ربما تكون قضية المساعدات الدولية في أفغانستان واحدة من القضايا الأساسية، وهو ما أدى إلى اهتمام الفنانين بن لانغلاندز ونيكي بيل بها في كتابهما الذي نعرض له «منزل أسامة بن لادن» بالتركيز على الصور المتعلقة بهذا الشأن وتضمين الكتاب مقالا «لكورنر فوليي» - أحد المتخصصين في شؤون المساعدات الدولية - أوضح فيه تفاصيل وأبعاد التناقض بين العدد الهائل للمنظمات الموجودة في أفغانستان لتقديم المساعدات والبالغ عددها 120 هيئة ومنظمة وبين الواقع القاسي البائس الذي يعيشه أهل أفغانستان وهو ما استعرضناه في الحلقة السابقة بالتفصيل.
وقضية المعونات قضية مركزية في أفغانستان على اعتبار أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السيئة التي جعلت من المكان مركزا وبيئة أساسية لنمو الإرهاب لابد أن تتعرض لعمليات تنموية كبيرة كحل وحيد لأزمة أفغانستان.لكن الشواهد على سوء أحوال الأوضاع الاجتماعية وتأثير الحرب المستمرة لسنوات في أفغانستان على سكانها نفسيا واجتماعيا تناثرت عبر رحلة الفنانين البريطانيين في كابول وبعض المناطق المحيطة بها.. ولعل يومياتهما حول هذه المشاهدات هي التي ستلقي الضوء على هذه التفاصيل.
ففي اليوم الخامس لهما في أفغانستان، وهو يوم 15 من أكتوبر، كان عليهما اللحاق بالمحاكمة التي حصلا على إذن بمتابعتها في القصر الحكومي. وهناك اكتشافا أنهما بصدد متابعة محاكمة في جريمة قتل وليس تنفيذ حكم بالإعدام كما كانا يظنان. وخلال انتظارهما لبدء وقائع المحاكمة تم تقديمهما إلى أحد الملالي الذي تبينا لاحقا أنه أحد القضاة في المحكمة، وسلم عليهما ضاحكا . وقريبا منه لاحظا وجود مجموعة من الفتيات يتدربن على التحرير الصحفي قريبا من سيدة ترتدي زيا غربياً لكنها تغطي رأسها بوشاح و كانت تتولى مهمة تدريب الفتيات .
وهمس المترجم المرافق لهما واصفا السيدة بأنها «غسالة كلب» وقد أدهشهما هذا التعبير فأوضح لهما المترجم أن هذا المصطلح يطلقه الأفغان، الذين عاشوا تحت نيران الغزو الأفغاني، على المواطنين الذين غادروا البلاد ليعملوا في الغرب، والذين بدأ بعضهم في العودة إلى موطنهم.
كانت القاعة المخصصة للمحاكمة مكتظة بأشخاص حضروا من أقاصي الريف لمتابعة وقائعها. وفجأة دخل المتهم «عبد الله شاه» وشريكه «محمد عارف» إلى المحكمة وقد قيدت أقدامهما بسلاسل حديدية، ووضعت أيديهما في قيود المساجين يحيط بهما الحراس المسلحون، واقتيدا إلى مكانهما في قفص الاتهام.
كان عبد الله شاه من القادة المشهورين أثناء الحرب الأهلية، وكان يعمل تحت زعامة قائد آخر يدعى «زوداد» من جناح حزب الإسلام.
قبل بدء المحاكمة كان هناك شخص متوسط العمر يرتدي الزي الأفغاني التقليدي اتخذ مكانه بجوار كاتب الجلسة وبدأ يؤدي صلاة افتتاحية يعلن بها بدء المحاكمة. ويصف المؤلفان صوت الأدعية والصلوات التي رددها الرجل بالطلاوة، بينما التزم الجميع بالصمت.
ثم بدأ المدعي بقراءة قائمة الاتهامات الموجهة للمتهم والتي بدت وكأنها بلا نهاية. فقد كان شاه متهما بقتل عشرات من الأشخاص، وبينهم ثلاث من زوجاته، حيث قام بإشعال النيران في أجسادهن ثم ألقى بجثثهن في إحدى القنوات المائية. كما قتل خمسة من أبنائه ومثل بجثث بعضهم حيث قطع آذانهم وأنوفهم. لم تكن هناك هيئة للدفاع عن شاه. وأجاب بنفسه على الاتهامات الموجهة بالنفي ومؤكدا أنها وكل الدلائل ليست إلا إشاعات أطلقها عليه جيرانه.
ثم بدأت شهادات الشهود.. كان كل منهم يذكر اسمه ثم يبصم باصبعه في الورق الذي يضعه كاتب الجلسة أمامه ثم يبدأ في الإدلاء بشهادته. وكانوا غاضبين بشكل حقيقي. وكان كل منهم يحاول السيطرة على انفعاله وغضبه أثناء الإدلاء بشهادته. بينما كان عبد الله شاه يجلس خلفهم وهو يزمجر ويبرطم بهمهمات غاضبة ويسخر ويستهزئ بما يقولونه، أما شريكه المتهم الثاني فقد كان يجلس بجواره وهو يحدق في سقف القاعة.
وفي النهاية أعلن كاتب الجلسة الحكم معلنا أن المتهم قد أدين بالتهمة. وعندها ضجت القاعة بالصراخ حيث راح الحاضرون يرددون الله أكبر الله أكبر .. ويهتفون مهللين . وعندما عاد الهدوء إلى القاعة أعلن القاضي أن المحكمة قضت بإعدامه.
أما عبد الله شاه فقد أوضح للمحكمة أن هذه الاتهامات تعود إلى فترة بعيدة أثناء الحرب الأهلية وأن ما حدث من سلوكيات يعود إلى الظروف التي كان يعيشها خلال تلك الفترة وأنه سوف يستأنف الحكم.
ويشير المؤلفان أن الحكم قد نفذ بعد عامين في شهر إبريل من عام 2004 وفقا لما بثته إذاعة (وكالة الأهرام للصحافة)