مشروع الإسلام الحضاري الذي طرحته ماليزيا كان متميزاً في شموله وأصوله وتنوع وسائله، وبالطبع كأي مشروع حضاري فإن رئيس الوزراء الماليزي عند استعراضه لهذا المشروع كما سبق أن استعرضه د.محمد شريف بشير وناقشته في مقالتيّ السابقتين، لم يغب توضيح التحديات التي ستواجه هذا المشروع، وهو كما يراها تحديات داخلية من أبرزها:
1-الجمود والتقليد، حيث يقف تيار الجمود والتقليد عقبة أمام محاولات التجديد والاجتهاد بدعوى الإبقاء على القديم وإن لم يكن صالحاً لعصرنا، وهو تيار يعبِّر عن نفسه كما يقول سواء فيما يخص الجمود المذهبي والتقليد الفكري..
ورغم أهمية هذا التحدي إلا أنه يعتبر أحياناً في رأيي قناة يمرق منها من يحارب الدين والتدين تحت مظلة أن كلاً منهما قديم لا يناسب مقتضيات العصر.. ولهذا كان الأهم هو معيار هذا الجمود، وأيضاً معيار التقليد الذي أصبح وبالاً على نسيجنا الثقافي والاجتماعي.
2- التطرف. وهو تيار أفرزته المشكلات والاختلال العميق في المجتمعات المسلمة ويعبِّر عن نفسه في حركات التطرف الفكري والسلوكي.
في هذه النقطة أعتقد أن تجذير التطرف في المجتمعات المسلمة ليس موضوعياً، فالتطرف لم يكن نبتة في مجتمع مسلم قدر ما كان إفرازات الاستعمار الغربي للمجتمعات المسلمة وغياب العدالة فيها فهذا الميراث من مخلفات الآراء والأفكار التي تركها الاستعمار في كل مجتمع مسلم احتله ورحل بآلته العسكرية عنه لاحقاً وترك بقاياه في روافد ثقافية ونتوءات أيديولوجية وتخلف وجهل وأنظمة حاكمة ليست عادلة في مجموعها مما شكّل أرضاً خصبة للعديد من المشكلات كان التطرف لاحقاً إحداها.
3- الانعزال والترهب.. كما يقول رئيس الوزراء الماليزي عبر مشروع الإسلام الحضاري هو تيار ينتشر وسط الأمة الإسلامية وتغذيه المواقف السلبية الداعية إلى الزهد والرهبنة والابتعاد عن الدنيا والانصراف عنها..
4- العلمانية.. وهي اللادينية التي ترفض ارتباط الدين بالحياة وتوجهه لجوانبها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وتحارب تدخل تعاليم الدين في شؤون الدولة والحكم.
.. ما أعتقده أن هذه النقطة الرابعة هي من أهم التحديات التي ستواجه مشروع الإسلام الحضاري فما يحدث الآن هو تغلغل هذا التيار في مختلف المجتمعات المسلمة وبدأ يحارب في عدة جهات لنشر مبادئه وثقافته مستخدماً مختلف الوسائل إعلامياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، بل وسياسياً.. وأسوأ ما يمثله هو التستر برداء التحديث وعصرنة الإسلام.. ومصطلحات أخرى تصب في التيار نفسه ولكن من خلال التمويه!!
5 - أحادية المعرفة.. فالمعرفة الجزئية سواء بالشرع أو الواقع تؤدي إلى نظرة جزئية للأمور وتحجب عن صاحبها معرفة الأبعاد الحقيقية للقضايا وبالتالي يكون حكمه قاصراً وعاجزاً عن المعالجة الوافية، ولا بد من معرفة بالشرع والواقع معاً.
6 - الضعف في إدارة الوقت - إن إهدار الوقت وعدم إدراك قيمته من أوضح أسباب الفشل والتردي في الحياة العامة في البلاد الإسلامية.
٭٭ هذه التحديات مهمة ومواجهتها تتطلب وعياً بالمهمة وتخطيطاً استراتيجياً لا يترك دقائق الأمور.. ولا ينشغل بتوافهها.. ولهذا نجد أن تعليق البروفيسور عبدالله محمد زين وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف الماليزي حول هذا المشروع يوضح(أن الإسلام الحضاري يؤكد على تنمية الجوانب الحضارية التي تستند على العقيدة الصحيحة كما يهتم بتحسين وتطوير نوعية الحياة عبر المعرفة والعناية بالجوانب الروحية والمادية وهذا المشروع يتسق ويتناغم مع مبادئ خطة الاستراتيجية العشرينية التي تهدف إلى أن تصير ماليزيا بحلول عام 2020م دولة صناعية متقدمة ومتطورة. وهذه التنمية المراد تحقيقها ليست تنمية للقطاع الاقتصادي فحسب، بل هي تنمية تشمل الجوانب الاجتماعية والروحية والثقافية والمادية).
ولا يتعجل عبدالله محمد زين تطبيق المشروع أو فرضه سريعاً، ويقول: (ستجتهد الحكومة الماليزية في تنزيل ذلك على الواقع بسلاسة وتدرج لأن التطبيق الحكيم والمتأني يؤتي ثماراً جيدة وإلاّ فمن الممكن أن يرفض المجتمع المفهوم الجديد، والمشروع قابل للتطوير واستيعاب الأفكار والاجتهادات النافعة والجديدة، فنحن في حاجة لتلبية متطلبات الحياة المعاصرة بما يتفق مع إسلامنا وتعاليم ديننا)،
ويؤكد زين على أن فكرة مشروع الإسلام الحضاري فكرة مبدعة يتبناها رئيس الوزراء حالياً وتهدف إلى الاستقرار السياسي والإسلام الاجتماعي واستدامة النمو في ماليزيا لأنها من العناصر المهمة لاستدامة النمو الاقتصادي، ويولي المشروع اهتماماً للتعليم الإسلامي واللغة العربية ومواد التربية الإسلامية والفقه الضروري، ويبدأ بتطبيق منهج تعليمي لهذا الغرض من مراحل التعليم الأولى وخاصة للتلاميذ المسلمين حتى يعمقوا صلتهم بالإسلام ويتمثلوه في حياتهم، والحكومة حريصة على الأمانة والطهارة ومحاربة الرشوة وتعمل جاهدة بكل الوسائل في هذا المضمار.
٭٭ الوثائق الرئيسية لهذا المشروع قيد المراجعة من قبل وزارة الشؤون الإسلامية ومعهد تفهم الإسلام وسيخرج هذا المشروع باللغة الملاوية ويترجم إلى اللغتين العربية والإنجليزية، ويشمل ذلك أهداف ومبررات الأخذ بالإسلام كمنهج حياة متكامل من أجل تطوير المسلمين وزيادة تقدمهم في مجالات العلوم والتقنية والاقتصاد والإدارة والأخلاق، وسيكون الكتاب مشروعاً متكاملاً ودليلاً واضحاً والحكومة تمهد لقيام منابر تناقش قضايا الاقتصاد والتعليم والثقافة وتجمع المختصين والخبراء وعلماء الشريعة.
٭٭ هذا هو المشروع الذي يفترض أن تتبناه جميع المجتمعات المسلمة التي تنشد التقدم الحقيقي دون تبعية ودون تخاذل ودون تفريط في تعاليم هذا الدين وقيمه ومبادئه إرضاء لضغوط الإدارة الأمريكية ومن والاها من دول غربية.