الرئيسية > محليات

ضمير الموظفين «ليس خارج الخدمة دائماً»

صندوق اجتماعي يستقبل إعادة الأموال العامة وتسخيرها للخدمات الإنسانية



تحقيق - علي خالد الغامدي تصوير - محسن سالم

خبر صغير - لم يتجاوز نشره عدة سطور - عن موظف أعاد لخزينة وزارة المالية مبلغ (أربعين ألف ريال) حصل عليها - كما يقول - من عمله خارج الدوام دون وجه حق، هذا الخبر أعادني للوراء - عدة سنوات - لحكاية موظف تغيب عن عمله أثناء دراسته العليا، وقرر أن يشتري سيارة جديدة - يُعوض - بها سنوات الغياب الوظيفي، وقام بإهداء هذه السيارة الجديدة إلى الإدارة التي كان يعمل بها على سبيل (التعويض) قبل أن ينتقل لعمل آخر..!

قصة الموظف الأول التي أعجبتني، وأدهشتني، وأسعدتني، واحتفظت بها سنوات في ذاكرتي الصحفية رواها زميل لي.

قال إن موظفاً شاباً يعمل في إحدى الإدارات الخدمية ساعده زملاؤه في سنوات تحصيله الجامعي أربع سنوات، وكانوا يسمحون له بالذهاب للجامعة - أثناء الدوام - تقديراً منهم لطموحه العالي، إلى أن حصل على الشهادة الجامعية، وانتقل لحقل التدريس، وشعر أن السنوات التي كان يترك فيها عمله لا يستحق عنها الرواتب التي حصل عليها فأبلغ الجهة التي يعمل بها عن استعداده لتعويضهم مادياً عن هذه السنوات، وتم (حساب الحسبة).. حسبة الرواتب التي حصل عليها دون وجه حق فقرر دفعها كاملة غير منقوصة، وجرى تقديرها فاتضح أنها تكفي شراء سيارة جديدة تحتاج إليها الجهة التي كان يعمل بها، ودفع الموظف ثمنهاً بالكامل، وأراح ضميره انه لم يخن أمانته الوظيفية على حساب طموحه العالي فسدد الرواتب التي حصل عليها بشراء هذه السيارة، وأسدل الستار على القصة المدهشة دون شك..!

ولم أبادر في كتابة هذه القصة إلا ونُشر خبر توجيه خطاب شكر من وزير المالية لموظف متقاعد أعاد لخزينة وزارة المالية مبلغ أربعين ألف ريال حصل عليها من عمل خارج الدوام لم يكن يستحقها باعترافه.

قصتان أم قصة واحدة

قصتان، أم قصة واحدة، وموظفان، أم موظف واحد، وصحوة ضمير، أم صحوة ضميرين..؟

المسافة الزمنية بين واقعة القصة الأولى التي رويت لي، وواقعة القصة الثانية التي نشرت تُوحي بانهما قصتان، وموظفان، وضمير واحد...

والمبلغ المتقارب الذي تم تسديده بواسطة شراء سيارة جديدة، والآخر الذي أرسل لخزينة وزارة المالية يكاد يجعل - الواقعتين، والموظفين - واقعة واحدة، وموظف واحد، وأن الاجراءات الروتينية هي التي طالت وتسربت القصة إلى أسماع الموظفين إلى أن وصلت لي، وكنت أفكر في تقديمها بطريقة لا تثني بقية الموظفين عن اللحاق بها، والاقتداء بطريقتها، إلى أن قرأت خبر الموظف المتقاعد الذي أعاد الأربعين ألف ريال لخزينة وزارة المالية منقذاً ضميره من مال حصل عليه من عمل خارج الدوام لم يكن يُوفيه حقه من الساعات المقررة.

الموظف المنتج خير من المداوم

وتنشر - بين وقت وآخر - دراسات عن الموظفين، وساعات العمل التي ينتجون فيها مقارنة بساعات الدوام التي يحضرون فيها.

واستخلصت هذه الدراسات أن الموظف الحكومي لا يزيد انتاجه - أثناء ساعات الدوام - عن (37) دقيقة في اليوم، والبقية تذهب لتبادل القصص الاجتماعية، والتعليقات الرياضية، والفنية، والسياسية، والحديث في الهاتف والجوال، وشرب الشاي، والقهوة، والعصير، وتناول (السندوتشات أو الوجبات الأقوى منها)... وقراءة الصحف إذا توفرت، أو (الزوغان) من العمل للقيام بانجاز أعمال خاصة تضمن حياة اجتماعية فيها الكثير من وسائل الرفاهية..؟

وقد عرضت العديد من الدراسات وجهات نظر المختصين، والخبراء حول مسألة ساعات الدوام: هل نتشدد في تطبيق ساعات الدوام على الموظفين بحيث يبقى الموظف على مكتبه (طوال ست ساعات، أو ثماني ساعات)..

