
النظرية الاقتصادية تحدد أن السعر هو نتاج العرض والطلب وأنه كلما زاد الطلب زاد السعر والعكس صحيح ولا يجب أن تتدخل الدولة أية دولة في قرارات البائعين والشارين وهذه النظرية الاقتصادية هي أساس النظام الرأس مالي الذي أصبح مع الديمقراطية هو المعتقد الأساسي للدول الغربية وحلفائها ولو قليلاً ترى تضارباً وتناقضاً واضحاً ومحيراً في مواقفهم وتصريحاتهم فعندما تنخفض أسعار البترول وتحاول منظمة الأوبك خفض الإنتاج لكي تحافظ على سعر مناسب لسلعتها الوحيدة تنطلق الأصوات بأن هذا تدخل في حرية الأسواق والعرض والطلب وأسلوب احتكاري من منظمة احتكارية تحاول التدخل في قرارات الإنتاج والبيع والشراء التي يجب أن تكون حرة من التدخلات السياسية ولكن هذا الموقف المبدئي يتبدل بسرعة عندما ترتفع الأسعار حيث يطالب الجميع بتدخل الأوبك وزيادة إنتاجها وتتلاشى أصوات الاتهامات بأنها منظمة احتكارية غير محبوبة وغير مطلوبة وتتابع اجتماعاتها عبر وسائل الإعلام ويبرز الإعلام الغربي من يؤيدون زيادة الإنتاج ويبرز صورهم بينما يهمش من يعارضون ذلك حتى لو كانت معارضتهم مبنية على أسس اقتصادية مثل عدم زيادة الطلب أو صعوبة زيادة الإنتاج فنياً أو الخوف على نضوب الآبار إذا زاد الإنتاج بسرعة لأن بعض الآبار إذا زاد الإنتاج عن حد معين فإن المخزون فيها يتناقص بسرعة كبيرة ويشكل خطراً على الثروة النفطية الناضبة والوحيدة لكثير من الدول. ومواقف هذه الدول الاقتصادية الغربية لا تختلف عن مواقفها السياسية الغربية أيضاً تجاه تطبيق قرارات الشرعية الدولية فهي تضغط بشدة لتطبيق ما يتماشى مع مصالحها وتغض النظر عن ما يمس ولو قليلاً تلك المصالح أو مصالح أصدقائها حتى لو كانت غير مشروعة تطبيقاً للمثل الساكسوني أن الدول ليس لها صداقات دائمة ولا عداوات دائمة وإنما مصالح دائمة وتطبيقه أيضاً على الاقتصاد فيصبح ليس هناك نظريات دائمة أو مبادئ ثابتة بل مصالح متبدلة ومتغيرة. والسؤال هو ما السعر العادل لبرميل النفط، هل هو ما تريده الدول المستهلكة أو الدول المنتجة أو هو سعر بينهما؟ إن الجواب على ذلك إذا أردنا العدالة هو السعر الذي يتماشى مع أسعار السلع والخدمات التي يستهلكها منتجو البترول وشعوبهم مع تعويض عادل عن هذه الثروة الناضبة لأن دخول دول الأوبك من النفط وللأسف هي من بيع أحد أصولها (النفط الخام) وليس نتيجة لتصدير سلع وخدمات أي ليست عملية إنتاجية أصيلة ومستمرة ومستديمة وإنما هي مهددة دائماً بالانتهاء أما عند استغناء المستهلك عنها أو بنهاية وجودها في باطن الأرض بالاستنزاف ولو قسنا سعر برميل النفط في السبعينات وسعره اليوم وقسنا ذلك على أسعار المنتجات المصنعة والخدمات في الدول الصناعية لوجدنا أن سعر البرميل أصبح لا يساوي ما كان يساويه ويشتريه من سلع وخدمات أي أن السعر الحقيقي كما يسميه الاقتصاديون انخفض وبشدة لأن الأمور نسبية والذي لا يزيد هو في الواقع ينقص وبحسبة بسيطة مع معامل التضخم نجد أن السعر الأسمى للبرميل يجب أن يكون في حدود 85 دولاراً حتى يصبح سعره الحقيقي مساوياً لسعر عام 1977م ويتماشى مع أسعار منتجات الدول الصناعية التي رفعت أسعار منتجاتها منذ ذلك العام وبنسب متصاعدة ومستمرة وسبق أن توقعت ذلك السعر في محاضرة نشرت بمجلة اليمامة. لقد حاولت الدول الغربية حماية امداداتها من النفط بعدة طرق مثل إنشاء المؤسسات وتبادل المعلومات وإنشاء المخزونات واكتشاف مصادر جديدة للنفط وتطوير تقنيات جديدة لتزيد من كفاءة استعمال البترول وتقليل تأثيره على النمو الاقتصادي بالإضافة إلى الضرائب العالية واستطاعت منذ السبعينات النجاح في جهودها وتحجيم أسعار النفط بزيادة عرضه وخفض مستوى الطلب عليه باستخدام الأدوات الاقتصادية بمنظور سياسي لتقليل تأثير دول الأوبك على الأسعار فأصبحت دول الأوبك متلقية للسعر وليست صانعاً له كما كانت. ولكن