- هل تعرف الاستهتار الصدقي؟!
أجبته وأنا أزيح سماعة الهاتف عن أذني، كي لا تنفجر طبلتها:
تقريباً.
- تقريباً؟! إذن اسمع قصتي. تقدمت بطلب تأشيرة خادمة. وبعد أن دفعت الرسوم المطلوبة. وحصلت عليها، توجهت إلى مكتب استقدام. وكما يفعلون مع الجميع، مرمطوني مرمطة العفاريت. مضت أربعة أشهر قبل أن يطلبوا مني الذهاب إلى المطار لاستلامها: تعرف الكسرة؟! كسرة العادة. في حوالي الخامسة والأربعين، ترتدي نظارة أسمك من نظارة توفيق الحكيم. وحين شعرت بخيبتي الشديدة، قالت لي بلغة فيها كل لغات العالم، بأنها لائقة صحياً لأي عمل، مهما كان. اضطررت لأن أستخير ربي، وأن أقبل بقسمتي ونصيبي، فليس هناك ما هو أسوأ وأكثر إحراقاً للدم، من إعادة خادمة. اجتهدت المرأة في العمل، ودقّت صحبة مع الوالدة، كونهما في عمر متقارب! وأصبحت أمي تسألني منذ الأسبوع الأول: متى تطلع لهذه الضعيفة إقامة؟! وقبل أن تكمل الشهر السادس، كنت قد صرفت عليها أكثر من ألفي ريال أدوية وعلاجات، إذ لا يمر أسبوعان حتى تشتكي من علة جديدة. وفي الشهر السابع، أصابها نزيف حاد، وشخص الطبيب حالتها بأنها أورام قديمة في منطقة الحوض.
وبألم شديد اعتصر صوته، قال:
- ألا يخاف أصحاب مكاتب الاستقدام الله؟! يتعاقدون مع نساء بهذه السن وبهذه الأوضاع الصحية المهلكة للعمل في بيوتنا ؟! وإذا كان الخوف من الله لا يعرف طريقاً لهم، بسبب المال الذي أعمى قلوبهم، أليس هناك من جهة لتحدد أهلية العمال الذين يأتون للعمل لدينا؟! هل المسألة فوضى واستهتار ولا مبالاة إلى هذه الدرجة؟! كل المصاريف التي ندفعها تذروها الرياح، لأن أنظمة مكاتب الاستقدام لا تراعي الأخلاقيات والإنسانية؟!