الرئيسية > مقالات اليوم

تجربة مضحكة في ترميم منزل (1 - 2)


عبدالله الجعيثن

إن الترميم الشامل كثيراً ما يكون أصعب من البناء الكامل على أرض فضاء.. فالبناء الشامل يتم بمخطط وعلى وضوح وكل شيء جديد.. أما ترميم منزل بشكل كامل فيحمل معه سيلاً من المخاطر والمفاجآت والفجوات التي لم تخطر على المرمم في بال

«انتهى العام الدراسي ونُقلت إلى السنة الرابعة النهائية.. سنة الليسانس.. وسافرت إلى أهلي في الاسكندرية أقضي عطلة الصيف.. فما كدتُ أصل وأنظر إلى منزلنا العامر حتى كدت أُصعق..

ما هذا الذي أراه أمامي؟.. انه ليس منزلاً!.. بل هو تركيب عجيبٌ لا أعرف له وجهاً من ظهر.. لقد أُزيل جدار وأُقيم آخر.. وخُلع سلم وبرزت أحشاء قاعة بغير حائط.. وأُطيح برأس سطح..! وأشياء أخرى من هذا القبيل.. وعرفتُ السبب: كان قد خطر ببال أهلي أن يُجروا في المنزل إصلاحات وأن يزيدوا فيه طابقاً.. كان القطن في ذلك العام مرتفع السعر، فاجتمع لهم مبلغ لا بأس به، لم يروا أن يُسدِّدوا به رهن الأطيان أو رهن المنزل.. ورأوا أن ينفقوه في تحسين المنزل.. ولستُ أدري مَنْ صاحب هذه الفكرة النيِّرة.. أهو والدي أم والدتي؟.. كل ما أدري هو أنَّ أول ثغرة فتحتها المعاول في جدران هذا البيت لم يستطع كلُّ مال الأرض: لا مرتَّب والدي الكبير وقتئذ، ولا الأموال التي اقترضوها من البنوك والمرابين أن تسد هذه الثغرة..».

هكذا يبدأ توفيق الحكيم ذكرياته الواقعية عن تجربة أهله في ترميم منزلهم.. وهي تجربة مضحكة ونافعة في وقت واحد.. فإن فيها عبرة لمن يعتبر.. وبالذات الذين ينوون ترميم منازلهم.. وهم كثيرون جداً في مجتمعنا.. بل إنني اعتقد انه لا يوجد على وجه الأرض مجتمع بشري أكثر بناءً للمنازل وترميماً لها من مجتمعنا.. على الإطلاق.. نسبة لعدد السكان.. في كل شارع حي من مدننا وقرانا بيوت جديدة تعمر.. وبيوت قديمة ترمم.. وعمائر ترتفع.. أكبر تنمية عرفناها هي تنمية البناء والتشديد.. والحفر والدفن.. والتعديل والترميم.. وأكبر صناعة قامت لدينا - اعتماداً على الداخل - هي صناعة البناء.. وأكبر تجارة لدينا هي تجارة مواد البناء بعد فساتين النساء!..

والبناء والتشييد جيِّد.. بل هو ضرورة كضرورة السكن نفسه.. ولكن المشكلة التي ننفرد بها عن معظم دول العالم هي المبالغة الصارخة في الكثير من مساكننا.. والبذخ المهول.. واجهات تلمع بأفخر الرخام.. وحمامات تتلألأ بخالص الذهب.. وثريات تتدلى بعناقيد الكريستال والذهب.. ومسابح زرقاء واسعة.. وأبواب أشكال وألوان.. وحديد مزخرف زخرفة الحرير.. ودرابزين من كل جنس ولون.. يباع المتر الواحد منه بالألوف في بعض الأحيان.. بذخ صارخ.. وإسرافٌ ما أنزل الله به من سلطان!.. العمار ضرورة.. والمنزل الجيد نعمة.. ولكن بدون خُيلاء ولا إسراف.. بل بذوق واعتدال.. وما فاض من أموال فليصرف في الاستثمار المجدي والنافع للولد والبلد.. أما سفك الملايين على الواجهات والديكور والمقابض المذهبة والدرابزين المزركشة والثريات ذات الكريستال الوهاج في كل مكان.. فهو أمر يختلف.. يختلف كثيراً عن دعم التنمية الحقيقية بتشييد جميلة بأقل تكلفة ممكنة.. فإن الجمال - كما هو معروف - يعتمد على الذوق والبساطة والتناسق لا على مجرد البذخ والجخ والأسعار الفاحشة، وقد يكون هذا ضد الجمال إذا فقد البساطة والتناسق والذوق، فيكون هدراً مزدوجاً..

