د. فوزي الأسمر
حان الوقت لإسرائيل أن تفهم، أنه مهما طال الزمن، فإن الشعب الفلسطيني لن يتنازل عن حقوقه وكرامته، ولا تستطيع إسرائيل وعملاؤها غسل دماغهم وتسييرهم حسب أهوائهم.
والأمثلة كثيرة على ذلك، خصوصا فشلها في إقناع فلسطيني 1948، بأجيالهم المختلفة، بأن يقبلوا الدولة الصهيونية على علاتها، ويعيشوا كمواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة. بل وتبين أن الأسلوب الذي اتبعته حكومات إسرائيل على مدى نصف القرن الماضي، لتحطيم معنويات فلسطيني 1948 قد فشل، لأنه أسلوب استعماري أثبت فشله في السابق أيضا.
وظهر هذا الاتجاه في التعامل مع فلسطيني 1948 منذ قيام إسرائيل، ففي الخمسينات، وضع أوري لبراني، والذي كان في يحنه مستشارا لرئيس الوزراء، دافيد بن غوريون، للشؤون العربية (وأصبح فيما بعد المنسق للشؤون اللبنانية)، وضع النقاط على الحروف عندما قال في لقاء مغلق مع الصحفيين اليهود: «إن هدفنا إبقاء العرب في إسرائيل حطابين».
ولكن منذ ذلك الحين تبين أن فلسطيني 1948، وصلوا الى قمم كثيرة في مجالات عديدة منها العلوم والرياضيات والسياسة والشعر والأدب والرياضة والتمثيل.
فقد أقاموا أول حركة سياسية فلسطينية، والتي نادت بحق الفلسطينيين بإقامة دولتهم المستقلة حسب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 194، و هي «حركة الأرض». وقبل عدة سنوات فاز طالب مسلم في مسابقة الدول (اليهودية) للتوراة.
وفي أعقاب حرب 1967 صدّر فلسطينيو 1948 الشعراء والأدباء وكتاب الروايات والقصص القصيرة والباحثين والمؤرخين الى العالم العربي، وهم يتغنون بأجمل المواقف القومية العربية. وكان الأديب الشهيد، غسان كنفاني، أول من سلط الأضواء على الأدب الفلسطيني المقاوم، في مؤلفاته مثل: «الأدب الفلسطيني المقاوم من 1948 - 1968).
وكل هذه الأمور لا تزال مستمرة لدى الفلسطينيين داخل إسرائيل. وفي الخامس من شهر حزيران/ يونيو 2005، سمع العالم قصة جديدة، عندما رفضت فتاة فلسطينية اسمها عبير قبطي من مدينة الناصرة، والتي كانت تشارك في مسابقة يقدمها التلفزيون الإسرائيلي (لقد كانت قبطي العربية الوحيدة)، ووصلت إلى المراحل الأخيرة بهذه المسابقة حيث تصل الجائزة الأولى فيها حوالي مليون دولار أمريكي.
وعندما طلب من المتسابقين الوقوف تحية للنشيد «القومي الإسرائيلي» رفضت عبير ذلك، وبقيت جالسة. واضطر القائمون على هذه المسابقة إخراجها منها، باعتبار أن هذا النشيد هو أحد رموز الدولة العبرية. وعندما سألها أحد الصحفيين عن السبب الذي دفعها الى ذلك قالت: «إن هذا النشيد لا يمثلني ولا يعبر عن شعوري كمواطنة عربية في الدولة، ولا أستطيع أن أتماثل مع الرموز الصهيونية مثل هذا النشيد والعلم الإسرائيلي».
وإذا صدق ظني، فإن عبير تمثل الجيل الثاني، وربما الثالث الذي ولد ونشأ وترعرع في إسرائيل، ولم تستطع الدولة العبرية منحها الشعور بأنها تعيش في دولتها، وتمنحها جميع الحقوق وتطلب منها تقديم الواجبات ومع ذلك، فإن عبير وجميع أبناء فلسطيني 1948 يشعرون أنهم يعيشون على أرض وطنهم، الشيء الذي يتناقض مع مبادئ الدولة العبرية، التي تريد أن تقيم دولة «يهودية». بمعنى أن اليهودي هو المواطن المتميز في تلك الدولة، وبالتالي فإن أبعاد هذا الموقف هي أبعاد عنصرية.
والذي قالته عبير صحيح. والرد الأول الذي يصل الى مسامعك هو: فلماذا لا تترك البلد وتهاجر؟ وهذا في الواقع ما تريده إسرائيل. أما بالنسبة لعبير، وغيرها من فلسطيني 1948، فإن الجواب أكثر وضوحا بالنسبة لهم: إننا نعيش في وطننا وعلى أرضنا. أما أنتم فقد أتيتم غزاة وسرقتم الأرض، وأقمتم دولة غير شرعية، وفرضتم علينا شعارات تتناقض مع شعورنا وقوميتنا.
ويذكرني هذا الموقف بكلمة ألقاها لطفي مشعور، رئيس تحرير صحيفة «الصنارة» التي تصدر في الناصرة. كان ذلك قبل سنتين تقريبا، بندوة في مركز الصحافة في تل - أبيب لقد أتى هناك مع ابنته، التي كانت رافضة بشدة أن تحضر الندوة اطلاقا من أنه لا توجد فائدة بمثل هذه الندوات. قال مشعور ما معناه: لقد تعاملت حكوماتكم مع والدي، وأنا أحاول أن أحاوركم لكي تفهموا أن الطريق الذي تسلكونه، مع الفلسطينيين في إسرائيل، ومع محاولاتكم الفاشلة في حل القضية الفلسطينية حلا مقبولا، بات بدون جدوى. والآن أقول لكم، انكم لن تجدوا أي تجاوب من الأجيال القادمة، والتي من المفروض أن تولد وتترعرع في هذه الدولة. أعني جيل ابنتي التي رفضت أن تحضر هذه الندوة، وفضلت أن تنتظرني خارج هذا المبنى.
هذا هو الجيل الذي تنتمي إليه عبير قبطي، الجيل الرافض لكل الممارسات الإسرائيلية، والرافض للرموز الصهيونية التي تفرض عليه، والرافض لأنصاف الحلول. هذا الجيل الذي يرى نفسه جزءاً لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، الذي هو جزء لا يتجزأ من الأمة العربية.
والواقع الذي يعيشه فلسطينيو 1948، هو أنهم يعيشون في وطنهم وعلى أرضهم، ولكن ليس في دولتهم، وهذا ما لا تريد إسرائيل أن تفهمه. وطالما أنها دولة «لليهود فقط». فإنها ستستمر في مواجهة صعوبة التعامل مع سكان منطقة الشرق الأوسط، لأنها لن تستطيع أن تتقدم بحل مقبول على الشعب الفلسطيني.
ولهذا السبب طردوا عبير قبطي من المسابقة لأنها مثلت «الجيل القائد».