السينما.. المثقف والمجتمع
لا يمكن بأي حال، أن نلوم المجتمع لأنه بلا وعي ثقافي وفكري كاف ليس لأنه من المتوقع أن يكون كذلك، وليس لأن الأفراد في أي جماعة اجتماعية من الممكن أن يعيشوا بالحد الأدنى من الوعي، ولكن -بكل بساطة- لأن المجتمع غير مذنب في هذا الخصوص، لأن عوامل محددة، ولاعبين فكريين وثقافيين محددين (ومن الواجب مساءلة هذه العوامل وهؤلاء اللاعبين) صنعوا وعي هذا المجتمع حسب ما يشاؤون، ولم يكن أحد يمتلك -في ذلك الحين- أي قدر من المسؤولية الأخلاقية ليقول للإمبراطور بأنه عار تماماً!
من هنا يصبح من الصعب تمييز المثقف أو المفكر الحقيقي، لأن المعايير قد تحددت وفق مقاييس الصغار، لتتكيف مع وجودهم في حيز ما كانوا ليكونوا فيه لو وجدت معايير حقيقية في أي ظروف طبيعية، تهيئ لنشوء «مجال ثقافي» يكون فيه الكبير كبيراً، والصغير صغيراً دون أن يحتج أحد أو يصاب أحد بالصدمة لأن هذا -ببساطة ودون شرح- الوضع الطبيعي.
مع الحادي عشر من سبتمبر وما أعقبه من تحول خطير على كل الأصعدة، اكتشف الإمبراطور بنفسه -حسب المثل العالمي- ودون أن يقول له أحد ذلك، لأنه لم يكن هنالك من أحد ليقول له ذلك على أية حال، بأنه كان عارياً تماماً ومنذ زمن طويل!
يوم الخميس الماضي 23 يونيو، استضافت قناة الإخبارية في برنامج آفاق ثقافية، المنتج السينمائي السعودي صالح الفوزان، وكم شعرت بالندم، لأنني لم أعرف هذا الرجل لا على المستوى الشخصي ولا حتى كنت أعرف من يكون، وليست المقدمة السابقة اعتذاراً أو تبريراً. لأنني أتأسف فعلا من الأستاذ صالح الفوزان وأرجو أن يعذرني لأنني لم أكن أعرفه قبل الخميس.
صالح الفوزان مثقف حقيقي، يعرف دوره. ويسعى أن يؤدي هذا الدور. شاهدت الحوار مساء الخميس، وفي اليوم التالي تابعت الإعادة لأنني وجدتني أمام مثقف حقيقي برغم اللغة التي يستخدمها، وله الحق لأن أغلب متابعي التلفزيون هم أفراد متوسطي الثقافة.
ثلاث صور، توازي ثلاث نقاط أو أسئلة طرحت أثناء الحوار جعلتني أتمنى لو كنت أرتدي قبعة، من أجل أن أرفع القبعة (كما هو التعبير الفرنسي الدال على الاحترام العميق).
قال صالح الفوزان بأننا «نترك للآخر دائماً أن يصنع صورتنا كما يشاء» ثم ينمط هذه الصورة. لأننا غير فاعلين، نحن في عملية المثاقفة مع الآخر، حيث يفترض أن تكون حركة المثاقفة في الاتجاهين متكافئة أو على الأقل متقاربة، نحن نأخذ بالكامل، حتى صورتنا التي صنعها الآخر، أو نرفض بالكامل ما ينتجه الآخر، حتى صورتنا، لأننا «لا نريد أن نرى أنفسنا» ولأننا «لا نعمل شيئاً لمجرد أننا مواطنون وهذا دورنا تجاه وطننا، نحن نسعى دائماً للكسب الشخصي» ونتجاهل أدوارنا الوطنية الأخلاقية، علينا أن نتعلم -وليس عيباً أن نتعلم بشكل متأخر- أن علينا التزاماً أخلاقياً تجاه وطننا. وهذه هي صورة صالح الفوزان المواطن.
صورة صالح الفوزان المثقف بدت واضحة في رده على سؤال بخصوص ما هي الأولويات بالنسبة لحركة الإبداع السينمائي في السعودية، صالات العرض، المعاهد السينمائية، أم الإنتاج السينمائي؟
ولأنه مثقف حقيقي يريد أن يؤدي دوره الأخلاقي قبل الإبداعي فإنه لم يعتبر نفسه جزءاً من نخبة فكرية أو ثقافية، ويعزل بذلك نفسه عن التأثير في أي «مجال ثقافي» مفترض، فلو كان كذلك لقال صالات العرض. أو المعاهد السينمائية، ولكنه انطلاقاً من وعيه بدوره، وأهمية هذا الوعي في (حماية) قبل أن تكون في (إنتاج) الإبداع. قال ان علينا أولاً «أن نتصالح مع مجتمعنا» فيما يتعلق بفكرة السينما، لأن لدينا أحكاماً مسبقة، ترسخت في كل مكان.
نعرف تماماً بأن السينما أداة هامة من أدوات المثاقفة. وقبل ذلك، أحد أهم أدوات تنويع الإنتاج الإبداعي، والاستهلاك الثقافي، ولعلنا لا نكون بعيدين عن الحقيقة حينما نقول بأن الروايات التي تحولت إلى أفلام أكثر شهرة بمراحل من تلك التي ظلت كتباً لا يستهلكها سوى الأوساط المثقفة.
بالإضافة إلى ذلك علينا أن نقول للمجتمع، كخطوة نحو مصالحته مع السينما كفكرة، بأن هناك تناقصاً كبيراً في هذا الجانب -ككل جوانب حياتنا المترعة بالمتناقضات- هو أنه في حين نرفض السينما. وصلات العرض السينمائي، فإننا أحد أكثر الشعوب متابعة للأفلام عن طريق الفيديو، نحن نشاهد ما يشاهده الآخرون في صالات العرض السينمائي، في بيوتنا، الأسوأ هو أننا نشاهد ما قد شاهده الآخرون متأخراً جداً!!
السينما- ككل أداة أخرى- يمكن أن تستخدم لإنتاج إبداع راق، يستهدف الإبداع قبل كل شيء، ويستهدف صنع مجتمع طبيعي قادر على أن يجعل إنتاجه جديراً بالاستهلاك في المجتمعات الأخرى وقد يستخدم استخدامات تستهدف الكسب الشخصي دون أي اعتبارات أخرى: لا يمكن أن يوجد الشيء دون أن يوجد نقيضه، وإلا لما كانت هناك معايير تحكم ماهو جيد، وما هو سيئ، ولما كان هناك أناس أخيار، وأناس أشرار تبعاً لتلك المعايير.
يقول صالح الفوزان بأن «كل شيء يمكن أن نقول عنه انه يقود إلى الجيد أو السيئ». الخوف من كل شيء يجعلنا لا نرى إلا الجوانب السيئة ولذلك نحن لا نتقدم، لأننا نخاف من أن نتقدم. هذه صورة صالح الفوزان النموذج، في الحوار وفي الرغبة في الإبداع.