كذلك موضوع الترميم الذي نتكلم عنه الآن.. كثيرون يخسرون في الترميم ضعف ما قدَّروا قبل أن يقرروا بدء الترميم، وأحياناً ثلاثة أضعافه، إلى أضعاف مضاعفة، بسبب عدم وضع خطة عمل دقيقة قبل البدء في الترميم، فإن الذي لا يضع خطة عمل «ما تخر الماء» كما يقولون، «يخر ماله ويخسر وقته وأعصابه» في ترميم منزله، وأول خطط العمل في الترميم - كما هو في البناء الأولي - الاستعانة بالمهندسين الموثوقين، ودراسة البيت بدقة حسب مخططه الأصلي، ووضع ميزانية تقريبية لا يسمح الإنسان لنفسه بالتمادي في تجاوزها إلا للضرورة.. أما الذي يرمّم ثم يتمادى هنا وهناك ويقول: طالما أصلحت هذا فلأصلح ذاك.. وطالما تحسن هذا الركن فلنغير اضاءته وأبوابه و.. ونحو هذا.. فإنه كمن يسبح في بحر بعيد الشاطئ.. وكمن يدخل في أمر يعرف بدايته ولا يعرف نهايته.. وكالذي أفلت الأمر من يده..

وهذا هو ما حصل مع والد توفيق الحكيم، فقد أكل ترميم منزله ماله كله، وأكل أعصابه وقضى على هوايته في القراءة، ولولا دخوله في بحر الترميم المفتوح بلا ربان (مهندس) وبلا ميزانية محددة (محاسب صارم) لولا ذلك لكان له شأن آخر كما يقول ابنه، فقد كان رجلاً مرموقاً وموهوباً، ولكن تهوره وأخطاءه في ترميم منزله - بدون خطة - ضيع عليه أجمل الأشياء!

ومما زاد الطين بلة ان المنزل الذي اشتراه كان قديماً وكبيراً جداً ويحتاج إلى ترميم، فاسترخصه واستسهل أمر ترميمه، مع أنه (قاض) فاضل لا علاقة له بالبناء والترميم، فدخل فيما يجهل ولم يستعن بمن يعلم فضاع أوكاد.. يقول توفيق الحكيم:

«.. لقد أصبح البناء والهدم في منزلنا هذا شيئاً طبيعياً مستمراً كالأكل والشرب!. ولا يقف عند شهور ولا أعوام!.. ذلك أن والدي أراد أن يكون هو نفسه بنفسه المهندس والمقاول وملاحظ العمل.. فأحضر البنائين والنجارين والحدادين.. وصار يقول لهم: شُقّوا هنا دهليزاً وأزيلوا من هناك جداراً وسدوا هنا شباكاً وافتحوا هناك باباً.. فما أن يفعلوا ما أمر حتى يجد أن الباب بدلاً من أن يفتح على الردهة قد فتح على المرحاض!.. وأن الجدار الذي أزيل جعل المطبخ قد أصبح في الصالون!.. وهكذا وهكذا.. فيعود يأمرهم من جديد بسدِّ ما فتحوا وإقامة ما أزالوا، ويتجه بهم إلى جدار آخر يأمرهم بهدمه فيتضح أن عليه يقوم سقف احدى الحجرات وأنه آخذ في الانهيار، فيبادرون إلى بنائه مرة أخرى.. كل ذلك وهو مُصر كل الإصرار على الاعتماد على نفسه وخبرته والامتناع عن إحضار مهندس.. وكنتُ أتأمل ما يجري من هدم وبناء، وأتألم من طول نومنا في حجرات منزوعة النوافذ ومغطاة بالبطاطين فأقول له:

- لماذا لا تحضر أحد المهندسين يتولى ذلك لنرتاح؟

فيجيبني ساخراً:

- أنت عبيط!.. هل يحضر المهندسين إلا العُبْط؟! ما الذي سيصنعه المهندس أكثر من أن يرسم على ورق أزرق بضعة خطوط منمقة بالمسطرة والبرجل ليقول لنا: هنا حجرة وهناك صالة.. و«يلطش» كذا جنيه لمثل هذا الكلام الفارغ!.. ما سيقوله شيء معروف مقدماً.. ونحن أدرى جيداً بما نريد..»!