وأيهما أفضل: الموظف الذي يُداوم دواماً كاملاً (في ظل ممارسة هواياته أثناء الدوام، وفي ظل حرصه على تضييع الوقت، وعرقلة المعاملات، وتعقيد المراجعين).. أم الموظف الذي يداوم قليلاً، وينجز كثيراً.

واختلفت آراء الخبراء، والمختصين في هذه القضية - المحرجة - وذهبت الآراء في النهاية تُطالب بموظفين - أكفاء - يتعاملون مع مصلحة العمل العامة قبل مصلحتهم الخاصة (وهذا بدوره يتطلب معالجة كثير من الموظفين من عقدتين رئيسيتين: الفوقية، والنرجسية)..؟

هدايا للسادة الموظفين

وطالما أننا في حضرة السادة الموظفين، وحصولهم على أشياء لا يستحقونها (من قريب، أو بعيد) فإن التذكير بذلك مهم، وضروري، ومفيد للغاية فهم لا يحصلون - على الهدايا - وما شابه الهدايا، والعطايا لسواد عيونهم، وتقاسيم وجوههم، وحسن هندامهم بل لأنهم ينجزون معاملات (عقدها الروتين، وتلاعبت بها الأصابع) فتكون - الهدايا - مكافأة لهم من قبل أصحاب المعاملات، والمصالح.

كان السؤال الذي تم توجيهه يقول (بعض الموظفين يتخذون من أعمالهم، ووظائفهم، ومناصبهم وسيلة للحصول على الهدايا، ويتفننون في ذلك.. فما حكم الدين؟!»..

وجاء الجواب من الدكتور عبدالرحمن العدوي أستاذ الفقه، وعضو مجمع البحوث الإسلامية: أن الموظف بينه، وبين الدولة عقد عمل على أن يقوم بالعمل الذي أسند إليه مقابل الراتب الشهري فإذا كان هذا العمل يتصل بمصالح الناس، وحاجاتهم وجب عليه أن يؤديه دون تعقيد، ولا يلجأ للروتين، والتطويل ليجبر صاحب المصلحة المشروعة على دفع (هدية) لأنه بذلك يرتكب كبيرتين من الاثم أولهما أنه ظالم منع وصول الحق لأصحابه، وثانيهما أنه أخذ مالاً لا يستحقه، وكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به.

وكما نعرف فإن هناك فئة من الموظفين يُعطلون مصالح الناس من أجل تحسين أوضاعهم الاجتماعية، ولعلهم يتناقصون..!

«العدوى» بأثر رجعي

ونسأل: هل تمتد هذه (العدوى الحميدة) لتشمل قطاعاً من الموظفين (السّمان، وأنصاف السّمان) فيعيدون ما حصلوا عليه (وهم لا يستحقونه) وإنما حصلوا عليه بالعلاقات، والوساطات، وما شابه ذلك من أمور معروفة لدى الكثير (سواء كان ما حصلوا عليه بسبب هذه العلاقات، والوساطات) أو بسبب (أسلوب الفهلوة، والشطارة، وخلافة)... أو بأي أسلوب (تم تبريره من قبلهم، ومن قبل زملائهم، وأصدقائهم، ومعارفهم، وسماسرتهم وخاصة من هبر هبرة كبيرة أثناء ساعات الدوام، أو خارج ساعات الدوام)..؟

وفي هذه الحالة (حالة صحوة ضمير عدد من الموظفين الكبار، والصغار) علينا أن ننشئ صندوقاً لاستقبال إعادة المال العام إلى مكانه الصحيح، والصرف من هذا الصندوق على الأعمال الإنسانية، والاجتماعية وهي كثيرة، ومتعددة الجوانب، والاتجاهات، والحاجات.

أماً إذا تعلّق الأمر بموظفين حصلوا على أموال بصور غير مشروعة مقابل انجاز أعمال، ومعاملات غير مشروعة فيمكن استقبالها ضمن هذا الصندوق، والصرف منها على النواحي الإنسانية، والاجتماعية مع إمكانية ضمان السرعة التامة في استلام هذه المبالغ، أو جزء منها، وقبول مبدأ التقسيط فيها.. (وعفى الله عما سلف).

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة