علي أولاً أن أعترف أنني عندما فكرت بكتابة هذا الموضوع تمازقتني الأفكار - كما تفعل بي عادة - لكن هنا كانت أقوى وخاصة، وخاصة وأن أمامي كم من المواضيع كلها تتعلق ببعضها البعض، فكرت أيها له الأولوية لديه أن نناقش قيادة المرأة السيارة، أم أن تكون هنالك مدارس أفضل للبنين والبنات، قلت لنفسي، ما يمنع أن يسير هناك اتجاهان بنفس المسار. رحت أيضاً أقول أيهما أهم أن تقود المرأة السيارة أم أن نفتح جامعات أكثر (أعرف بالثلاث جامعات القادمة، ولكن حتى مع افتتاح عشر لن نكتفي). أيضاً قلت ومسار ثالث لذلك.
عندما واجهني شرطي الجوازات بطلب تصريح من ولي أمري لأسافر مع وفد حكومي، ولا يمكن لامرأة مهما كانت أن تذهب خارج البيت وتنام خارجه بلا علم زوجها، ربما حتى الجندي الذي طلب ذلك، لا يخرج ألا بعد معرفة زوجته أين سيكون. سألت نفسي أيهما أهم أن أشعر أن الدولة ممثلة بأجهزتها جميعها تحترم إنسانيتي، أم أن أقود السيارة، تضخمت كثير من الأفكار علي، ووجدت أن أغلبها يمكن أن يسير مع بعض، لذا صب الأمر كله بأننا أناس تعقد الأمور كثيراً ونشابكها ثم نأتي فنقول حلها ياحلال، من هنا كان الطريق نافذاً أمامي لكتابة هذا الموضوع.
لا أدري أين مسؤولو ومحررو كتاب (جينس) للأرقام القياسية عنا، فنحن نستحق أخذ مكان مميز به، فنحن أعظم شعب وأعظم أناس يتفنون في صنع العقد، من أي شيء كان، وحتى من لا شيء.
نحن نحيك من أبسط الأمور أردية للتعقيد جاهزة للبس، ونستعد لتفصيلها بمقاسات مختلفة وملونة، وكلما شرعنا بحل عقدة حكنا بدلاً منها آلاف العقد.
نحن كالمرأة الخائبة التي تريد أن تخيط، لكنها لا تعرف الخياطة، ولا تعرف كيف تأخذ الخيط الفلاني من العلاني، لذا فهي تسحب خيطاً من بكرة ثم تتركه لتسحب آخر وبلون آخر ومن بكرة أخرى، فآخر، وكلما سحبت تركت، حتى تتشابك كل الخيوط ولا تستطيع أن تحظى بخيط تخيط به شق ثوبها.
هكذا نحن، بالأخص الذين يتولون النطق باسمنا، فهم ما أن يجدوا حبة حتى يدحرجوها على ثلج تسير وتكبر وتضخم وهي مجرد ثلج، قد يصله الدفء فيعود حبة كما كان.
والمشكلة ليست بالحبة الرئيسية الصغيرة بل من حمل هذه الحبة وسار بها وضخمها، والمشكلة الأكبر الثانية أنه يضيع أغلى شيء في الوجود، شيء لا يمكن تعويضه وهو الوقت، الذي يسير بين أخذ ورد، وسفك النقود ضد أو مع.. إننا نستعجل ونستحدث الأحكام كي يضيع الوقت والمال سدى.
ها أنا الآن أكتب عن موضوع قيادة المرأة للسيارة، وقد كتبت به منذ الثلاثين عاماً عندما كنت أكتب في جريدة اليوم، والأمر لازال على ما هو عليه وأكثر، خلال ذلك خسرنا جهداً كبيراً وما لا يتمثل في:
1- جهود استخراج سمات الدخول (الفيز) وإضاعة الوقت بين دوائر الاستقدام، وبين مكاتبه.
2- صرف مبالغ مالية سواء للدولة (هنا أشك أن الحكومة تتواطأ مع المعارضين وبالأخص وزارة العمل حيث يدخل لها مبالغ طائلة جراء ذلك، يعني تستغل الفرص) أو لمكاتب الاستقدام الأهلية.
3- الإقامة وما تأخذ من جهد من رب العمل أو ربته، كذا النقود التي تدخل لميزانية الدولة جراء ذلك.
4- مؤسسات تعليم القيادة، حيث لابد من رخصة قيادة سعودية ولابد من مرور السائق على هذه المؤسسات، ومن استنزاف الوقت والمال. هذا إذا افترضنا أن السائق جاء كما ينبغي.
وقد تكثر النقاط إلى مالا نهاية.. وشيء يجر آخر، ولكن أمام كل ذلك وأمام المعترضين، والمؤيدين لهم والتابعين بسبب وبدون سبب علي أن أبين ما يلي: نتكلم عن الفضيلة، والفصل، ومنع الاختلاط، ثم نحضر عن قصد وعمداً وأمام كل مؤسسات الدولة ومباركتها، بما في ذلك رجل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رجالاً غرباء، لندخلهم بيوتنا، ولنركب معهم في مركبة واحدة وتسير بنا أمام أعينهم في الشوارع والطرقات دون أن يرف لأحد جفن.
بينما قيادة المرأة للسيارة هي التي ستحرق الفضيلة. وحتى يطرف الجفن أنتظر لبعد غد.