قراءة آخر نتاج ابراهيم الكوني ربما دفعت القارىء الى التساؤل عن صحة وصفه بأنه رواية بينما هو معرض افكار تتوسل بما يشبه السرد ليغور الكاتب من خلاله في امور النفس.. البداية والحياة والنهاية بنفس هو نفس الفكر الاشراقي ورؤية المتصوفة وفي اجواء من الخرافي والاسطوري.
ولدى قراءة اخر نتاج الكاتب الليبي قد يشعر القارىء بأنه لا يستطيع الا ان يتذكر اجواء جبران خليل جبران عامة وكتاب «النبي» في شكل خاص.. بل الاسلوب الجبراني في احيان عديدة وبعض روافد هذا الفكر فضلا عن خليط فكري متجانس الى حد بعيد قد ينطلق من افلاطون وافلوطين وصولا الى النفس عند ابن سينا التي هبطت من «المكان الارفع».
حمل كتاب الكوني عنوانا ينضح بمحتواه وهو «ملكوت طفلة الله / صورة آنا الكوني بلسان الصمت» وصدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في 143 صفحة متوسطة القطع. وقد وصف الكتاب بأنه «رواية» وقد يكون في هذا الوصف تصورا «مطاطا» لحدود الرواية يجعلها تبتعد عن مفهومها الفني الحديث في شتى تلاوينه الفنية المألوفة ليتحول الامر الى مجموعة من الصفات والاراء التي ان جمعت بعضها الى بعض ابرزت ..في شكل يصطنع السرد كي «يروي».. مواقف معينة من الحياة بداية ونهاية وما بينهما من سنوات ومن موضوع النفس البشرية عامة.
في هذا «العالم» الذي ينسجه الكوني بخيوط من الفكري الفلسفي والايماني والخرافي الصحراوي في شكل خاص ومن الاسطوري والمعتقدات الدينية «البدائية» ايضا قد يجد القارىء نفسه امام معرض متنوع من هذه الخيوط التي ليس فيها جديد بارز والتي لا تشكل في النهاية نسيجا فنيا واحدا او فلنقل رقعة واحدة. انها تجمع خيوطاً هي افكار تتجاور ولا تتداخل في نظام فكري واحد او عمل فني متماسك متكامل.
الصمت هو السر ونسغ الحياة كما يراها الكوني والصمت هو تجسيد وان بصورة سلبية لعالم الاسرار وكل محاولة للكشف هي في النهاية اكثر من مستحيل.. انها انتهاك لقدسية عالم الاسرار هذا.
قسم الكوني كتابه الى ستة عشر فصلا او «دائرة» ومن ذلك مثلا دوائر «الاسم» و«الزمان» و«كلمة السر» و «الخطيئة» و«الساحرة» و«الميلاد» و«الخروج» و«الرؤيا» و«الحرية» وغيرها.
في الدائرة الاولى وعنوانها «الاسم» دخول في مزيج من العالم الجبراني والصوفي. يبدأ قائلا بلسان «بطلته» اذا صح ان نعتمد هذه الكلمة «اعلم ان نار الفضول تنهش قلوبكم لانكم ملة مجبولة على الفضول. لان الفضول هو حقيقتكم. الفضول هو طعامكم... اعترفوا انكم تتحرقون شوقا لمعرفة هويتي تتشوقون لمعرفة سر هذه الشقية التي تخرق ناموس دنياكم لانها تريد ان تتحدث بسر دينكم وخفايا دنياكم قبل الاوان.. تريد ان تقول كلمتها بلسانها هي لا بلسانكم انتم مخالفة بذلك اعرافكم التي توارثتموها عن اسلافكم منذ الاف الاعوام.»
وتضيف «الاسم رسالة وليس نعتا ابله كما تظنون. ولا تدرون كم فرحت عندما سمعت القابلة تصرخ في اذني هذه بالاسم الصغير الملفق من حرفين اثنين بل من حرف واحد بالاصح هو النون لان ناموس الخفاء لا يعترف بغير السواكن حقيقة اما الصوائت فلا علاقة لها بالعلامة لانها مجرد اصوات زاعقة.»
وتختم قائلة «من تكلم لسان الابدية لن يكتب له ان يتكلم لسان الدنيا ابدا ومن تكلم لسان الدنيا هيهات ثم هيهات ان يتكلم لسان الابدية.. لسان الحقيقة.»