محدودية العرض حالياً وزيادة الطلب أعاد للنظرية الاقتصادية ولقوى العرض والطلب قوتها ومكانتها في تحديد السعر حيث يقدر ان الطلب على النفط أخذ بالزيادة والتحول إلى مستهلكين جدد مثل الصين الشعبية والهند وكوريا الجنوبية وغيرها وهي دول في مرحلة الصعود والنمو الاقتصادي ويتوقع أن يتجاوز الطلب العالمي على البترول عام 2005م 83 مليون برميل يومياً بينما لن يصل الإنتاج من أوبك وغيرها من الدول المنتجة 81,9 حسب توقعات وكالة معلومات الطاقة أي سوف يكون هناك فجوة بين الإنتاج والاستهلاك أي بين الطلب والعرض تقدر هذه الفجوة بنصف مليون برميل يومياً عام 2005م ويتوقع أن يكون لدى دول الأوبك طاقة إضافية تقدر بين 1,5 - 2 مليون برميل يومياً وهو رقم يشكك به بعض المحللين الذين يرون أن الخوف من عدم وجود هذه الطاقة الإضافية أو الفائض الاحتياطي هو سبب هذا الارتفاع المستمر في الأسعار والخوف من أن تلجأ الدول المستهلكة إلى الضخ من الاحتياطيات الاستراتيجية لديها وهي كبيرة (أمريكا الشمالية 750 مليون برميل) وذلك سوف يقلل من الضغط النفسي على الأسعار ويضعف موقف المستهلكين أمام المنتجين ويزيد من سعر النفط في المستقبل جراء هذا العامل النفسي المهم وتحييده. ومع أن وضع هذه المخزونات هدفه تأمين النفط في حالات الطوارئ إلا أن النتيجة أنها أي المخزونات تؤثر نفسيا على الأسعار.
وخلاصة القول ان جهود الدول الصناعية في الحد من أسعار البترول في السابق وتحديها لقوى العرض والطلب وتدخلها في آلية السوق ونجاحها في إبقاء الأسعار متدنية ساعدت على الاعتماد أكثر فأكثر على النفط الرخيص وزيادة الطلب عليه مثلما كانت جهود شركات النفط في السابق (الأخوات السبع) التي كانت تسعر البترول بأقل من دولارين للبرميل (في الخمسينات) وكانت جهود تلك الشركات في تحديد أسعار منخفضة للبرميل وفرضه على الدول المنتجة سبباً في زيادة الطلب العالمي حتى السبعينات حينما ارتفعت الأسعار بشدة وكذلك كانت جهود الدول الصناعية بعد ذلك في الحد من ارتفاع الأسعار والتدخل في قوى العرض والطب سبباً في ما نراه اليوم. أي أن قوى العرض والطلب وقوى السوق ودورها في تحديد السعر خلال أسواق حرة ومفتوحة هي الأفضل وأنه ليس لدى أوبك أو الدول المستهلكة من قدرات على تغيير قوى السوق وآلياته في المدى الطويل حتى لو كانت غير مرغوبة لأن ترك قوى السوق تعمل بحرية هو الأفضل للاقتصاد العالمي على المدى الطويل بدلاً من التذبذب والهزات الاقتصادية وتأثيراتها السلبية على الجميع.
والنتيجة أن جهود منظمة الأوبك وتأثيرها محدود جداً ولا تستطيع على المدى الطويل تغيير الوضع إلا بقدر ما تملكه من احتياطيات فهي لم تستطع رفع الأسعار عندما كان الطلب قليلاً ولا تستطيع حالياً خفض السعر عندما زاد الطلب لأنها ليست المنتج الوحيد وأن قوى السوق هي أكثر من قدرتها وقدرة الدول الصناعية أي أن الفشل مزدوجاً بالنسبة لمنظمة الأوبك وبالنسبة للدول الصناعية في التحكم بقوى السوق وأن النتائج قد تكون ضارة على المدى الطويل مهما كانت النتائج على المدى القصير مرغوبة. لذلك فإن على الدول الصناعية ترك قوى العرض والطلب تعمل بدون تدخلات حكومية مثل رفع الضرائب وفرض القيود على الصناعات وتقليل كفاءة الاقتصاد العالمي وعلى دول الأوبك عدم التدخل برفع الإنتاج أكثر من الطاقة الفنية حتى لا تتضرر حقول البترول ويحرم الاقتصاد المحلي والعالمي منها مستقبلاً وكذلك عدم تقييد الإنتاج إذا انخفضت الأسعار مما يعزز المصداقية والشفافية ويحد من التذبذب الكبير والمدمر الذي شاهدناه في أعوام سابقة ولا بد من السعي لوجود شراكة استراتيجية من خلال منتدى الحوار بين المنتجين والمستهلكين لحماية المصالح المشروعة للطرفين وترك الأسواق تقرر العرض والطلب والسعر لأن المحاولات لتوجيه الأسواق محكوم عليها بالفشل بعد الضرر.
٭ عضو مجلس الشورى