الرئيسية > الرأي

من بين الملايين أسّطر كلمة



د. ربيع بن أنور حواري*

من بين الملايين التي عرفتك.. كانت لي لقاءات معك.. ربما لم تشعر بي.. أو لم تعرفني شخصياً.. ولكنك عرفتني بقلبك.. وعطائك.. فأنا أحد الملايين التي كان لكل واحد منها لقاء معك.

كانت أولى لقاءاتي قبل أن أولد.. عندما أراد والداي تسميتي فهد.. ولكن الله كتب لي اسماً آخر.. ثم وجدتني ألقاك وأنا طفل صغير، أنشد «فهد المعارف.. فهد ياحبيب.. علمتنا الهجاء والقرآن الكريم» وترددها معي والدتي.. وأخوتي.. وأنا في خطواتي الأولى على طريق العلم.. وتمضي السنين وتضاء في طريق العلم كل الأنوار وتعبد المسارات.. وتسير الأجيال.. تردد «فهد المعارف فهد ياحبيب».

فمن السنوات الأولى إلى الجامعة إلى البعثات إلى الشهادات العليا. ثم كان لي بل لأسرتي لقاء آخر، عندما كان والدي - شفاه الله - يجتمع بنا على الغداء.. عندما كان ضابطاً في وزارة الداخلية ليروي لنا عن هذا الوزير.. الأمير.. الإنسان.. عن دقته.. عن عدله.. عن تعامله مع ضباطه وجنوده.. وشعب البلاد كله وكيف كان الجميع يتعلم منه حب الوطن أولاً ثم الدفاع عن أمنه بكل الحب.

كان حديث والدي عن الفهد وخاصة في بعض الأمور المباشرة يعطيني الاحساس بأن هذا الإنسان يعيش معنا في دارنا.. بل في كل دار وكل حي.. وكنا نسعد ونحن صغار عندما يقول لنا والدي - شفاه الله - ان الأمير ناداه باسمه.. هكذا تعلم والدي وتعلمنا أن المسؤول القريب من موظفيه.. بالحب والود.. يخلق جواً من العطاء والتفاني.

وتكررت اللقاءات في مبايعتك ولياً للعهد.. ثم ملكاً على البلاد..

وعشت وعشنا معك مراحل النمو والتطور.. وأنت تضع حجراً بعد حجر في صرح هذا الوطن.. وتجني ونجني معك الثمار.

وكان اللقاء الأخير.. هذه المرة أقف مع أولادي.. ولم يكن معي والدي.. الذي هو طريح الفراش يصارع الموت وعندما همست في أذنه بأن الفهد رحل عنا ذرفت دمعة وأراها دمعة من دموع كل من عرفوا الفهد.. نقف لنصلي صلاة الغائب في لقاء صامت حزين في مسجد حِّينا.. بعد أن شاهدنا وشاهد العالم الوداع الأخير لفهد المعارف.. فهد الحبيب.. ويصمت كل الكلام.. ويبقى كلام الحق..

{إنا لله وإنا إليه راجعون}

* استشاري الطب النفسي - مستشفى الملك خالد الجامعي وكلية الطب

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة