اغتيال الصحافي سمير قصير لن يكون حادثة الاغتيال الأخيرة، لأن استقراء المستقبل يعتمد على معايشة الحاضر والماضي الذي لم يكن ساراً بأي حال، فمسلسل الاغتيالات الذي بدأ باغتيال الرئيس رفيق الحريري يذكرنا بالحرب الأهلية التي دامت سنوات ودمرت معها نفسيات قبل تدمير البنية الأساس التي أعادت لبنان إلى الوراء وجعلته في متناول أطماع داخلية من قبل فئات مشبوهة لا تهمها مصلحة لبنان بل الاصطاد في الماء العكر لتحصل على مكاسب شخصية تتعارض مع أي مصالح وطنية أو شعبية، بل وهو ما شجع إسرائيل على التدخل في الشأن اللبناني وتحقيق مطامعها باحتلال الجنوب الذي شجعها فيما بعد على اجتياح لبنان في مأساة لم يعرفها لبنان في تاريخه وما نتج عن ذلك من دمار ومشكلات أمنية وسياسية ظلت جاثمة على صدر هذا البلد، إلى أن عاد إلى التعافي تدريجياً وعمل رجاله المخلصون على لملمة الجراح وإعادة البناء.
لكن الفئات المشبوهة التي لا تتعايش مع الاستقرار ولا ترتاح للبناء سعت إلى قلب الطاولة على كل جهد وطني يسعى إلى تفعيل الجهد اللبناني عربياً وعالمياً بعد تقوية أركانه داخلياً وبناء ما دمرته الحرب مادياً ونفسياً واجتماعياً.
ولعل اغتيال الرئيس الحريري وهو الشخصية الوطنية الأبرز التي بادرت إلى بناء الوطن وانتشاله من رماد الحرب ودمار الاقتتال كان بداية الشرارة التي سوف تدخل لبنان في متاهات حرب أهلية أخرى، رغم الحراك السياسي الواسع الذي توج بانتخابات حرة ونزيهة وما سبقها من اعتصامات ومظاهرات واحتجاجات واسعة أدت إلى تنازلات وتفاهمات مهمة من أجل تهدئة الأوضاع وصولاً إلى استقرار أمني وسياسي يحافظ على بقاء هذا الوطن الذي يفاخر بالحرية والانفتاح واستيعاب الفرقاء والأطياف المتعددة.
لكن حوادث القتل الأخيرة أثبتت أن من يقومون بها ليس لهم مواقف سياسية محددة تصب في مصلحة لبنان لأنهم لم يقبلوا بالتفاهمات التي قادت إلى الانتخابات ولم يدخلوا في إطارها ويوضحوا مطالبهم، وإنما لهم أهدافهم السياسية الخاصة التي لا تتوافق مع مصالح الوطن والشعب، أو أنهم مأجورون لجهات خارجية لا ترى مصلحتها في وحدة لبنان واستقراره، وهنا لابد من تكاتف الجهود الوطنية لكشف الأقنعة عن وجود المجرمين وإنهاء سيل الدماء والتدمير حتى لا يعود لبنان ساحة حرب مرة أخرى.
Salem@alriyadh.com