صعب.. لكنه ممكن!
د. عبدالواحد خالد الحميد
واقع العالم من حولنا يقول إن الدول التي حققت درجات عالية من التقدم دفعت ثمناً باهظاً لهذا التقدم تمثل في حدوث شروخ عميقة في التماسك الاجتماعي وبروز مشكلات اجتماعية حادة..
الهند استطاعت أن تحقق خلال العقود الأخيرة تقدماً كبيراً في مجالات العلوم والصناعة فأصبحت قوة اقتصادية كبيرة في العلاقات التجارية الدولية وصارت الكوادر البشرية الهندية في مجالات التقنية «عملة صعبة» تتسابق الدول الاخرى على الترحيب بها واستقدامها ومنحها جنسياتها..
مقابل ذلك نجد أن الهند بدأت تتخلى عن الكثير من القيم الاجتماعية التي كانت سائدة.. ومن المحزن - على سبيل المثال - أن نقرأ أن نسبة المصابين بمرض الايدز في الهند تتزايد بشكل كبير جداً بسبب انتشار التحلل الأخلاقي في بعض المناطق هناك.
الصين، هي الاخرى، حققت تقدماً اقتصادياً وعلمياً كبيراً وأصبحت الدول الصناعية تخشى منافستها حتى إن أمريكا بدأت تضع العراقيل في وجه الصادرات الصينية من السلع التي تنتجها الصين بأفضل جودة وتبيعها بأبخس الأسعار!
ولكن مثلما حققت الصين هذا التقدم المادي الهائل نجدها من الناحية الاخرى تعاني من مشكلات اجتماعية لم تكن موجودة في السابق مثل مشكلة المخدرات التي عجزت الامبراطورية البريطانية في أيام عزها عن فرضها على الشعب الصيني وقامت بسببها «حرب الأفيون» الشهيرة بين بريطانيا والصين لكن المخدرات زحفت على هامش التقدم المادي الذي تحقق في السنوات الأخيرة وأصبحت مشكلة مقلقة للصينيين الذين فرضوا عقوبات صارمة تصل حد الإعدام للمتاجرين بالمخدرات دون جدوى.
وما حدث في الهند وفي الصين سبق أن حدث في اليابان.. وهو بلد آسيوي آخر يتميز سابقاً بالمحافظة الشديدة على تقاليده ولم يعد اليوم يختلف كثيراً عن البلدان الاوروبية المنفتحة.
إن نظريات التنمية الاقتصادية حذرت من الجوانب السلبية للتنمية المادية.. سواء الآثار المدمرة للبيئة أو الآثار الاجتماعية السلبية. وفي تجربتنا المحلية نرى أن التقدم المادي قد حمل معه بعض السلبيات .. ومنها ما نسمع عنه من سرقات تتعرض لها البيوت والسيارات وما يحدث من جرائم بشعة تصل حد أن يقتل الأب أفراد أسرته أو يقتل الابن والده.. وهذه الجرائم لم تكن معروفة لدينا وكنا نراها بالافلام فقط ونقرأ عنها في الصحف نقلاً عن المجتمعات الاخرى!.
التقدم المادي مطلوب.. ونحن نحقق معدلات طيبة من هذا التقدم المادي، وربما من حسن حظنا أننا لا نحتاج أن «نخترع العجلة من جديد» كما يقال بل نستطيع الاستفادة من تجارب الآخرين الذين قدموا ثمناً اجتماعياً وبيئياً فادحاً لتقدمهم المادي. نستفيد من تجاربهم بأن نأخذ الايجابيات ونتفادى السلبيات.
علينا أن نقبل التحدي وأن نحقق أكبر تقدم مادي ممكن دون أن نتنازل عن الجيد من قيمنا الاجتماعية. هذا صعب، لكنه ممكن!