة الاولى التي يكتب فيها في صحيفة في صفحة «الرأي». كنت - بحكم الصداقة - انتظر ما يكتبه. وكنت قبل ظهور اول مقالة له اخمن الطريقة التي ستظهر بها افكاره وآراؤه التي اعرف كثيراً منها من خلال مناقشاتنا المستمرة في قضايا كثيرة ومتنوعة. وعند ظهور المقالة الاولى كانت المفاجأة صاعقة. لقد كانت المقالة تقول بالضبط عكس ما يعتقده الرجل تماماً في قضايا طالما حدثني عنها. تذكرت فور فراغي من قراءتها حديث الزميل عن ذلك الرجل. وتذكرت عشرات من الذين نحادثهم بعيداً عن المنابر والمايكروفونات والمنافذ الثقافية والاعلامية ثم نستمع اليهم عبر واحد منها. لكن الطريف في الامر اني تذكرت في الوقت نفسه ما يقال عن حالات التلبس والجان والارواح الغامضة التي تتكلم على السنة الناس كما يقال ويعتقد، فيغدو المتكلم حينئذ ليس الشخص كما يبدو للعيان، بل شيء آخر يتكلم على لسانه. فكأن المقامات التي يتحدث فيها هؤلاء هي التي تنطق على السنتهم، فلا ينتجون نصوصهم هم بل هي تنتج ما تريد، ويصبح الشخص حينئذ منفعلاً تحت تأثيرها لا فاعلاً.

كنت انوي ان الوم الصديق واذكره بحكمة قديمة هي: (ليس مطلوباً ان تقول للاصلع انك اصلع. لكن لا تقل له ان شعرك كالحرير). لكنني كنت مشغولاً بمعرفة لماذا لم يستطع - او لعله لم يرد - ان يمتنع عن ان يقول للاصلع ان شعره كالحرير؟ وبعبارة أخرى: لماذا تلبسه كالآخرين من اراد ان يقول على لسانه ما قاله؟ وحين رأيت انه ليس حالة فريدة خفت حماستي لتعنيفه ولومه.

لم تكن مقالة الصديق تلك، ولا ما يعلنه ذلك الرجل الذي حير زميلنا الآخر، ولا العبارات التي نسمعها فتختلف عما نتوقعه من اصحابها، الا عبارات الخطابات التي يتكلمون باسمها ويمثلونها هم في الظاهر وتتكلم هي على السنتهم في الباطن، سواء اكانت هذه الخطابات قبلية ام دينية ام اعلامية ام ثقافية ام غير ذلك. وهي خطابات متعددة ومتجاورة بالضرورة في كل مجتمع. ولكل خطاب منها اعلامه الذي يظنون انهم يتعهدون صياغته وتشكيله، غير ان النتيجة انه حين يتشكل بصورة صلبة لا يسع هؤلاء الاعلام الا الامتثال له طوعاً ونطق جملة وعباراته كما يريد هو لا كما يريدون هم.

حين ينطق شاعر القبيلة مثلاً في محفل قبلي لن يكون بمقدوره ان ينتج نصه الشعري الخاص. ولو افترضنا انه حاصل على شهادة عالية في تخصص معرفي دقيق فإننا لن نتوقع ان تظهر في قصيدته معارفه العلمية، ولا قناعاته الشخصية في علاقاته الإنسانية. بل لن نستغرب ان نطق بما يتنافى مع ما يعتقده تماماً، دون ادنى احساس بالتعارض او انه يفعل غير المطلوب منه. ذلك لانه ببساطة ليس هو الناطق بالقصيدة، بل خطاب القبيلة هو المتلبس به الذي يتكلم على لسانه. ومن لم يدرك هذه المسألة وعرف ذلك الشاعر شخصياً سيظن انه يتعمد ان يرتدي اقنعة تخفي شخصيته الحقيقية. فإذاً ليست قصيدة شاعر القبيلة ملكاً خالصاً له، كما ان مقالة كاتب الرأي لم تكن هي بالضبط رأيه، واحاديث ذلك المثقف لا تمثل شخصيته ولا تعبر عن قناعاته.

هذه النماذج ليست الا عينات محدودة من خطابات محدودة يمكن تعميمها على جميع الخطابات، بحيث يمكن القول: ان كل متحدث هو في الغالب مجرد ناطق رسمي للخطاب الذي يتكلم الشخص من داخله، وليست اكثر الجمل اتي تندلق على السنتنا ليل نهار الا حتماً مقضياً علينا لا نملك له الا السمع والطاعة. ونحن وان اسهمنا في صياغة خطاباتنا وتكوينها حتى غدت متجذرة اضحينا في الوقت ذاته نتشكل ونصاغ تبعاً لها، في علاقة جدلية متشابكة قد لا نهتدي في كثير من الاحيان الى معرفة كثير من تفاصيلها. كل خطاب من خطاباتنا هو في حقيقة الامر بمثابة الروح الخفية التي تتلبسنا وتحتاج الى معالج ماهر يجيد الاصغاء اليها، ويجيد الفصل بين ما هو من نطق المتكلم وما هو من نطق هذه الروح.

مما يؤسف له اننا لا نعير الخطاب و«تحليل الخطاب» اي اهتمام، ولم نتعود في ثقافاتنا على التدقيق في دلالات الخطابات المختلفة، ولا على الفصل بين ما هو من نتاج الخطاب وما هو ناتج معارف الفرد وقناعاته وما يصل اليه بالتفكير العقلاني المنطقي. وهي نتيجة طبيعية لغياب «نظرية المعرفة» كلياً في تعليمنا. لو كنا نجيد الانصات الى الخطابات الكثيرة المتجاورة والمتداخلة، والى ما تقوله وما تنتجه من الدلالات، وما يزحف من كل واحد منها الى آخر قريب منه، ولو كنا نفرق تفريقاً تاماً بين ما هو في دلالته فردي وما هو جمعي، لا ستطعنا ربما تشخيص كثير من عللنا التي تحتاج الى علاج. ولعرفنا ان من ادوائنا المستعصية اننا نردد بيقين مطلق مقولات الخطابات المكرسة المتجذرة فينا على مدى ازمنة حتى ان كانت ضد الفطرة السوية وتتنافى مع العقل والمنطق.

لو كنا نجيد تحليل الخطاب لاكتشفنا بسهولة مفارقات كثيرة وقعنا فيها بأثر خطاباتنا، ولما اشتبه علينا ما لا يشتبه على احد ممن يستطيع ان يتبين دلالات الخطاب الجمعية ويتعرف آثارها وتجلياتها في نصوص الناس الفردية. لو كنا كذلك لعلمنا ان بعض مفاهيمنا الصلبة وبعض قناعاتنا الراسخة في مجال ما من مجالات الحياة لم يصنعه ولم يكسبه الصلابة الا بعض خطاباتنا، وان يكن على اساس هش او على غير اساس. ولعلمنا ايضاً اننا احياناً نثبت الشيء وإن توهمنا اننا ننفيه وننفيه من حيث اردنا ان نثبته. ولعلمنا ان بعض النصوص والمقولات التي تبدو في الظاهر متعارضة تتبدى في ضوء «تحليل الخطاب» مبنية على اساس واحد او تفضي الى دلالة واحدة، وما قد يبدو منسجماً متوحداً ينطوي في العمق على خلافات وتناقضات حادة لا يمكن التوفيق بينها.

ما نحتاج اليه اليوم حقاً هو مناهج «تحليل الخطاب». ويكفي للتدليل على ذلك اننا لو استعدنا على سبيل المثال في ضوء ما ذكر اعلاه كثيراً مما كنا نقوله (بقليل من التفكير حيناً ومن غير تفكير احياناً) في محاربة كارثة «الارهاب» التي اجتاحتنا لوجدنا انفسنا قد نختلف مع الارهاب في وسائله لكننا لا نظهر في المقابل الخلاف في اصل فكره. ذلك لاننا لم نسائل الخطاب ومفاهيمه الصلبة التي افرزت التفجير ونكتفي بإدانة التفجير في ذاته؛ فنسيء الى انفسنا من حيث اردنا الاحسان. لو سئلنا ذلك الذي ضيق باب الإسلام حتى غدا كسم الخياط بحيث لا يسعنا الدخول منه ثم فجرنا بعد ذلك عن كيف ضيق الباب الواسع قبل سؤالنا له عن التفجير ذاته لكان اولى. ما الذي منعنا اذاً من اثارة السؤال؟ إنه: الخطاب ذلك الكائن الخفي.