قلت:

وكثيرون من الذين يرممون منازلهم لدينا - أو ينوون - يقولون مثلما قال هذا الشيخ: نحن أدرى جيداً بما نريد..!

وهو قول صحيح ولكن لا يكفي أن يريد الإنسان أمراً يعرف ما هو.. لا يكفي ذلك لكي يتحقق أمره كما يريد!.. فرق شاسع بين النظرية والتطبيق.. ومسافة بين القول والعمل.. لذلك فإن العاقل يعرض ما يريد ترميمه على مهندس موثوق لكي يدله على الطريق السليم لتحقيق ما يريد.. وكثيراً ما ينبهه إلى طرق أسهل وأجمل والمهم دائماً أنها آمن فإن الترميم الثقيل بدون مهندس كالسير في الصحراء بلا دليل.. وقد يفسد من أراد الترميم أكثر مما يصلح حين يعمل بمعرفته هو، وهو لا معرفة له بمثل هذه الأمور سوى انه أخبر بما يريد!!

إن الترميم الشامل كثيراً ما يكون أصعب من البناء الكامل على أرض فضاء.. فالبناء الشامل يتم بمخطط وعلى وضوح وكل شيء جديد.. أما ترميم منزل بشكل كامل فيحمل معه سيلاً من المخاطر والمفاجآت والفجوات التي لم تخطر على المرمم في بال.. ثم انه إذا كان المنزل قديماً جداً وتكلف صاحبه أو مشتريه بترميمه تتزايد نفقاته المقدرة أضعافاً مضاعفة وفي نهاية المطاف يرى بأم عينه أنه لم يستطع أن يعيد لهذا البيت شبابه، وهل يعود الشباب إذا جاءت الشيخوخة؟ والمنازل هي الأخرى لها شباب وشيخوخة، وترميم منزل قديم جداً ومحاولة تحسينه وتجميله لن تعيده شاباً ولن تصلح ما عمل الدهر فيه:

عجوزٌ تَرجّى أن تعود فتيّةً

وقد ضَمَر الجنبان واحدودب الظهر

تُسرُّ إلى العطار مكنون بيتها

وهل يُصلح العطار ما أفسد الدَّهر؟!

٭ ٭ ٭

ويقول توفيق الحكيم في سرد التجربة:

«.. وانتهى الأمر بنا بكل بساطة أن صار البناؤون والنجارون والمبيضون مقيمين لدينا إقامة مستمرة لأن العمل لا ينتهي ولا يمكن ان ينتهي، فاتخذوا لأنفسهم حجرة دائمة قرب باب الحديقة يقطنون بها.. يبيتون ويسمرون ويأتي لزيارتهم فيها الأهل والأقرباء والأصدقاء!!.. وكان ينزل لهم فيها من بيتنا القهوة والشاي والغداء والعشاء بانتظام!.. وأصبح لهم رأي فيما يطبخ ويقدَّم إليهم من ألوان يومية!! فيقولون: زهقنا من الملوخية والبامية اطبخوا لنا اليوم «كشري»!! وأحياناً يقترحون: «خلِّلوا لنا خيار وفلفل!!» ويصفون الطريقة التي يحبونها للتخليل وصُنع الطرشي!!.. والحديقة حولهم جعلوا يزرعون في جانب منها بعض الفجل والجرجير والكراث!! كانوا متمتعين بهذه الحياة الناعمة!!..

وكنت كلما سألتهم:

- «متى ينتهي العمل في هذا المنزل؟!» قالوا:

- لن ينتهي!!.. لأنها ساقية جحا.. ما نبنيه الصبح نهدمه العصر!..

أوامر البك الكبير!»

«وللموضوع بقية..»

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 6

  • 1
    في الحقيقة أن الحدثة التي اوردها الكاتب القدير عبدالله الجعيثن تستحق القراءة والتأمل لما فيها من الفوائد والحكم والتجربة الثرية ومن ارض الواقع لتنفيذ أوامر البيك..

    خالد ابراهيم الشمسان - زائر

    07:29 صباحاً 2005/05/28


  • 2
    أضحكتني من الأعماق يا أستاذي ..

    فموضوعك جاء في وقته ، لا سيما أن الأغلبية ينتظرون انتهاء الاختبارات ليفجروا طاقاتهم في الترميم ...

    بارك الله لكل من نوى ترميم بيته ..
    و أعز الاسلام و المسلمين ..
    اللهم آمين ..

    منيرة بنت حمود ... - زائر

    02:26 مساءً 2005/05/28


  • 3
    مساء الخير أستاذ عبدالله
    تجربة مضحكة مبالغ في الإهتمام بالدار الفانية فهل عملنا وعرفنا مابعد هذه الدار ؟؟
    وهل مكوثنا فيها يظل لنقل 1000 ألف عام (مع انه يحصل فقط لفصيلة الديناصورات ) لكن طبع الإنسان الملل والطفش من كل ما هو جميل يتمتع به قليلا ثم يلقي به ليبحث عن الأجمل والأحلى !!
    مثل الطفل الأناني الذي يريد ألعابه وألعاب أولاد الجيران وإن أخذها أما كسرها أو رماها بعد ماطفش منها !!
    ومن طبعه غير ذلك فليخبرني !
    رائع جزء توفيق الحكيم نقلني لمزرعة واسعة وجو عليل نقي ،، و أخذت لي نفسين طازجة ،،
    وأسلوب مداخلتك عليه بالطرح والنقاش المعماري وجزء الهندسة جميل جدا ً

    يعطيك ألف1000 عافية بدون ديناصورات !!
    حياة سعيدة أياً كانت الدار !!
    تمسى على خير سيدي الفاضل
    الآنسة نون -2005
    Noura_121a@yahoo.com

    ذات النفس العظيمة - زائر

    07:46 مساءً 2005/05/28


  • 4
    هى وجهة نظرة محترمة الاستعانة باولى الخبرة وفيه مثل يقول اعطى العيش لخبازه وان اكل نصفه!والاستعانة بمثال توفيق الحكيم بما فيه من سخرية لاذعة وحس ادبى فهو يحول الواقع الملموس لفكرة ادبية ينسج حولها الكثير من الافكار والروايات حتى يدع القارىء يستنتج مايريده الكاتب_هذه الرواية تداخلت هنا مع المقالة الجادة فادى التطابق بينهما لايضاح المعنى مع ان هناك جناس مفقود فى السرد ،ودام قلمكم بخير

    omnia - زائر

    10:58 مساءً 2005/05/28


  • 5
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته....
    مقال جميل ... واسلوب أجمل ...

    يعتقد البعض أن اضافة جدار واعادة توزيع الغرف والمساحات بالأمر الهين...
    والحقيقه أنه بغاية الخطوره لأنه غير محسوب العواقب من الناحيه الإنشائيه ...
    فكما يعلم المهندسون الإنشائيون بأن أي جدار لابد بأن يوضع تحته (كمره) ولا يوضع الجدار على البلاطه مباشرة إلا في حالة التصميم المسبق وذلك لأن الجدار له حمل لايستهان به...

    فحذروا من وضع جدار على بلاطه مباشرة وخاصة في الأدوار العلويه فربما الترميم يتحول إلى تهديم وضحايا...

    م. إبراهيم - زائر

    12:47 مساءً 2005/05/29


  • 6
    تعجبني جدا كتاباتك لانك تعبر عن الواقع
    بأسلوب ممتع ومقنع..
    وهذه القصه ذكرتني
    عندما قلت لوالدي بيتنا قديم
    ويحتاج لترميم وايضا نشتري اثاث جديد
    ويطلع احلى منه مافيه
    قال لي "بيطلع مثل العجوز اللي تحط
    مكياج وروج" نعمر جديد افضل

    لولوه - زائر

    06:15 مساءً 2005/08/11



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة