أعضاء هيئة التدريس بالجامعات يؤكدون: البيئة الجامعية أصبحت بيئة طاردة للكفاءات العلمية
المشاركون في الندوة
د. إبراهيم بن عبدالرحمن الحقيل عميد كلية الطب بمدينة الملك فهد الطبية بالرياض
د. إبراهيم بن علي العريني وكيل كلية الطب للشؤون الأكاديمية جامعة الملك سعود
د. عائض بن ربيعان القحطاني المشرف على برامج الدراسات العليا بكلية الطب بجامعة الملك سعود
د. أحمد بن محمد العيسى عميد كلية اليمامة بالرياض
في الآونة الأخيرة بدأت الجامعات تعاني من نقص في أعضاء هيئة التدريس، وبالذات الأعضاء المتميزين ممن يتصفون بفكر وقدرة على الإبداع والتطوير، والبعض يرجع ذلك إلى نظام التعليم العالي فهو مرن في حق غير السعوديين وجامد في حق السعوديين كالسكن وتذاكر السفر والتأمين الصحي والحوافز والمراعاة في التخصصات، فالكل سواسية والتفاوت في التطبيق بين جامعة وأخرى وعدم ضمان مقاعد لأبناء أعضاء هيئة التدريس، فبالتالي أصبحت البيئة الجامعية بيئة طارئة لكفاءات على حد قول البعض. وهذا التذمر من بعض أعضاء هيئة التدريس والأطباء في الجامعات ناجم عن التطورات المتلاحقة التي يشهدها النشاط الاقتصادي في القطاع الخاص، فهو سريع جداً وبعيد عن البيروقراطية عكس بيئة العمل الحكومي، ففيها ضعف في عملية التطوير وكذلك الحال بالنسبة لأنظمة الجامعات ناهيك عن المغريات المادية لدى القطاع الخاص.
«الرياض» إرتأت طرح هذه القضية في ندوة الثلاثاء، فحضر إلى مقر الجريدة عدد من أعضاء هيئة التدريس متحدثين في ذلك نيابة عن زملائهم المتذمرين أيضاً، فتمت مناقشة التسرب وأنواعه وأسبابه ثم وسائل العلاج التي من المفترض أن تتبع حتى لا تخسر الجامعات صفتها التي تميزت بها.
٭ «الرياض»: هل هناك تسرب للكوادر العلمية في التعليم العالي وما المسببات في ذلك؟
- د. عائض القحطاني: نعم هناك تسرب، واسباب التسرب يمكن ان يندرج ذلك تحت العوامل المؤدية للتسرب، وهذه العوامل من وجهة نظري تنقسم الى عدة امور، فيجب ان ننظر الى عضو هيئة التدريس من ناحيتين: عضو هيئة تدريس غير الطبيب، وعضو هيئة التدريس الطبيب، لان العوامل تختلف من الناحيتين، فهناك عوامل رئيسة تتعلق بالاثنين وهي فيما يتعلق بالرواتب والسكن وبدل تدريس الاولاد والتذاكر والمميزات والمكاتب والتأمين الصحي، وتقديم خدمات جيدة كالسماح بالمشاركة في المؤتمرات وغيرها، وايضاً فيما يتعلق بالمشكلات التي تصاحب البحوث. وفيما يتعلق بالرواتب نجد عند مقارنة عضو هيئة تدريس غير الطبيب عاد الى جامعته بعد دراسة الدكتوراه فعندما يعود يقدم له راتب تسعة آلاف ريال وهو غير منطقي على الاطلاق، فهو ينظر له على انه عضو هيئة تدريس ودكتور في الجامعة يجب ان يكون لديه مستوى معيشي معين، وهذا المبلغ لا يتوافق مع هذا المستوى، وفيما يتعلق بالسكن فإننا في جامعة الملك سعود لدينا ثلاثة خيارات متعلقة بالسكن: اولاً، شقة لا تليق على الاطلاق بعضو هيئة تدريس اضافة الى صعوبة الحصول على السكن مباشرة وذلك عن طريق الانتظار. ثانياً، الفيلا ويحتاج الشخص في الحصول عليها الى فترة تقدر ما بين (15 - 20) سنة، ثالثاً: مبلغ (30) ألفاً بدل سكن وايضاً يعامل فيها عضو هيئة التدريس وللاسف معاملة الطالب، حيث يطلب من عضو هيئة التدريس ما يثبت استئجاره وان يأتي المؤجر لتوقيع العقد مع الجامعة، وفي حال تم شراء بيت من قبل العضو فإنه سيفقد هذا البدل السكني حتى وان كان البيت بالتقسيط.
فهذا لاشك منطق غريب جداً، وهذا عامل رئيسي بالنسبة للسكن، وفيما يتعلق بتدريس الاولاد، في حال وضعنا مقارنة ما بين عضو التدريس غير السعودي وعضو التدريس السعودي، نجد ان هناك مميزات كبيرة لعضو هيئة التدريس غير السعودي مقارنة بالسعودي، منها بدل تدريس الاولاد، حيث ان عضو هيئة التدريس الاجنبي يحصل على بدل تدريس الاولاد بينما السعودي لا يحصل على شيء من هذا القبيل، وكذلك نجد ان غير السعودي يحصل على بدل سكن سواء اكان مستأجراً ام لا، بينما السعودي لا يحصل على نفس الامتياز، وايضاً ما يخص التذاكر الخاصة بالسفر يحصل عليها غير السعودي بينما يحرم منها السعودي وغيرها الكثير.
- د. ابراهيم العريني: بالاضافة الى الاسباب التي ذكرها الدكتور عائض اود ان ابين علل نظام التعليم العالي، فللاسف نجد ان النظام مليء بالعلل، وأول علة فيه نظام عمره اكثر من ربع قرن لم يتغير فيه شيء يذكر خلال هذه الفترة، ومن ضمن علل هذا النظام انه مرن في حق غير السعوديين وجامد في حق السعوديين، من خلال بدل السكن وتذاكر السفر، ومن الامثلة نجد ان لدى مديري الجامعات صلاحية لزيادة راتب المتقاعد من (100٪) الى (150٪)، حسب تميزه، بينما المتميز السعودي لا يمكن زيادته، وهذا الامر يحتاج الى نوع خاص من العلاج، وايضاً النظام الحالي في التعليم العالي لا يراعي التميز في المهمة الاساسية للجامعات وهي مهمة التعليم العالي، وحتى معايير الترقية لا تعطي شيئاً للتميز بل ان التميز في التدريس ليس له قياس داخل الجامعة والترقية اساساً تعتمد على الابحاث حتى يستطيع أستاذ الجامعة تحسين مرتبه، ووظيفة أستاذ الجامعة وظيفة مهمة ولكن ليست الوظيفة الوحيدة في الجامعات، وكذلك من ضمن علل نظام التعليم العالي انه لا يراعي التباين في التخصصات، حيث ان الجامعة تجمع ما بين المتخصص في التاريخ والمتخصص في الحاسب الآلي والمهندس والطبيب والصيدلي، فالكل خاضع لنظام رواتب محدد، الكل يحصل على الراتب نفسه وعلى العلاوات نفسها، لكن في حقيقة الامر هناك تباين كبير بين هذه التخصصات، فمثلاً بالنسبة لمعايير الترقية نجد انه ليس من السهولة ان يقوم عضو التدريس ببحث علمي في المجال الطبي عكس ما يقوم عضو تدريس في مجال العلوم الإنسانية وقد تكون هناك صعوبات في مجال العلوم الإنسانية قد لا تأتي في مجال الطب، ومن ذلك ايضاً احتياج البحث العلمي الى الدعم المادي اكثر منها في العلوم الإنسانية، فهذا التباين بين التخصصات خلق اشكالية، لذلك ارى ان الاطباء لديهم اشكالية كبيرة داخل هذا النظام، ويضاف الى علل نظام التعليم العالي علة اخرى وهي التفاوت الكبير في تطبيق الجامعات للنظام، حيث ان الجامعات تعمل في نظام واحد الا انها من حيث فهمها للنظام وتطبيقه على أرض الواقع نجدها متفاوتة، وعلى سبيل المثال، بدل ما يسمى ببدل الحاسب الآلي نجد ان بعض الجامعات تصرفه لجميع اعضاء التدريس، وبعض الجامعات تصرفه فقط للمتخصصين في الحاسب الآلي، وبعض الجامعات تصرفه لمن لا يصرف له بدل سكن، وتستثني من يصرف له بدل سكن، بحكم ان العضو في كلية الصيدلة يصرف له (50٪) بدل طبيعة مهنة او العمل في المستشفيات وكذلك الاطباء يصرف لهم (70٪) بدل عمل في المستشفيات وهكذا، فالتفاوت كبير رغم ان الكل تحت نظام واحد ووزارة واحدة، وحتى معايير الترقيات وطريقة تطبيقها على الرغم من انها مفصلة تفصيلاً جيداً في النظام مختلفة.
وايضاً فيما يخص قبول ابناء اعضاء التدريس بالجامعات، نجد ان عضو هيئة التدريس الذي له اكثر من عشرين سنة في التدريس قد لا يضمن مقعداً لابنه في الجامعة التي يعمل فيها، لذلك لابد من وجود معايير تحكم الجامعات كلها دون استثناء، والواقع الآن ان بعض الجامعات السعودية تضمن مقعداً لابن عضو هيئة التدريس في الجامعة، والبعض منها تضمن له مقعداً في اي كلية يختارها مادام هو قد حقق شروط القبول في تلك الكلية ويجب الا ينتظر الدخول بالمنافسة مع الطلاب الآخرين. اما العلة الأخيرة نجد ان البدلات الموجودة في النظام بدلات ضعيفة جداً فعدم وجودها افضل، وعلى سبيل المثال، رئيس القسم عندما يتسلم رئاسة القسم يعطى بدلاً قدره (416) ألف ريال شهرياً مقابل رئاسة القسم بكل ما يحتويه القسم من اشكالات من حيث عدد الطلاب والدراسات العليا واعضاء التدريس والتعيينات والترقيات وكل ما يعنيه هذا القسم، فوجود بدلات ضعيفة بهذا الشكل يدل على ان أصل سلم الرواتب وما يرتبط بها من بدلات ضعيفة يستحق النظر فيه مرة أخرى، وبالطبع كل هذه الاشكالات في حق الاطباء متفاقمة بشكل كبير لاسباب واضحة ومن الممكن تفصيلها لاحقاً.
- د. ابراهيم الحقيل: نجد ان الزميلين قد ذكرا اسباباً عديدة ومهمة وقد يكون اغلبها تحت مظلة تحسين الوضع المالي او المعيشي لاعضاء التدريس، وايضاً قضية وجود
المحفزات لبقاء أعضاء التدريس في الجامعات، ولكن السؤال هل تسرب الأعضاء أصبح ظاهرة أو هل تم عمل دراسات علمية مبنية على إحصائيات يتبين من خلالها بأن هذا التسرب ظاهرة أم لا، وما معنى تعريف التسرب. وهناك أسباب خفية قد تكون موجودة ومن ضمنها وأهمها قضية اختيار أعضاء هيئة التدريس منذ البداية، وقد تكون المعايير التي يتم فيها اختيار أعضاء التدريس في الجامعات غائبة أو غير مقننة بالفعل وبالتالي نصطدم بتسرب الكوادر، لأنه قد يأتي عضو هيئة التدريس بعد الماجستير والدكتوراه ويواجه بيئة لم يتم اختيارها بالصورة الصحيحة ولا تناسب طموحاته سواء من قبل البحث العلمي أو من خلال المشاركة التعليمية، فمعايير الاختيار غائبة في الجامعات، وبالتالي قد تكون أحد أسباب التسرب، حيث ان الجامعة منذ البداية لم تعمل نوعاً من الوقاية لهذه الظاهرة، والأمر الآخر قد لا يكون قريباً من الناحية المالية ولكن قد يلمسه وهو قضية بيئة العمل، فبعض أعضاء التدريس قد يترك العمل ليس بسبب المادة، وإنما لغياب الجو الصحي أو في قضية البحث العلمي من الحرمان من المؤتمرات والندوات وغيرها والشيء المخجل ان الجامعات تقوم بمحاسبة أعضاء هيئة التدريس على قضية الندوات والمؤتمرات الخاصة بتطوير الذات، بالتالي انعكاس هذا الأمر على العملية التعليمية والبحث العلمي والأداء كبير جداً، وأذكر أنني قد طلبت من الجامعة دورة وكانت الوحيدة التي طلبتها وبعدها حَرَّمتُ طلب الدورات، لأنه تصرف لنا التذاكر متأخرة وباقي المصروفات ندفعها من جيوبنا وأخيراً نجد أنفسنا خاسرين ونادمين على تقديم المعاملة، فغياب هذه الجوانب هو قضية مهمة في سبيل تطوير الذات.
والكثير من زملائنا وأساتذتنا كانوا يقومون بالأبحاث أثناء تواجدهم بالغرب في فترة دراساتهم، بينما الآن بسبب غياب الأرضية المناسبة أنهت الاستمرار وقد تكون من بين الأسباب الخفية في تسرب المدرسين.
- د. أحمد العيسى: سأطرح سؤالاً وهو هل هناك تسرب أم لا؟ وأتصور من الضروري الحديث عن هذه النقطة قبل الحديث عن الأسباب، وفي تصوري ان تسرب أو انتقال بعض أعضاء هيئة التدريس والكفاءات القيادية في الجامعات إلى القطاعات الأخرى سواء القطاع الحكومي أو القطاع الخاص هو ظاهرة صحية وطبيعية موجودة في كل دول العالم، وذلك بسبب البحث عن الأفضل والأمر الثاني رغبة الكثير من القطاعات الاستفادة من الكفاءات العلمية الموجودة في الجامعات وبالتالي استقطابها واغراؤها، ونعرف ان القطاع الخاص فيه الكثير من الشركات استفادت من كوادر سعودية تخرجت من الجامعات، بل حتى القطاع الحكومي رأينا الكثير من المسؤولين والوزراء تخرجوا من الجامعات، لكن المشكلة تأتي عندما تزيد نسبة الخروج وتصبح الشكوى ليست من عدم توفر فرص في القطاع الخاص أو القطاع الحكومي، لكن الشكوى هي ان الجامعات بدأت تعاني من نقص أعضاء هيئة التدريس، وبالذات الأعضاء المتميزون والذين لديهم فكر والقدرة على الإبداع والتغيير، ومن ثم أصبحت البيئة الجامعية بيئة طاردة للكفاءات العلمية والإدارية، وهنا تكمن المشكلة، وليست هي في خروج عدد من أعضاء التدريس إلى القطاع الخاص أو القطاع العام، من أعضاء التدريس إلى القطاع الخاص أو القطاع العام. والآن لدينا هذه الظاهرة قد زادت في السنوات الأخيرة بسبب عدم تناسب التطور الذي حصل في النشاط الاقتصادي وفي بيئة العمل الحكومية مع الحالة شبه المستقرة في الجامعات وضعف عملية التطور داخل أنظمة الجامعات وداخل قيادات معظم الجامعات، فالاخوة قد ذكروا أسباباً مهمة وحقيقية، وقسم كبير منها عائد إلى أسباب مادية وضعف العائد المادي لعضو هيئة التدريس مقابل ما يجده في القطاع الخاص من إمكانات وفرص، وهذا جانب أساسي، لكنه ليس الجانب الوحيد في هذا السبب، وقد ذكر الاخوة بعض الجوانب المعنوية من عدم احساس عضو هيئة التدريس بمكانته التي يستحقها، وعدم وجود العمل في بيئة من الحرية والاستقلالية داخل الجامعة.
فهذا جانب معنوي مهم. والنقطة الأساسية التي ربما تلخص كل القضية هي قضية ان نظام الجامعات نظام استمر لسنوات طويلة دون تغيير وتطوير ودون ان يُنظر إليه في كل مفاصله، وأنا شخصياً لا أنظر إلى قضية التمايز بين الجامعات على أنها مشكلة، بل على العكس يجب ان يكون هناك تمايز بين الجامعات، ولكل جامعة استقلالية إدارية ومالية بحيث ان الجامعات من خلال قاعدتها البشرية من أعضاء تدريس وغيرهم ومن خلال قيادات تستطيع ان تبني نظاماً خاصاً للجامعة وان تتحرر من النظام العام الذي يشمل كل الجامعات السعودية سواء نشأ من نظام الخدمة المدنية في الدولة أو من النظام المالي في وزارة المالية وغيره، لأن هذا الأمر هو وضع طبيعي، خاصة ان جامعات العالم كلها جامعات مستقلة لها هيئة إشرافية تشرف على الجامعة وتضع استراتيجيات الجامعة ولوائحها. وهذه يمكن تكيفها حسب أوضاع الجامعة من ناحية دخلها المادي وفرصها في التطور ومن ناحية التخصصات الموجودة في الجامعة، بحيث إذا كانت الجامعة متخصصة بالعلوم الطبية فقط فإنها بالتأكيد سيكون لها نظرة مختلفة عما هو موجود في الجامعة الآن، وكذلك الأمر يختلف عندما تكون الجامعة مركزة على البحث العلمي عما هو موجود فيها من جميع التخصصات، فلكل جامعة ظروفها، فإذا استطاعت الجامعة ان تضع نظامها المالي والإداري واللوائح الإدارية من حيث ترقية أعضاء هيئة التدريس و تعيين أعضاء هيئة التدريس، فإن الوضع سيكون جيداً، والآن نحن نتحدث عن (12) جامعة ونحن بصدد التوسع في عدد الجامعات، لكنها كلها تطبق عليها اللوائح نفسها، وهذه مشكلة أساسية، والآن التعليم الأهلي لديه استقلالية هذه الجوانب ولديه مرونة في النظام المالي والإداري ويستطيع ان يضع الكادر الذي يراه مناسباً ويستطيع ان يضع اللوائح وان كانت في الإطار العام تتلاءم مع لوائح وزارة التعليم العالي، لكنها تتصف بالمرونة، بحيث يحصل عضو هيئة التدريس على ما يتناسب مع مؤهله ومع احتياج الكلية له، وبالامكان بعد سنتين ان يتم تغيير الكادر التدريسي إذا لم يكن منافساً وجيداً. فموضوع التعليم العالي في الجامعات الحكومية يجب ان يُنظر له من العمق إذا أريد له التطوير الحقيقي لأعضاء الجامعات واستقلالية حقيقية في أنظمتها ولوائحها، مع تبادل الخبرات فيما بينها وهذا سوف يخلق التنافس ما بينها والذي يعتبر جزءاً أساسياً من بيئة العمل الصحية في الجامعات.
- د. إبراهيم العريني: نجد ان الجامعات في المملكة تطبق نظاماً واحداً مشتركاً فيما بينها، لكنها تختلف في فهم النظام، فمثلاً هناك جامعة تصرف البدل السكني وجامعة لا تقوم بذلك، وهذا ما يخلق الضجر لدى الموظفين، وكذلك لا يوجد مراعاة للتباين داخل التخصصات في الجامعة الواحدة، وأنا لا أتصور أنه ينبغي ان يكون النظام في كل جامعات المملكة واحداً، فالتسرب في الجامعات موجود، ولكن في هذا الصدد من الطبيعي ان يتناقص أعداد أعضاء التدريس بسبب التقاعد المبكر، والذي أصبح الآن موضة في الجامعات. والتسرب في الجامعات ليس سببه الانتقال فقط وإنما من الأسباب الاعارة وحرص عدد ليس بالقليل من أعضاء التدريس في الجامعات ان تبقى صلتهم بالجامعة لكن
يؤدون خدمات ولسنوات متتالية في قطاعات أخرى يكون وضعهم المادي فيها أفضل بكثير من الجامعات. فالإعارة عندما تكون في الحد المعقول الذي يؤدي وظيفة الجامعة في تطوير المجتمع، فهي مطلوبة، ولكن عندما تتعدى ذلك تصاب الجامعة بالشلل بسبب كثرة الأعداد من أعضاء هيئة التدريس الطالبين للإعارة، فتتحقق المشكلة.
وبالنسبة لقضية الاستقالة والتقاعد المبكر أصبحت في الجامعات متزايدة وهذا مؤشر يدعو للقلق ويحتاج إلى حل. وأيضاً قضية الانتقال ونقل الخدمات فهي أحد أنواع التسرب، ثم قضية نظام المستشار غير المتفرغ، فهذا النظام الذي يسمح لعضو هيئة التدريس بالعمل في القطاع الخاص، فهذا النظام ظهر في فترة معينة لعلاج مشكلة الفراغ الموجود لعضو هيئة التدريس، وهذا النظام كان له دور كبير في سد الفجوة فيما يخص الراتب المتدني لعضو هيئة التدريس وإن كان لا يتقاضى على الراتب الإضافي أي مزايا أخرى. فهذا أفاد في فترة من الفترات، لكن الآن وصل إلى وضع أصبح فيه مشكلة تحتاج إلى علاج.
٭ «الرياض»: لكن هل التسرب عرض وطلب لكي تتفادى الجامعات ذلك وما أنواع التسرب؟
- د. عائض القحطاني: بالنسبة لفكرة أن التسرب هل هو تسرب فعلي أم أنه انتقال وخدمات وعرض وطلب، أقول هو عرض وطلب، ولكن المشكلة هي بأن عضو هيئة التدريس لا يمكن أن يقبل بأن يترك الجامعة الحكومية وينتقل إلى جامعة خاصة ما لم تكن الخدمات والاغراءات متوفرة، وهذا واقع حقيقي، وللاسف أن الجامعات الحكومية لا تقدم خدمات على كل الأصعدة من حيث الرواتب وخدمات مكاتب وخدمات أخرى، ونرى بوضوع أن عضو هيئة التدريس لا يعامل كما يجب من الجامعة نفسها، والأمر الآخر لا توجد هناك إحصاءات تذكر عدد المتسربين والمتقاعدين والمتوفين، خاصة أننا سنوياً نفقد أعضاء هيئة تدريس لهذه الأسباب، ونحن في جامعة الملك سعود ولمدة ثماني سنوات لم يتعين لدينا معيد واحد بسبب وبحجة الاكتفاء، وهذا لا شك أنه خطأ في التخطيط، خاصة أن الجامعة تعرف أنها بعد خمس سنوات على سبيل المثال تحتاج إلى عدد معين من أعضاء هيئة التدريس، ولهذا يتعين على كل قسم أن يؤمن حاجته على مدى عشرين سنة قادمة من أعضاء هيئة التدريس، ونحن الآن في أزمة كبيرة بهذا الخصوص، خاصة مع نشوء جامعات جديدة تستقطب هؤلاء الأطباء، وهذا سببه سوء التخطيط، والآن في جامعة الملك سعود بعض الأقسام أخذت تتعاقد من جديد مع مدرسين لعدم وجود أعضاء هيئة تدريس سعوديين، والآن هناك كوادر ممتازة جداً وتتخرج بامتياز ولا نستقطبها ونكتشف في سنوات معينة أننا في حاجة إلى أعضاء هيئة تدريس ونقوم ربما باستقطاب مَنْ هو غير مؤهل. وكذلك أرى أن استقلالية الجامعات شيء مهم حتى يؤدي إلى تميز الجامعة، وقد يبحث مدير الجامعة في ايجاد موارد لهذه الجامعة وربما ذلك يفتح المجال للذين يجبذون التبرع للجامعات، فما زال لدينا حساسية في كتابة اسم المتبرع على مكتبة جامعية أو على قسم ما، وأرى أن ذلك لو تحقق فإنه سيوجد موارد مالية للجامعة، فكل الجامعات العالمية المرموقة تتبع هذا النمط. وإذا عدنا إلى موضوع الطبيب فإننا نجد أن الطبيب عندما يعود من دراسته الخارجية لا يجد المعاملة الجيدة، وكأنه يتسول من الجامعة للحصول على حقوقه، على الرغم من أن الجامعة في النظام توفر له مكتباً لكنه يجد صعوبة في الحصول على ذلك، ونراه يخجل من استقبال شخص ما في مكتبه لوضعيته المتدنية وكذلك لا توجد خدمة له ولأسرته، حتى أن بعض الأعضاء يخجل من زيارة معارفه له ولأسرته في المستشفى الجامعي، على الرغم من أن المستشفى الجامعي يبذل جهوداً جيدة ولكن ضمن حدود معينة، إذاً أين التأمين الطبي لهؤلاء الأعضاء وأين المكاتب المتوفرة لهم، وإذا عرفنا أن عضوي هيئة تدريس في نفس التخصص والمميزات واحد يدرس كعضو هيئة تدريس في الجامعة وآخر يذهب إلى مستشفى آخر كالتخصصي والحرس، نجد أن الأول يتقاضى مرتب (16) ألف ريال، والثاني يتقاضى مبلغ (40) ألف ريال، فكيف نريد من هذا الطبيب أن ينتج إنتاجاً جيداً ويشارك وهو لم يحصل على حقوقه، ولهذا نقول نحن الآن في بيئة تنافسية ولا توجد المميزات التي تحافظ على عضو هيئة التدريس بالاستمرار في العمل والعطاء، ولذلك أقول إنه لا يمكن لأي إنسان أن يعيش ويستمر في هذه البيئة ما لم تتوفر الشروط التي من المفترض أن يعيش فيها. وإذا توفرت هذه الشروط في بيئة أخرى فإنه سيذهب إليها دون تردد.
- د. إبراهيم الحقيل: بالنسبة لأنواع التسرب إضافة للتي ذكرها الدكتور عائض من تقاعد مبكر واستقالة وإعارة، وغيرها، يتوجب علينا معرفة إلى أين يتحول هذا التسرب وإلى أين يتجه، فإذا كان في مجال عمله وتخصصه وفي المجال الذي صُرف عليه تلك المبالغ حتى ينفع المجتمع فهذا قد يٌسمى تسرباً نسبياً بالنسبة للجامعات، لكنه في النهاية عاد وأفاد المجتمع بطريقة أو بأخرى. والأخطر من هذا وذاك هو ظاهرة التسرب الخفي، حيث يكون عضو هيئة التدريس استشارياً متفرغاً وبدوام في الجامعة ولكنه لا يشارك في الأعمال الإدارية ولا يشارك في اللجان ولا في البحث العلمي وحتى العملية التعليمية نجده لا يقوم بها، فأصبح دور الأستاذ هو الإمساك بالمسمى الوظيفي فهذا اعتبره تسرباً خفياً وموجود في الجامعة، حيث تعرض عليه رئاسة الوحدة ويرفض، ويرفض رئاسة قسم ووكالة كلية وغير ذلك، ولهذا نستغرب من وجود هذه الطاقات. والبعض قد يكون لديه أعماله الخاصة وغير متفرغ لجهة معينة، وهذه الظاهرة إذا لم تتم معالجتها من قبل الجامعة بالصورة الصحيحة فإنها ستعطي مثالاً سيئاً للقادمين الجدد من الأساتذة.
د. أحمد العيسى: ظاهرة التسرب من الجامعات إذا وصلت إلى حد معين فهي مقبولة، ولكن إذا تجاوزت هذا الحد بحيث إنها تؤثر على كفاءة الجامعات وقدرتها على أداء رسالتها، فإنها بلا شك ستكون ظاهرة مقلقة للجميع، والذي أقصده أن كل الأزمات الموجودة في التعليم العالي نشأت خلال فترة الركود في تطوير الجامعات، وكانت هناك أسباب اقتصادية أثرت بشكل عام على ميزانيات الجامعات والابتعاث وعلى تطوير الجامعات، وكذلك النمو السكاني في المملكة قد زاد خلال هذه الفترة، فعملية تطوير الكوادر البشرية، كما هو معروف تأخذ وقتاً طويلاً، والآن وزارة التعليم العالي بدأت بمرحلة جديدة للابتعاث، لكن نتائج هذه المرحلة لن نجدها إلا بعد عشر سنوات تقريباً، وفي هذه الفترة ستبقى الجامعات تعاني منها.
ولكن إذا استمرت الجامعات بنظامها الحالي فستبقى بيئة طاردة للكفاءات العلمية والإدارية والقيادية في الجامعات، ولن يبقى في الجامعات إلا الذين لم يجدوا فرصة مناسبة، وهناك من لديه أعمال أخرى كالعقار والأسهم وغيرها وهذا ما يُسمى بالتسرب الخفي وهو قد جعل من الجامعة مجرد وظيفة يؤدي الحد الأدنى من المطلوب منه، فهنا يأتي عمق الأزمة..
- د. إبراهيم العريني: يبدو لي هناك نوع آخر من أنواع التسرب هو ما اسميه ضعف الإقبال على التعيين، فنجد أن الجامعات قد تطرح وظائف طبية ولم نجد المتميزين والأوائل يقدمون عليها،
بل يأتي ما هم في مرتبة الوسط، وأعتقد أن هذا الأمر أيضاً ينطبق على الحاسب الآلي والعلوم الإدارية والهندسة وغيرها، حيث يتم استقطاب الأوائل والمتميزين من قبل القطاع الخاص مباشرة وحتى قبل تخرجهم وأثناء تطبيقهم في السنوات الأخيرة، وفي حد ذاته ضعف الإقبال على التعيين هو تسرب قبل التوظيف وهذا وجه آخر من المشكلة.
٭ «الرياض»: الكل يؤكد أن هناك تسرّباً وإن اختلفت المعايير في تحديد نوعه، إذاً ما العمل الواجب اتخاذه لوقف هذا التسرّب، وما الإجراءات المناسبة لحل هذه المشكلة؟
- د. عائض القحطاني: بالنسبة للحلول، نحن وللأسف ومنذ فترة طويلة نسمع عن لجنة قد تشكلت لتدرس أوضاع هيئة التدريس، وتمت مناقشتها في مجلس الشورى ومجلس الوزراء، ومضى على هذا الكلام ما يقارب السبع سنوات وكتبت عنها وسائل الإعلام ولم نصل إلى أي نتيجة إلى هذا الوقت، ولهذا لن نجد عضو هيئة تدريس ملائماً ومستمراً في بيئة معينة ما لم نعتن به ونحل مشكلته، لذا يجب أن تكون الجامعة منافسة مع القطاع الخاص، خاصة مع ظهور جامعات راقية تقدم خدمات جليلة وإمكانات وسكناً لمنسوبيها، لذلك يجب تغيير وضع هيئة التدريس من حيث العناية بالأطباء المدرسين من خلال الراتب الذي لم يعد الآن يشكل شيئاً ومطمعاً من قبل عضو هيئة التدريس سواء الطبيب أو غير الطبيب مقابل ما يصرفه الآن، ويجب إعطاؤهم بدل السكن دون شروط أسوة بالقطاعات الأخرى كمستشفى التخصصي والحرس وأرامكو وغيرها، وأيضاً لماذا يتم حرمان عضو هيئة التدريس السعودي من بدل تدريس لأولاده، بينما يحصل على ذلك الأجنبي مع احترامي له، فيجب أن يستفيد ابن الوطن من هذه الميزة. وأيضاً يجب العناية بعضو هيئة التدريس من حيث توفير المكتب والخدمات الجيدة والسكرتارية وغير ذلك، ونجد أن المدرس الآن يقوم بتصحيح أوراق اختبارات ما يقارب ثلثمائة طالب دون أن يحصل على مقابل مادي، فهم يعتبرون ذلك جزءاً من راتبه، وحقيقة لا يوجد أي عضو هيئة تدريس معتمد على راتبه الجامعي، فهذا الراتب لا يمكن أن يلبي سداد خدماته وإعاشته، لهذا يجب معالجة الأمر من خلال هذه الأمور المذكورة.
- د. إبراهيم الحقيل: لا نريد أن نفرق في تفاصيل جزئية في العلاج، إذ لابد من أن ننظر نظرة عامة وشمولية للجامعات إذا أردنا ايجاد حلول ناجعة وناجحة لهذه المشكلة، وباختصار ما لم توضع خطة واضحة لتعزيز الولاء المؤسسي في هذا الجانب لن نقوم بإنجاح الكثير من المهام المطلوبة من التعليم العالي، خاصة أن مهام الجامعات غير مطبقة، لذلك لابد من وجود نظرة لتطوير وترجمة هذه الفكرة وفلسفة التعليم العالي إلى واقع ملموس من ناحية البحث العلمي ومن ناحية إعطاء الأستاذ الجامعي حقه في الجوانب المعنوية، وبشمولية وعمومية ما لم توجد القضية الاستقلالية المالية والإدارية وإعطاء صلاحيات كافية لضمان هذه الترجمة الحقيقية لفلسفة التعليم العالي لمديري الجامعات ولوزارة التعليم العالي، فسوف نكون في دائرة ندور حول أنفسنا ولا يمكن تطوير هذا الجانب إلا بهذه الاستقلالية، خاصة أن ميزانياتنا موزعة على الجامعات لم تبن على أساس ومعايير واضحة.
- د. أحمد العيسى: لا شك أن الذي ذكره الأخوة كعلاج سيحل جزءاً من المشكلة وليس كلها، وبالتأكيد أن الحكومة لا تستطيع في ظل الأوضاع الاقتصادية وباعتبارها تشرف على كل كادر الخدمة المدنية أن تنافس القطاع الخاص فيما يتعلق بالمميزات المادية ومرونة الأنظمة ورغبتها في التطوير، فالدولة قد تصل إلى حد معين في تطوير كادر أعضاء هيئة التدريس، ونتمنى أن يكون هذا سريعاً خصوصاً أن المسألة طالت أكثر مما ينبغي لها، ولا نعرف العوائق التي أوقفت حل هذا الموضوع، مع العلم أن خادم الحرمين الشريفين عندما كان ولياً للعهد شكل لجنة لدراسة هذا الموضوع، ولهذا أقول: هل القيادات في التعليم العالي وفي المؤسسات الأخرى تشعر بهذه المشكلة، أم أنهم يعتقدون أن هناك مبالغة في مطالب أعضاء هيئة التدريس؟.. وفي الوقت نفسه لا أتصور أن تغيير الكادر وتحسينه ودعم الأمور المعنوية لأعضاء هيئة التدريس سيحل المشكلة بشكل أساسي، ولكن ذلك سيحل جزءاً من المشكلة، ولكن لابد من الاعتراف بأن الواقع خارج الجامعات وما هو موجود في الجامعات مختلف بشكل كبير ومن الصعب تغييره.. ولهذا يجب أن ينظر إلى الجامعة ككيان مستقل له رسالة وأهداف ونعزز التنافس، والجامعة لكي تتطور لابد أن تتميز عن الجامعات الأخرى، والكل له الحق في البحث عن هذا التميز، فمن هنا يوجد التنافس بين الجامعات ويوجد الحافز للتطوير والانتماء، لأن الجامعة بقياداتها إذا شعرت بأنها في موضوع تنافس والمجتمع سينظر لها على أنها واجهة حضارية للبلد، ستعزز الانتماء بطرق مختلفة، منها الأمور المعنوية لأعضاء هيئة التدريس وتحسين البيئة الأكاديمية وتطوير المناهج وايجاد الفرص لأعضاء هيئة التدريس لحضور المؤتمرات والندوات ومن ثمَّ استقطاب أعضاء هيئة التدريس المميزين من الجامعات الأخرى وغير ذلك، علماً أن القطاع الخاص لم يتطور إلا عن طريق المنافسة واستقطاب الكفاءات والآن ومن خلال موقعي في التعليم الأهلي نشعر في هذا الأمر بأن علينا دائماً أن نكون الأفضل وإذا لم نعمل بهذه السرعة في التفكير فإننا سنتأخر عن الركب ولا نستطيع المنافسة، خاصة أننا نلاقي الآن منافسة قوية في المنطقة سواء في دول الخليج أو المنطقة العربية أو الدولية. والآن هناك جامعات عالمية تفتتح لها فروعاً في دول الخليج وربما في المملكة وهذه سوق تعمل في لوائح مختلفة عن لوائح الجامعات وستعطي رواتب مغرية للكوادر الجيدة، ومن وجهة نظري لابد أن يُنظر من جديد لمسألة الجامعة خاصة أن وضعها الآن غير قادر على المنافسة والصمود ومستقبل البلد يعتمد على ما يقدم لابن البلد في هذه الجامعات.
