إن الحديث عن الغرب وجَيشان ثقافته وتطورات أوضاعه وأسباب ازدهاره والحديث عن العرب وجمود ثقافتهم وأوهام اكتمالهم وعجزهم عن التغير قد استغرق الحلقات الثلاث السابقة وحتى لا يكون مصير هذه الحلقة الأخيرة مصير أخواتها نبادر لإبراز المحطات الرئيسية في حياة ليوبولد فايس الذي درس الإسلام بعناية وتركيز وفهمه بشمول وعمق وانتهى إلى الإيمان به وأصدر كتباً هامة عنه وأصبح اسمه محمد أسد فصار له تأثير كبير على الاتجاهات الإسلامية المعاصرة لكنه لم يحظ بما يستحقه من دراسة وتقييم...
ولد عام 1900م وأنهى المرحلة الثانوية عام 1918م فالتحق بجامعة فيينا لكن لم يعجبه المناخ المدرسي فترك الجامعة موقناً أنه مخلوق ليكون كاتباً ولكن لصغر سنه لم يجد جريدة تقبل به كاتباً أو مراسلاً فاضطر أن يقبل في إحداها وظيفة (عامل هاتف) وبسرعة استطاع أن يجد لنفسه وسيلة تقنع الجريدة بمواهبه فدخل مجال الصحافة ثم دعاه خاله الطبيب إلى فلسطين فوصل إليها عام 1922م وبقي ثمانية عشر شهراً بين فلسطين وسوريا ومصر مراسلاً للعديد من الصحف الأوروبية وأكسبته مقالاته الجريئة والمعادية للصهيونية شهرة واسعة فعاد إلى أوروبا وأنجز كتاباً عن الشرق وأوضاعه وعاداته ومشاكله والمستقبل الذي ينتظره وتبنى فيه الدفاع عن الحقوق الفلسطينية وكشف التضليل الصهيوني وصدر الكتاب بعنوان (رحلة غير حالمة إلى أرض الأحلام) وأحدث كما يقول: «اهتياجاً في الصحف الألمانية» ثم عاد إلى الشرق قاصداً إيران وأفغانستان وماراً عن طريق البر بمصر وفلسطين وسوريا والعراق وقد بقي في إيران ثمانية عشر شهراً جاس أرضها طولاً وعرضاً على ظهر جواد كما بقي في أفغانستان ستة أشهر وبعدها عاد إلى أوروبا وكانت شهرته قد زادت اتساعاً فدُعي لإلقاء محاضرات في بعض الجامعات الألمانية وفي منتديات فكرية وكان مطلوباً منه أن ينجز للجريدة كتاباً عن رحلته الثانية لكنه انشغل بالزواج أولاً ثم لم يعد يطيق البقاء في أوروبا وأضناه الشوق إلى الشرق فأعلن إسلامه عام 1926م على يد رئيس رابطة المسلمين في برلين وهو مسلم هندي ثم أسلمت زوجته الألمانية (إلسا) وقد رزقا بمولود أسمياه (أحمد) وبادرا لأداء فريضة الحج أول عام 1927م ولكن لم تتحمل المرأة الأوروبية حرارة الشمس الملتهبة أثناء الحج وأصيبت بضربة شمس فماتت بعد أسبوع عليها رحمة الله ودفنها بمكة المكرمة ثم توطدت علاقته بالملك عبدالعزيز رحمه الله فقضى نحو ست سنوات جائلاً في هذه البلاد المترامية وأمضى الكثير من هذه المدة في المدينة المنورة فقد كان يجد فيها الدفء الروحي والحرارة الإيمانية وتزوج بفتاة من قبيلة (مطير) ولكنه اكتشف أنها لا تزال طفلة فأعادها في الصباح لبيت أهلها وطلقها وكان خالها قد خدعه بأنها امرأة ناضجة ثم تزوج بأخرى من قبيلة (شمَّر) ورزق منها بابنه طلال الذي سماه بهذا الاسم إعجاباً بطلال بن عبدالله ولي عهد الأردن آنذاك الذي كان يراه وطنياً صادقاً ومعادياً للغرب وبعد تجوال في المملكة دام نحو ست سنوات ذهب عام 1932م إلى الهند والتقى بالشاعر العظيم محمد إقبال فعملا معا لإنجاح فكرة تأسيس دولة باكستان فأصدر كتابه (الإسلام على مفترق الطريق) عام 1933م ليؤصل ضرورة أن يتميّز المسلمون عن غيرهم وأن يتحدوا حول هذا التميز وقد سجنته السلطات البريطانية في الهند وظل في السجن بضع سنين وبعد انفصال باكستان عن الهند وإعلانها دولة مستقلة تولى مسؤوليات فكرية هامة وفي هذه الفترة أصدر كتابه (منهاج الإسلام في الحكم) ثم أصبح وزيراً مفوضاً كمندوب دائم لباكستان لدى الأمم المتحدة ولكن اشمئزازه من التنازع على السلطة دفعه إلى الاستقالة فتفرغ عام 1952م لانجاز كتابه: الطريق إلى الإسلام ولقد عاش حتى شهد كوارث العرب والمسلمين المتلاحقة فأضناه الأسى وهو يرى كارثة عام 1948م ثم كارثة عام 1967م ثم الحرب المروِّعة التي جرت بين شقي باكستان وأدت إلى انفصال بنجلاديش ثم راقب بمرارة من معتكفه باسبانيا هجوم صدام على إيران وحربه الطويلة لها ورأى استنزاف طاقات المسلمين خلال ثماني سنوات كاملة ثم هجومه على الكويت وما أعقبه من تدمير للعراق وفي آخر حياته كانت بداية الحصار الذي ضُرب على العراقيين بسبب حماقات صدام ولقد عاش النصف الثاني من القرن العشرين في عزلة باسبانيا حتى توفي عام 1992م ودفن في مقبرة المسلمين بغرناطة وكان يرقُب بأسى أحوال المسلمين وهم يزدادون فرقة وتخلفاً وانشغل بترجمة نصوص الإسلام إلى اللغات الأوروبية، لقد كان مقتنعاً بأن الإسلام هو الحل ولكنه أيضاً صار مقتنعاً بأن المسلمين لم يحسنوا فهم دينهم ولا استثمار امكاناتهم فمات كمداً على هذه الأمة المشلولة...
تلك هي المحطات الرئيسية في حياته أما إذا عدنا إلى حياته الأولى فإنه بعد أن أنهى المرحلة الثانوية اتجه لدراسة تاريخ الفنون وعلم الجمال بجامعة فيينا ولكنه ما كاد يبدأ حتى ضاق بالاتجاه الأكاديمي الرتيب ولم يستسغ الاحتفال الشديد بقوانين الجمال وقواعد الفن فهو يريد الدراسة بحثاً عن الأسباب والمنابع وغوصاً عميقاً لمعرفة الدوافع الروحية للإبداع ولم يكن يتقبًّل التركيز على المعايير الجمالية التي هي نتاج الإبداع ومستقاة منه وليست منتجة له كما كان يريد الدراسة نقاشاً عاصفاً طليقاً ويريد الجمال عوالم مفتوحة واستجابات متنوعة وتجارب زاخرة فيكون التذوق للجمال إدراكا فياضاً واحساساً جياشا وأفقاً مفتوحاً وليس نمطا مقيَّداً بقوانين وقواعد فالفن سابقٌ لما وُضع له من قواعد، إن فحول الشعراء لم ينتظروا تأسيس علم العروض ليبدعوا الشعر وإنما جرى استخلاص علم العروض من استقراء أشعارهم لذلك خيَّبَت الدراسة الرتيبة أمل ليوبولد فايس فكان حضوره للجامعة متقطعاً وغير منتظم ودون رغبة وبعد أقل من سنتين ترك الجامعة نهائياً وقد تحدث عن هذه الفترة في كتابه (الطريق إلى الإسلام) ومما جاء فيه قوله:
«إن المسلك الأكاديمي لم يكن ليجذبني وكنت أحسُّ بالحنين والشوق إلى أن آلف الحياة بواقعية أكثر وأن أدخل معتركها غير مسيج بأي من تلك الحصون الاصطناعية التي يبنيها حول أنفسهم أولئك الذين يؤثرون السلامة والعافية كذلك كنت أريد أن أجد بنفسي ملتمساً للنظام الروحي للأشياء» هكذا كان يرى الدراسة النظامية ذات طابع رتيب ممل لا تثير الرغبة ولا تُشعل الحماسة ولا تستفز العقل ولا تُجيب على الأسئلة المقلقة إنها مجموعة من القيود والأسيجة والحصون تؤدّى برتابة وملل وبذلك فإنها تعوق انطلاق الفكر وتقصقص أجنحة العقل وتروَّض الفرد على التلقي البليد بينما هو منذ شبابه المبكر كان فردياً نافراً لا يستسيغ الرتابة ولا يقبل الاستسلام ولا يطيق التقييد ولا يرضى بأن يُفصل عن ذاته بالأسيجة والحصون المدرسية لقد كان يدرك في نفسه القدرة على السير وحده إنه ككل المتميزين فردي النزعة متحرر العقل يرى الأشياء والأوضاع بعيون فاحصة وعقل متسائل ونفس متأففة من التلقين ونافرة من التقييد لذلك هَجَر الدراسة النظامية مبكراً وراح يكوِّن نفسه بنفسه...
إن من آفاتنا الكبرى أننا نتوهّم أن التعليم خيرٌ محض فلا نفطن لسلبياته الخطيرة، إن أقصى ما يقال عنه بأن ايجابياته في الغالب تفوق سلبياته، إنه في أحيان كثيرة يُفسد القابليات ويطفئ الدهشة ويقضي على غريزة التساؤل، فالعقل يحتله الأسبق إليه، وهو قابلٌ للإفساد بشكل فظيع، إن القابلية التي يجري طمسها قد لا تعود للإبصار أبداً والتعليم السيئ هو أقوى وسائل الطمس ورغم ذلك فإن اتجاه كل الناشئين للتعليم مطلب ضروري لأنه لا بديل له، لكن يجب أن ندرك أن التعليم المدرسي له سلبيات تقابل الايجابيات وهي سلبيات قد تكون قاصمة خصوصاً في الثقافات المغلقة فمع أنه لا بديل للجميع عن الالتحاق بالتعليم إلا أنه لابد أيضاً أن تكون سلبياته معلومة للمعلمين والمتعلمين وأن تكون هذه المعرفة من الحقائق المشاعة لعامة الناس حتى تتكاتف الجهود من أجل تقليل السلبيات وزيادة فرص الايجابيات وأيضاً من أجل أن لا ننتظر من الخريجين أكثر مما هم مؤهلون له، فالتعليم المدرسي في الغالب يبرمج الدارسين على الاستجابة العمياء والتقليد البليد والاعتماد على الآخرين وفقدان الثقة بالنفس والاعتياد على الانقياد الأبله ويؤدي إلى تغييب الاستقلال الفردي واخماد قابليات المبادرة، إنه تقليد وتسييج وتقييد خصوصاً في الثقافات المغلقة التي تتوهم الكمال وتتعامل مع الدارسين على أنهم أوعية تُملأ وآذانٌ تتلقى وليسوا عقولاً تناقش وتأخذ وتعطي وبذلك يقتصر دور الطلاب على التلقي السلبي، وأما التأمل الذاتي المستقل لمن يستطيعه فهو انطلاق وارتياد لذلك اختار ليوبولد فايس أن يخوض غمار الحياة منفرداً فكوّن نفسه بنفسه فكراً وعلماً وأداء وقد آثر الانفراد المبكر فترك الدراسة النظامية متضايقاً مما يعتبره تقييداً للقابليات وإخماداً للتطلعات وهو يفعل ذلك رغم أنه كان يدرس بجامعة أوروبية صاخبة بالنقاش وعامرة بتعدّد الآراء وصراع الأفكار ويعيش في ظل تلك الثقافة الجياشة والمفتوحة القائمة على آلية المراجعة الدائمة والنقد المفتوح والحرية المكفولة فكيف لو كان يعيش ضمن ثقافة مغلقة ترفض النقد ولا تقبل التساؤل وتستنكر المراجعة وتدعي الكمال المطلق؟!!!...
