عرضت قناة الإخبارية يوم الاثنين قبل الماضي، عبر البرنامج الحواري (آفاق ثقافية)، حلقة خاصة ناقشت وضع «الممثل السعودي» وعلاقته بالثقافة، كان ضيوفها المخرج المعروف عامر الحمود والزميل محمد الرشيدي، فيما أدار الحلقة باقتدار المتميز خالد الشهوان.. الحلقة، التي ناقشت في جزء منها الأفكار التي وردت في مقالات الزميل رجا المطيري، كانت جريئة وقد أثارت جملة من ردود الفعل لدى القراء الأعزاء.. وهنا ننشر تفاعلاً مع الحلقة تلقته «ثقافة اليوم» من القارئ ناصر المدلج يعلق فيه على الحلقة ويطرح رأيه حول بعض الآراء التي أطلقها ضيوف الحلقة.. والآن الى نص ما ورد في الرد:
الأخ الأستاذ محمد الرشيدي، المشرف على الصفحة الفنية لجريدة «الرياض».
سعدت كثيراً عندما شاهدتك في الحلقة التي خصصها المبدع (خالد الشهوان) عن ثقافة الممثل السعودي في برنامجه المتميز (آفاق ثقافية)، وإلى جوارك المخرج المعروف (عامر الحمود)، وسعدت أكثر لأن الفرصة حانت أخيراً لتظهر مقالات الكاتب (رجا بن ساير المطيري) على مستوى عال ويناقشها بعض رموز الدراما السعودية. ولكن السعادة لم تكتمل حينما شاهدت ضياع الفكرة الأساسية، والابتعاد عنها إلى نقاط أخرى، ورأيت أن الفكرة لم تقابل بالاهتمام الكافي من قبل الرموز، بعد أن أفرد لها الكاتب أربعة مقالات نارية، أخرج فيها شيئاً كان محبوساً في نفوس الكثيرين لفترة طويلة، وهم يرون المستوى المتردي للأعمال السعودية عاماَ بعد عام.
وهذا ما أحب أن أؤكد عليه أولاً، فقد شعرت مما قيل في الحلقة أن هناك اعتقاداً بأن الأستاذ (رجا) يغرد خارج السرب. إن الرأي ليس رأي الأستاذ (رجا) وحده. فكثير من الشباب السعودي، يتكلمون سراً وعلانية، في كثير من الجلسات، وفي منتديات الإنترنت، عن أخطاء تتكرر في مسلسلاتنا وأعمالنا، مثيرة في نفوسهم الكثير من الحيرة، وتجبرهم على النفور والابتعاد عن متابعتها خشية على أعصابهم من الانفلات من جراء ما يرونه من غريب الحوارات وغرابة الأداء والمشاعر المعلبة التي انتهت صلاحيتها.
لم تعد المسألة مسألة تخصص، لم تعد الملحوظات ملحوظات محترفين ونقاد، بل المشاهد العادي، الذي تربى لمدة طويلة على مشاهدة الأعمال السعودية، بدأ يلمس هذه الفجوات التي تفقده الاتصال بالأعمال السعودية التي أصبحت تلقائياً عاجزة عن إيصال رسالتها الفنية أو الاجتماعية إلى هذا المشاهد العادي، فضلاً عن عجزها عن إمتاعه وجذبه. فماذا نقول عن المشاهد المحترف الذواقة؟
اجلس مع أي نوع من المشاهدين، وشاهد معهم مسلسلاتنا المحلية، ثم أخبرني، كم مرة ظهرت علامات الإعجاب على الوجوه، وكم مرة سمعت أحدهم يقول: (يا الله.. رائع.. ما هذا الإبداع)!!. كم مرة قلت في نفسك (ما أراه أمامي فن)!.
أعمال تكلف الكثير من المال، ويجهد فيها المخرج والكاتب والممثل أنفسهم.. وفيها أحداث.. حبكة.. حوارات. ولكن، لا يبقى منها الكثير في النفوس والأذهان، ولا نرى تلك العبارة الخالدة التي تتناولها الألسن بالذكر.. ولا نرى ذلك المشهد المنفذ بجمال وإبداع يجعلنا نتساءل عن المبدع الذي نفذه.. إلا قليلاً..
إني في بعض الأحيان، لا أفرق بين مسلسل وآخر.. نظراً للتشابه الشديد بين معظم المسلسلات، في ديكوراتها وملابسها وطبيعة قضاياها وشخصياتها، وطريقة الحوار والأداء.. إنها نسخ متشابهة، يغني أحدها عن البقية!
يبقى السؤال: لماذا ننتبه نحن ولا ينتبهون؟؟
لقد استطاع الأستاذ (رجا المطيري) في مقالاته عبر هذه الصفحة الغراء أن يضع يده على الجرح بشكل رائع عندما عزا هذا الأمر إلى نقص الثقافة، وكان أروع عندما كشف لنا أن أكبر أسباب الظهور رغم نقص الثقافة هو (الجرأة). فأصبح أكثر فنانينا يظهرون على الشاشة لوجود الجرأة لا لوجود القدرة والجدارة. أو بمعنى أدق، أن جرأتهم هي موهبتهم. وموهبة الجرأة تنقص الكثير من السعوديين للأسف.
إن مسألة ثقافة الفنان - في نظري - ليست معلومات يجمعها الفنان في عقله، وليست بالضرورة دروساً متخصصة في التمثيل والإخراج والكتابة والتصوير. بل هي مسألة اطلاع وتركيز على الفنون الجميلة بمختلف صورها ومصادرها. إن الثقافة التي ينادي بها شباب كثيرون، وعلى رأسهم (رجا)، هي التعرض لسيل متدفق من الفنون السبعة، بدءاً بالأدب الرفيع، قديمه وحديثه، شعره ونثره، وانتهاءً بروائع الفن السينمائي، العالمي والعربي، القديم والحديث.. وفوق ذلك، المتابعة الجادة للمتميز من الأعمال الفنية التلفزيونية.
إن التعرض لنفحات هذه الفنون الجميلة، سينتج حتماً، ذوقاً رفيعاً، وهذا الذوق الرفيع هو ما سيجعل الفنان لا يرضى بالحد الأدنى من الجودة، هذا الذوق الرفيع، هو الحماية التي ستحفظ الفنان من السقوط في أخطاء فادحة، ينتبه لها أبسط المشاهدين. ولو كان لدى المخرج والممثل ما يكفي من الذوق، لتغير وجه الفن السعودي. لذلك ننادي بالفنان المثقف، ذلك الفنان الذي سينتبه لخطواته ويلاحظ أخطاءه، بسبب ذوقه الرفيع الذي صقلته الفنون الجميلة التي يتعرض لها على الدوام.
ولعلي أختلف مع المخرج (عامر الحمود) والنجم (د.راشد الشمراني).. فمن وجهة نظري، أن هذا الأمر، أهم بكثير من وجود المعاهد والدورات المتخصصة في فن التمثيل والكتابة والإخراج. فهذه الفنون الإنسانية هي نتاج تجارب شخصية دائماً، وليست كالعلوم التطبيقية التي يتوصل إلى نظرياتها من خلال المعامل والتجارب العلمية والحسابات. ولنا في ممثلي ومخرجي هوليوود الذين لم يدخلوا معاهد التمثيل والإخراج، وهم كثر، خير شاهد على ذلك. وفي نجوم السينما الإيرانية والبرازيلية، الذين في أغلب الأحيان يكون ظهورهم في الأفلام هو أول وقوف لهم أمام الكاميرا، بدون دراسة أو تخصص، ويبدعون أشد الإبداع، شاهداً أعظم.
هذا لا ينفي أهمية التعليم الأكاديمي ووجود الدورات والمعاهد، هو مهم ولا شك. ولكن هذا لا يعني أن هذه المعاهد والدورات إذا فُقدت يصبح الفنان معذوراً إذا خلت أعماله من الفن.
إن مشكلة الثقافة وانخفاض مستوى الذوق الفني، مشكلة عامة، سببها أننا أمة لا تقرأ، وقد يكون في ذلك عذر للفنان السعودي، إنه ابن هذا المجتمع (كما ذكر الأستاذ خالد الشهوان)، ولكن، بما أن الفنان الكريم، قد اختار الظهور أمام الناس، وحمل رسالة الفن، فهو مطالب بأن يكون جديراً بها حتى لو كان الواقع سيئاً ثقافياً، وذلك لمصلحته هو ومصلحة فنه في المقام الأول.
إن الاطلاع على الفنون الجميلة، حاجة نفسية لكل إنسان، بها يشبع روحه ويسافر إلى الآفاق البعيدة، وبها يبتعد عن الأرض والماديات. فكيف يتركها الفنان نفسه؟؟
وقضية عدم تفرغ الفنان للفن، والتي أشار إليها الكثير من المتحدثين في الحلقة، هي من وجهة نظري أقل من أن تكون عذراً. بل العكس، نحن لا نريد للفنان أن يتفرغ للفن، بل نريده أكثر تواجداً في الواقع، يتلقى منه الصور والمشاهد والتجارب والأحداث والخبرات، ويتلقى من الفنون الجميلة الرؤى والخيال والإبداع والجمال.. ولن يكلفه الأمر كثيراً، سوى القليل من الاطلاع والمتابعة. والذي مع الوقت سيتحول إلى هواية وعادة محببة ممتعة مفيدة، وسيظهر أثره في أعماله الفنية، سواءً كان مخرجاً أو كاتباً أو ممثلاً..
هل ما ذكرته حتى الآن انتقاص من الفنانين السعوديين؟
في الحقيقة حتى لو كان انتقاصاً، فيكفي أنهم ظهروا أمام الناس واختاروا الطريق الذي يتجنبه الكثيرون، وواجهوا النظرة الدونية المشوهة للفن والفنانين لدى الكثير من الناس، فلهم كل الشكر والتقدير. وإن كان الأستاذ (رجا المطيري) قد قسا كثيراً على الفنانين، وهي في ظني قسوة المحب الحريص، فإن الأولى باللوم، هم أولئك المثقفون، الذين لديهم القدرات الفنية، ولكنهم تركوا المجال ولم يقتحموه، فقام بواجبهم قوم آخرون. كل الشكر والتقدير لقناة الإخبارية، وأتمنى أن تتاح الفرصة لنقاش نفس القضية أكثر من مرة.
وكل الشكر والتقدير للأستاذ (محمد الرشيدي) الذي حرك سكون الساحة الفنية بإتاحته المجال لهذه الكتابات التي أتمنى أن نصل بها إلى ما يصلح واقعنا الفني.