- د. عائض القحطاني: لا يمكن لجامعاتنا أن تتطور بمعزل عن تطوير نظام الجامعات، خاصة أن جامعاتنا ليس لديها خطط محددة ومستقبلية، ويجب أن تلزم الجامعات على وضع خطط مستقبلية لها سواء خمسية أو غيرها وتلتزم في تنفيذها، لهذا يجب أن يكون لديها مشروعات للتقدّم وليس فقط تخريج الطلاب ضمن إمكانات هزيلة، ونحن نلاحظ الآن أن الطالب الذي تخرج قبل عشر سنوات يختلف تماماً عن الطالب المتخرج الآن، فحالياً يعتبر مستوى الطالب سيئاً جداً مقارنة بإمكانات الطالب سابقاً. ولذلك لابد من الزام الجامعات بما ذكرناه، وحتى نلزم الجامعات بشيء معين لابد من توفير الإمكانات لها ثم تُلزم بتقديم خطط خمسية أو عشرية وغيرها وتنفيذها. وكذلك لابد أن تكون هناك خطط معينة للكليات داخل الجامعة من حيث تطوير المناهج
وإجراء البحوث، وأيضاً يجب إلزام الجامعات والكليات والأقسام بإيجاد خطط لعدد أعضاء التدريس المحتاجة لهم، حتى لا نقع في الأخطاء نفسها، ونكتشف فجأة بأن هناك نقصاً في أعضاء هيئة التدريس، فيجب أن تكون المؤسسات التعليمية المثال والقدوة للآخرين في الاعتماد على الدراسات والأبحاث وتحديد الاحتياجات على المدى القريب والبعيد.
٭ الرياض: البعض يقول إن بعض أعضاء هيئة التدريس غير ملتزم في عمله تجاه الجامعة التي علمته وصرفت عليه الكثير فما رأيكم؟
- د. عائض القحطاني: هذا الكلام قد يكون فيه شيء من الصحة وينطبق على بعض أعضاء هيئة التدريس، ولكن بشكل عام عضو هيئة التدريس ملتزم بعدة أمور من محاضرات، وعيادات، وعمليات اذا كان طبيبا، وساعات مكتبية، فاذا أداها فهو مطبق لعقده مع الجامعة، والوقت الخارج عن هذه الالتزامات هو حر فيه ويقضيه كما يشاء، أما بالنسبة للشخص الذي لم يؤد هذه الالتزامات فيعتبر مقصرا، فأعتقد تماماً ان أعضاء هيئة التدريس لديهم الأمانة والحرص على تأدية واجبهم مع الجامعة كما يجب ومن ثم يبحث عن البديل لكي يغطي النواقص التي ذكرناها.
- د. إبراهيم العريني: أرى أن عضو هيئة التدريس الذي يعرف نفسه بأنه لا يستطيع الإنتاج في الجامعة عليه أن ينهي علاقته بالجامعة، وأحيي الزملاء الذين يصلون إلى هذا القرار، خاصة أن الموظف وفي كل مكان يستطيع أن يحدد جهده والمبلغ الذي يستحقه، وإذا رأى نفسه مظلوما وسيتقاعس في أداء عمله فعليه ترك العمل والبحث عما يراه مناسبا، حتى لا يعاقب الجهة التي يعمل بها بتدني مستوى عمله وأدائه، فهذا اسلوب غير لائق اطلاقا ناهيك عن أنه يدل على عدم تحمله المسؤولية واذا كان التسرب الذي نتحدث عنه بسبب ضعف الأداء فهذا شيء غير مقبول في أي قطاع، وأنا شخصيا لا أستطيع أن ألقي التهمة على الجامعات لأن ظاهرة عدم الأمانة في الأداء الوظيفي موجودة في القطاعات الأخرى أكثر مما هي موجودة في الجامعات.
- د. إبراهيم الحقيل: أقول إن نقص الأمانة يؤدي إلى التسرب الخفي بل ويساويه، فعضو هيئة التدريس يعطي على قدر ما يحصل عليه، فهذا لا شك أمر خطير لأن المدرس في الجامعة يربي أجيالا، وإذا سمعه طلابه فإنهم سيتبعون الطريق نفسه وعندها ستكون الكارثة.
- د. عائض القحطاني: ربما من الحلول ألا تكون قراراتنا ارتجالية تعتمد على أشخاص وليس على نظام، ولهذا نرى شخصا معينا يتخذ قرارات معينة ثم يأتي شخص آخر ويبدأ من الصفر مرة أخرى، ولهذا أرى من الحلول ونحن نبدأ في تطوير جامعات أخرى وجديدة، أن نتعاون مع جامعات عالمية مرموقة ومحاولة اكتساب الخبرة المباشرة، حيث كانت جامعة الملك سعود متعاونة مع جامعة بريطانية وربما هذا سبب رئيسي في تميزها في البداية، وليس عيبا أن نعود مرة أخرى ونتعاون مع جامعات عالمية مرموقة ونستفيد من أنظمتها وخبراتها في جميع القطاعات سواء في الأنظمة أو التطوير أو وضع الخطط أو الاهتمام بعضو هيئة التدريس وغيرها من الأمور وربما هذه أحد الحلول المفيدة.
- د. أحمد العيسى: لا شك أن عضو هيئة التدريس إنسان ومن البشر ويتأثر بما يدور في المجتمع ويؤثر فيه، وماهو موجود في مؤسسات أخرى قد يوجد في الجامعات، لكن القضية هي هل نظام الجامعة يسمح لعضو هيئة التدريس يقلل من التزاماته أم أن النظام يعطيه حقه ويحاسبه على تقصيره في حال حدوثه، وعندما نتحدث عن إيجاد بيئة جديدة في الجامعات فعضو هيئة التدريس يعرف دوره تماما ويكون مسؤولا عنه وأي إخلال في هذا الدور سيجد من يحاسبه ويوضح له بأن هذا الاسلوب غير مقبول في الجامعة، ونحن كما هو موجود لدينا لا نرضى بأن عضو هيئة التدريس يأتي إلى الجامعة أو الكلية بعد الطلاب، وفي حال حصول أي خلل بالشروط سنلغي العقد معه، لذلك أؤكد بأن النظام هو الذي يكيف دور عضو هيئة التدريس ومدى التزامه به، ويجب عدم معاملة عضو هيئة التدريس كموظف ولماذا نطبق عليه نفس نظام الخدمة المدنية المتصف بالبروقراطية التي استمرت عليها سنوات طويلة دون تقييم للأداء فنظام الخدمة المدنية معروف عنه بأنه ضبابي غير محدد حتى أنه لا يعطي المدير أي صلاحية في محاسبة الموظف وتقييم أدائه، فعضو هيئة التدريس في بيئة أكاديمية لها أهداف أخرى غير العمل الإداري البحت، لذلك لابد من معاملته بطريقة مختلفة حتى يستطيع أن ينتج، وفي الوقت نفسه يجب وضع نظام للمحاسبة والمناقشة والمتابعة لأعضاء هيئة التدريس بحيث إنه يؤدي ما تعاقد عليه مع جهة عمله.
- د. إبراهيم العريني: حصلت تغييرات كثيرة ما بين الماضي والحاضر، ونجد أن نظام الجامعات لم يحصل به أي تغيير يتواكب مع جميع هذه المتغيرات، وبالنسبة لتغيير الكادر أقول: إنه لم يكن الحل الوحيد، بل النظام كله يحتاج إلى إعادة نظر، وأعتقد أن الوزارة لديها تصور كاف عن المشكلة وكذلك لديها تصور كامل عن الحلول، فالمسألة تحتاج إلى نوع من تفعيل إعادة النظر في النظام، وبالذات مراعاة النواحي المادية فيما يتعلق بالوضع الراهن.
التوصيات:
- د. إبراهيم الحقيل: أرى وضع خطة استراتيجية واضحة للتعليم العالي بناء على الفكرة والفلسفة الحقيقية للتعليم العالي، وليس امتدادا للتعليم العام، فهذا مهم جدا في ظل التنافس المحموم الذي سنواجهه في المستقبل مع وجود جامعات أهلية وجامعات أجنبية ومع وجود منظمة تجارة عالمية، ولم يكن التعليم في منأى عن هذه الأمور، خصوصا ان هذه الجامعات هي صناديق الأجيال، وإذا لم نضع خطة واضحة المعالم قابلة للتنفيذ تلبي طموح ورغبات أعضاء التدريس والطلاب وكخدمة للمجتمع فسيبقى التعليم العالي متأخرا كثيرا عن المنافسة في المستقبل القريب.
- د. عائض القحطاني: يجب العناية بعضو هيئة التدريس وتغيير الكادر، وتوفير الجو الملائم لعضو هيئة التدريس في عمله بكل ما تعنيه هذه الكلمة، تغيير نظام الجامعات، وإلزام الجامعات بوضع خطط خمسية أو ما شابه ذلك، مع تقييمها لما نفذته وما لم تنفذه، وإيجاد مؤسسات تشرف على هذا التقييم، وكذلك العناية بالبحوث والدراسات المتعلقة بالتعليم العالي، والاستفادة من خبرات الجامعات العالمية، والتي توفر علينا المال والجهد والتخطيط.
- د. أحمد العيسى: في اعتقادي أن التنظير أخذ حقه في كثير من اللجان والكتابات فيما يتعلق بواقع الجامعات وواقع التعليم العالي، ونحن الآن نحتاج إلى فعل، صحيح أن وزارة التعليم العالي وخلال السنتين الماضيتين قد حلت مشكلة القبول والاستيعاب وأوجدت جامعات جديدة وكليات وبرامج وفتحت المجال للتعليم الأهلي، وكل هذه خطوات جيدة، ولكن لابد ان نتجه الى النوعية والجودة، ويجب أن نبتعد عن التنظير فيما يتعلق بتشكيل لجان وغيرها. على أن تكون هناك مجموعة صغيرة تعمل على مسألة الجودة في الجامعات، وأن تركز على تحسين البيئة الجامعية وتخفيف البيروقراطية داخل الجامعات وفي الوقت نفسه محاولة التخلص شيئا فشيئا من اللوائح الموجودة في الجامعات والتي تعيق الاقتراحات بشكل مستمر، وأتمنى من معالي وزير التعليم العالي والاخوة العاملين معه أن يضعوا هذه اللوائح مؤقتا على الرف لفترة معينة لمواكبة التطورات، ومحاولة تغيير الأنظمة التي تقيد الجامعات وتعيق تطورها.
- د. إبراهيم العريني: وزارة التعليم العالي في حاجة إلى رسم معايير وطنية تقيس أداءها كوزارة وتقيس أداء الجامعات عموما وايضا وضع معيار محدد لرواتب أعضاء هيئة التدريس ووضع معيار محدد للبحث العلمي كماً ونوعاً وهكذا.. وعند غياب هذه المعايير تصبح الأمور تسير على (البركة) وحسب المستطاع، ولن يكون الإنتاج جيداً ولم تكن هناك اي محاسبة دون وجود هدف واضح ومرسوم، وتكون هناك آليات للتدخل السريع وعلاج المشكلات قبل أن تتراكم ويصبح الحل شبه مستحيل في مرحلة من المراحل..