د. شروق الفواز
ألم أقل لكم يوماً بأن واقع الإنسان وما يمر به أو يشهده من أحداث هو أفضل مصدر لاستقراء حقيقة المجتمع ومواقع الخلل فيه؟
هذه المرة سأحكي لكم موقفين عشتهما بكل ما فيهما من دوائر حمراء وصفراء تدعونا للتوقف والتمهل لمراجعة واقع الشباب وأفعال البعض منه.
هل تذكرون سائقي ( الفلتة) الذي حدثتكم عنه في أسابيع مضت وعن بطولاته ومهارته؟
في الأسبوع الماضي ارتكب جريرة أخرى مع سائق (أغبى وأغشم منه) لعائلة شاركتني الهمّ والتجربة ذاتها، فكانت النتيجة حادثاً مرورياً بسيط الأضرار ولله الحمد في تقاطع من أشهر تقاطعات الرياض، شارع العليا مع الثلاثين كنت وقتها عائدة من مناسبة ما والساعة تسبق منتصف الليل بقليل لنعيش معا موقفا ساخرا محزنا.
وليتكم تتخيلون ما وقع بعدها؟ الشارع كان مزدحما بطبيعته وازداد ازدحاما إلى الضعف وفي أجزاء من الثانية بعد أن توقفت سيارات كثير من الشباب لتستطلع حقيقة الموقف وتحمد للأسرتين بالسلامة وتستعرض أمام زجاج نوافذها في مشاهد تمثيلية مزرية للفت النظر لم يزدها طينا إلا الفيلم الهندي الذي قام به السائقان الآسيويان وهما ينفسان عن غضبهما وكل يلقي باللائمة على الآخر والشباب السعودي الفزّاع لم يقصر في بحث حيثيات الحادث ونسبة الخطأ وحجم الأضرار، ومع هذا التجمهر الكبير من الشباب والاستعراض المضحك المبكي بل والمخيف أيضا، ومع غياب دوريات المرور في ذلك التقاطع الذي يعتبر الأشهر والأكثر كثافة واستعراضا من قبل الشباب، آثرنا نحن العائلتين النفاذ بجلدنا من هذا الموقف المحرج، والهروب إلى بيوتنا طلبا للأمان!!
حقيقة في خضم ذلك الموقف تمنيت لو كان زوجي يملك قدرة (سوبرمان أو بات مان لينقذني من هذا التجمهر في أسرع وقت وليقي نفسه من مغبة اللوم الذي كنت سأحمله إياه لتأخره).
الموقف الثاني كان في صبيحة تلك الليلة المؤسفة و التي قضيتها بكوابيس مفزعة تتخللها مشاهد الموقف الذي عشته بوجوهه المختلفة الضاحكة والشامتة والغاضبة والتي أكاد أجزم أنها جاوزت العشرين وجهاً.
في ذلك الصباح المبتور وفي تمام الساعة السابعة والنصف وأنا في طريقي إلى عملي أجاهد في مقاومة الصداع الشديد الذي يزمجر في رأسي رأيت مشهدا عجبا، ففي تقاطع شارع الثلاثين مع الضباب ظهرت سيارة سوداء من نوع (GMC) بها مجموعة من الشباب اعترضت طريق السيارات الواقفة أمام الإشارة ونزل منها شابان في حالة نشوة غريبة أشبه بالسكر وأخذا يتراقصان ويتمايلان على صوت الموسيقى العالية التي تصدح من سيارتهما ويراقصهما شاب ثالث خارج من الفتحة العلوية للسيارة .. مشهد هزلي لشباب يرتدون ثياب رجال ويهتزون ويرقصون كما النساء. أما الرابع وكان قائد السيارة فقد صاح بهم ليعودوا للسيارة بعد أن طال تزمير السيارات وعلا صوت البعض، فعادوا بكل استهتار وبطء وهم يواصلون رقصهم ويوزعون ابتسامات بلهاء للعيون المشدوهة التي تحدق بهم. وبعد أن ركبوا سيارتهم قاموا باستعراض أخير بسيارتهم على شكل دوائر وسط المساحة الكبيرة التي تتوسط ذلك التقاطع، ثم اتخذوا مسارا آخر وبسرعة جنونية ضاع فيها صوت موسيقاهم العالية مع الصوت الرهيب لاحتكاك عجلات سيارتهم وهي تنطلق كما الصاروخ لمكان آخر تستعرض فيه وتملأ به فراغ وقتهم القاتل الذي يحرضهم على مثل هذه الحماقات!!
ذلك المشهد أشعل القشعريرة في نفسي من هول ما قد يلاقيه هؤلاء الشباب في تصرفاتهم المستهترة هذه من مخاطر قد تخطف أرواحهم وأرواح غيرهم وتفطر قلوب أهلهم على شبابهم الضائع!
أليس من الحرام أن تهدر طاقات مثل هؤلاء الشباب في أوقات الصيف على السهر العابث في الليل والاستعراض في وقت الصباح لتنتهي بهم إلى مأساة لا تحمد عقباها.
ترى في ذلك الصباح المكرر من صباحات الرياض لماذا غاب التواجد الأمني عن تقاطع رئيسي مثل هذا التقاطع يدور حوله معظم الشباب بعد أن يمضوا ليلهم في الشوارع الأخرى التي تتقاطع معه مثل شارع العليا العام والتحلية حيث تتجلى تجاوزات الشباب وتقليعاتهم التي تتجاوز حدود المرح إلى تعريض أرواح الآخرين للخطر؟
أم أن أجهزة المرور والشرطة تجهل ما يحدث في ليالي الصيف وصباحاتها من تجاوزات الشباب الذي مل أيامه فلم يجد سوى شوارع الرياض يخوضها بسياراته ليستعرض بها ويملأ بذلك فراغ يومه، فلم تحتط لذلك وتعمل خطة مرورية أمنية تمنع حدوث مثل هذه التجاوزات وتحد منها بما يمكن أن يحمله وجودها من هيبة على المكان وتذكير بقوانينه وآدابه.
لاشك بأن تكرار مثل هذه الحوادث والمشاهد لدليل دامغ على الفراغ الكبير الذي يعانيه شبابنا والذي يستنزف طاقاتهم وأخلاقهم أيضا بما يهدرونه في مرحهم المزعوم من آداب عامة وواجبات وحقوق للسلامة.
فماذا عسانا نفعل لننقذهم من فراغ ليالي الرياض الصيفية؟