إن معايير الدراسة النظامية لا يستقيم تطبيقها إلا مع العاديين من الدارسين وهم يمثلون أغلبية الناشئين في كل عصر ومصر أما أهل المواهب الفائرة والنافرة فهم قلة نادرة واستثنائية وإذا طُبقت عليهم هذه المعايير فإنها تلحق بهم وبالحضارة وبالمجتمع وبالإنسانية غبناً شديداً وضرراً فادحاً، فاينشتاين لم يكن بالمعايير المدرسية متميزاً وكان يخفق في انجاز درجات النجاح في المواد التي لا يسيغها ولم تكن المواد المرفوضة عنده نادرة وإنما كان لا يسيغ أكثر المواد الدراسية حيث لم يكن يهوى سوى الرياضيات والفيزياء لذلك تفوّق فيهما وأخفق فيما سواهما وكذلك كان ليوبولد فايس فرغم ذكائه الحاد فإنه يقول عن نفسه: «كنت تلميذاً يمتاز بالإهمال وكانت العلوم الرياضية والطبيعية بصورة خاصة تجلب إلى نفسي الملل والسأم وكنت أجد لذة لا حدّ لها في قراءة الأحداث التاريخية المثيرة ثم في قراءة الشعر والفلسفة وكانت أعاجيب الجاذبية والكهرباء كقواعد اللاتينية واليونانية سواء بسواء لا تحرك فيّ أيما حس وكانت نتيجة ذلك كله أني لم أكن أجتاز الصف إلا بشق الأنفس»، ومما له دلالة كبيرة هنا أنه يكره دراسة قواعد اللغة ولا يسيغها أيّاً كانت هذه اللغة ويجد صعوبة في محاولة استظهارها ومع ذلك فهو يتعلم اللغات بسرعة وسهولة مدهشة فلقد أجاد الكثير من اللغات حديثاً وكتابة وقراءة فكرْهه لقواعد اللغة يقابله أداءٌ لغوي خارق فهو كاتبٌ مبدع بأكثر من لغة وما يكاد يلتقي بقوم حتى يتعلم لغتهم ويجيدها أكثر من كثيرين من أهلها وهذا يؤكد أن التفوق المدرسي ليس دليلاً على الذكاء ولا على القدرة المعرفية وإنما هو استظهار مؤقت وبالمقابل يقوم شاهدا قويا على ان الإخفاق المدرسي لا يدل على كلال العقل وانما يدل على غياب الرغبة وفقدان الاهتمام كما أن التفوق المشهود عند محمد أسد في الأداء اللغوي رغم كرهه لقواعد اللغة يؤكد التغاير النوعي بين المعلومات ومهارات الأداء فتحصيل المعلومات المدرسية شأنٌ عام يشترك فيه كل الدارسين، أما المعرفة والمهارة فهي شأنٌ خاص ينفرد به كل فرد بعتاده الذاتي فيحصل أحدهم على الدرجة الكبرى في مادة النحو ولكنه يلحن لحناً شنيعاً ولا يكاد ينطق نُطقاً صحيحاً، وآخر لا يطيق حفظ القواعد لكنه يكتب بفصاحة دون خطأ ويتحدث بطلاقة من غير لحن، وآخر يحصل على أعلى الدرجات في مادة البلاغة لكنه لا يجيد كتابة سطرين وهذه حالات شائعة ومشاهدة ومعروفة وينطبق هذا الحكم على كل المجالات العلمية والعملية وقد فطن لهذا ابن خلدون وأكد عليه مراراً في المقدمة...
إن هذه الحقائق عن التعليم والتعلُّم ودور الرغبة الذاتية وأهمية انبعاث الاهتمام من داخل النفس وضآلة قيمة الاهتمام الاضطراري في تكوين اتجاهات الإنسان وفي بناء قدراته إن هذه كلها ينبغي أن تكون مفهومة للجميع ليتعاملوا مع التعلُّم والمعلمين والمتعلمين بموضوعية وواقعية لا تبخس أحداً حقه لكن لا تنفخ ضموره ولا تضعه فوق مستواه، إن هذه الواقعية في تقييم الشهادات الدراسية سوف تضطر الدارسين إلى أن يكون همهم تحصيل المعرفة وليس الحصول على الشهادة فيتكوَّن فيهم الاهتمام الذاتي ويبقون رغم إلحاحهم على المعرفة شاعرين بقصورهم فيستمرون في بناء ذواتهم وتوسيع معارفهم ويكونون واقعيين في تقييم تأهيلهم النظري فيدركون أن مجالات الأداء تختلف عن مجالات المعلومات فيحرصون على اكتساب المهارات التي يحتاجها مجتمعهم وتتطلبها حياتهم...
إن جيشان الواقع يؤكد أن الأذكياء يخفقون فيما لا يميلون إليه ولا ينجحون فيما لا يهتمون به وبالمقابل يتفوق العاديون إذا توفَّر لهم الاهتمام القوي المستغرق وهذه المفارقة أثارت اهتمام العلماء والباحثين واعقدوا أن اكتشاف أنواع الذكاء يحلُّ هذه المفارقة فأعلنوا أن له أنواعاً سبعة هي: الذكاء اللغوي والذكاء المنطقي الرياضي والذكاء المكاني والذكاء الحركي والذكاء الموسيقي والذكاء الاجتماعي والذكاء الشخصي، لكنني انتهيت بعد تأمل طويل وبحث عميق واستقصاء دقيق إلى ما أعتقد أنه نظرية جامعة هي ما أسميته (عبقرية الاهتمام) فالأذكياء لا يتألقون إلا في المجالات التي يميلون إليها ويهتمون بها فمهما بلغ ذكاء الفرد فإنه يخفق فيما لا يهواه ولا يهتم به كما أن الفرد العادي أو متوسط الموهبة قد يصل بالاهتمام القوي المستغرق إلى درجة العبقرية فلسبب ما تكوّن لدى اينشتاين اهتمام قوي مستغرق بالرياضيات والفيزياء فأبدع فيهما ولو اختلفت الظروف التي عاشها فلربما كان اهتمامه بالتاريخ أو المال أو السياسة أو الاقتصاد أو التأمل الاجتماعي وسيكون إبداعه مختلفاً باختلاف نوع ودرجة الاهتمام الذي يشغله لذلك فإنه في المجتمعات المختلفة ينبغي التركيز على تكوين الاهتمامات الجيدة وتغيير الاهتمامات الرديئة لتتغيّر مجالات النشاط وتتخلّق بيئة حافزة للإبداع فالعقول تنشغل بما تهتم به ذاتياً أما إرغامها على الاهتمام كما هو في التعليم المدرسي فلا يؤدي إلا إلى العقم والكلال...
إن اهتمام ليوبولد فايس بالحقيقة وحرصه على الموضوعية جعلاه وهو اليهودي يفضح التآمر البريطاني مع الصهيونية فحين وصل في عام 1922م إلى فلسطين صدمته كثافة المهاجرين اليهود إليها وتصميمهم على أن يتحولوا بالهجرة إلى أكثرية ورغم أنه في ذلك الوقت لم يكن قد تحول إلى الإسلام إلا أنه كان موضوعياً في كتاباته وكان يمقت التضليل ويحتقر الإيهام وكان يؤمن بوجوب إعلان الحقيقة مهما كانت النتائج فراح يواصل الكتابة في العديد من الصحف الأوروبية محذراً من خطورة هذا التوجُّه الاستيطاني اليهودي وحرص على أن يفند ما أشاعه الصهاينة في أوروبا من أن اليهود يمثلون أكثرية سكان فلسطين وأن الوطن اليهودي قائم من الناحية الواقعية وأنه لا يحتاج من العالم سوى الاعتراف به عملياً كوطن لليهود وكانت كتاباته مؤثرة ولافتة لأنه لا يمكن اتهامه بالانحياز للعرب فهو يهودي كما أنه يكتب عن معايشة ومعاينة واستقصاء فهو يكتب من قلب فلسطين ذاتها لقد راح يفند هذا الإدعاء ويكشف للقارئ الأوروبي أن سكان فلسطين هم من العرب وأن اليهود رغم الهجرة الكثيفة لا يمثلون سوى سدس السكان أي أنهم كانوا أقلية ولم يكن هذا التفنيد مقصوراً على الكتابة في الصحف الأوروبية وإنما كان يواجه الزعماء الصهاينة بهذه الحقيقة ويناقشهم علناً وجهاً لوجه كما حصل حين واجه الزعيم الأول للحركة الصهيونية حاييم وايزمان بهذه الحقائق مما أثار عليه السخط الصهيوني وقد قام بهذا الدور الدفاعي عن الحقوق الفلسطينية والتنديد بالأعمال الصهيونية قبل أن يسلم لأنه كان مطبوعا على حب الحقيقة وإيثار العدل وكانت مواقفه تثير استغراب واستياء اليهود وغيرهم من المناصرين للمشروع الصهيوني لكنه لم يكن يتردد في الجهر بالحق والعدل كموقف أخلاقي ثم صار بعد إسلامه ينطلق في هذا الدفاع من موقف ديني وعاطفي بالإضافة إلى الموقف الأخلاقي الذي يقتضيه الحس الإنساني العادل، يقول في كتابه (الطريق إلى الإسلام): «وبرغم أنني من أصل يهودي فقد كنت أحمل منذ البداية مقاومة شديدة للصهيونية، كنت أعتبر أن من المخالف للأخلاق والمروءة أن يأتي الأغراب تسندهم دولة أجنبية كبرى من الخارج وهم يصرحون علناً بعزمهم على أن يصبحوا أكثرية في البلاد وينتزعوا ملكيتها من الشعب الذي كانت ملكاً له منذ عهد مغرق في القدم وهذا الاتجاه الذي كنت اتخذه كان يستعصي على فهم جميع اليهود الذين اتصلت بهم» وكانت هذه الكتابات الموضوعية محل احترام وتقدير رجال الصحافة الأوروبيين، لقد كتب عن حاضر الشرق وماضيه ومستقبله كما كتب عن مؤامرات البريطانيين والصهاينة فمنحته هذه الكتابات شهرة واسعة فتعاقدت معه جريدة (فرانكوفورتر تزايتونق) الألمانية ليكون مراسلها الخاص المتجول في الشرق الأدنى وليكتب لها كتاباً عن مشاهداته في الشرق بعد عودته...
ونختم الكلام عن محمد أسد بالقول: رغم أنه مثل مرجعاً أساسياً للفكر الإسلامي الحديث وأسهم اسهاماً رئيسياً في تشكيل أقوى اتجاهات المعاصرة فإنه لم ينل ما يستحقه من اهتمام الدارسين فرسائل الماجستير والدكتوراه تتوالى عن شخصيات أقل منه تأثيرا ممن تتلمذوا على فكره، أما هو فلا نجد شيئاً من هذا الاهتمام يوجَّه إليه فهو يشار إليه كثيرا وينقل عنه ويستشهد به لكن لا أعلم بوجود دراسة شاملة عنه سوى الدراسة التي أعدتها عنه باللغة الفرنسية الباحثة (فلورانس هايمان) وحتى كتبه لم يترجم منها إلى اللغة العربية سوى ثلاثة، أما الكتاب الذي أدان فيه الصهيونية قبل قيام إسرائيل بربع قرن فما زال العرب يجهلونه ولا يجدونه مترجماً إلى لغتهم وكذا كتابه (الإسلام والغرب: مقابلة بين عالمين) وكتابه (الشرق الأوسط بلا رومانسية) وهكذا دائماً تطيش سهامنا عن الأهداف وننشغل عن الأهم بما هو أقل أهمية أو بما لا يستحق الانشغال...
(يتبع)
سجل معنا بالضغط هنا
1
على جودة مواضيع النوعية واهميتها للخروج من مرحلة الجمود , الا ان تكاتف الجهود العلمية مهم والتنوع في عرض الاستشكال وطرق حله له دوره الفعال باذن الله في اسئصال الداء من جذورة.
فالتعليم في الغرب مرتبط ارتباط مباشر بالواقع, بكل ما يمثله الواقع على تنوع اطيافه واتساع مساحة كل طيف وكل ما ينتج عن ذلك الواقع من مصالح مادية ومعنوية مباشرة, وما ينتج عنه من نتائج تستخدم كبذور علمية للمستقبل.
وهناك العملية التعليمية فيها نوع من الحياة والحيوة, فهي تتفاعل مع المتعلم مع رغباته وتوجهاته ومع مواهبه وقدراته.
والعلملية التعليمية لكي تتم بصورة كاملة يجب ان تكون خالية من القيود بكل اشكالها وانواعها,
بل ويجب ان تعلم الطالب كيف يتخلص من القيود وكيف يتعامل معها وقبل ذلك تبين له نماذج من تلك القيود التي قد يكون تلقاها من المحيط
فالتعليم انفتاح وتوجه هادف وبناء,
والقيود ضد الانفتاح النفسي والعقلي, بل ان القيود برمجة عكسية للعقل وللنفس.
والتعليم بدون وجود هدف بين وملموس يجعل المتلقي يشعر باليأس والاحباط والضياع النفسي وبالتالي تشتت الذهن والفكر في الفراغ وفيما لا فائدة فيه.
أحسنت ياستاذ ابراهيم وللمشاركة بقية انشاء الله.
وللحديث بقية
صالح المسعود (زائر)
UP 0 DOWN12:28 صباحاً 2005/09/05