صخب الحركة، وضجيج نهار الأشرفية، وحركة شوارعها الرئيسية، ومطاعمها، ومقاهيها، وزحمة السير الخانقة في ساحة ساسين، لم تمنع الصوت المدوي أو تقلل من مفاعيل دويه - على الأقل - لكي لا يزلزلنا في مكتب جريدة «الرياض» الذي يقع على بعد حوالي ثمانمائة متر من مكان انفجار سيارة الزميل سمير قصير، واستشهاده.
تدافعنا نحو شرفة المكتب..؟؟
الملح في جوف كل واحد منا، كما لو شرب بحار العالم.
وجوهنا كما قشر الليمون.
التساؤلات المرتبكة التي لم تطرح بعد، لا تجد أجوبة، لأننا لا نملك الأجوبة، غير أن الحاضر معنا، وما تشي به العيون، والقسمات والتصرفات هو الفزع، والخوف، والقلق، وربما التفتت..؟!
أين..؟؟
ماذا..؟؟
من..؟؟
كيف..؟؟
لم تعد الأسئلة، أو صيغ المادة الصحافية الخبرية ذات مدلول. كانت في واقعها تعبير احتجاجي رافض لكل أشكال الموت، والإرهاب، والقتل والتدمير. الذي يجد من يسوغه، ويمارسه، ويرسخه كثقافة..!؟.
نزل بعضنا متلاشياً في جموع الناس التي تدافعت إلى مكان الحادث، الحدث، محاذراً الموت تحت عجلات سيارات الإطفاء، والإسعاف، وأقدام الخائفين المفزوعين..!؟
من..؟؟
سمير قصير..!؟
كان مشهداً يحتاج إلى أزمنة طويلة لتفتيته من الروح، والنفس، والمشاعر، وغسل كل سواده الذي لبس الداخل، وتغلغل إلى كهوف الذاكرة..!؟
في حالات الحزن، والصدمات، والأوجاع، والتلاشي يفضل الإنسان أن يكون وحيداً - ولو لفترة -.
كان أقرب، وأفضل مكان مقهى «التشيز» في ساحة ساسين. الذي كثيراً ما تواجدنا فيه مع سمير قصير، نحكي الهموم، ونتبادل المعلومات، ونتفاءل بمستقبلات جيدة للثقافة، والرأي، وأنماط العيش والحياة، وانعتاق الأمة من كل أوجاعها، وداءاتها، وأشكال تخلفها. وصحواتها التاريخية التي تقوم خلالها كما طائر الفينيق.
في المقهى. استحضرت سمير قصير.
رجل وديع هادئ متواضع حالم بكل الأشياء الجميلة في الحياة للناس، والإنسان، والأرض.
أستاذ جامعي أثر في صياغة وتشكيل جيل تنويري فاعل في الحياة العامة، مؤمن بقضاياه العروبية، والتزاماته القومية.
مفكر، وكاتب، وباحث ملتزم موضوعي جاد. وظف وعيه وتحصيله الأكاديمي في جامعة السوربون من أجل إيماناته المطلقة بأمته، وإنسان أمته، وقضايا أمته.
بسيط إلى درجة التسكع، لم يوظف قلمه، وفكره، وامتداداته الثقافية الواسعة في فضاء الفكر والثقافة من أجل العيش في الفنادق المترفة، والاماكن الباذخة، بل إن مظهره الدائم ببنطلون الجينز، والقميص العادي يشي بتعففه..!؟
وبعد:
المثقفون، والكتاب، والشعراء، والفنانون، والروائيون، والصحافيون، وحملة الفكر، والقلم لا يعرفون قتل عصفور، أو ذبح دجاجة، الطغاة، والمستبدون، وقطاع الطرق، والدمويون، والسفاحون هم من يعيشون هذه الثقافة..
رحم الله سمير قصير..!؟.