بحث



الخميس 18 ربيع الآخر 1426هـ - 26 مايو 2005م - العدد 13485

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الشعر الأسطوري

د. عبدالله محمد الغذامي
    كنت تعرضت في كتابي (المرأة واللغة) إلى ظاهرة ثقافية خطيرة وهي أن الحكايات النسائية تتعرض لعمليات تحريف وتشويه متى ما تم تدوينها، وذلك أن التدوين يتم على أيدي رجال رواة هم عادة من فحول الثقافة وحراس النسق، وهؤلاء عادة يتدخلون في تحوير الروايات حتى لتبدو المرأة في القصص المدونة وكأنما هي حمقاء أو مادة للسخرية والتندر حتى وإن كان الأصل في الحكاية أنها قصة نسائية تحمل بطولة مؤنثة، ولكن البطولات المؤنثة تتحول إلى مادة للسخرية والاستهزاء، ولقد رأينا في مقالة سابقة كيف أن تحايل المرأة لحماية شرفها وصيانة عفتها قد تحول عند المدونين إلى وصف ذلك الفعل بأنه من كيد النساء، وهكذا يصبح العمل البطولي الشريفي كيداً لأن الثقافة الفحولية لاتسمح للمهمشين أن يخرقوا قوانينها، وهذا مبدأ نسقي عام فكل عناصر الهيمنة تجنح إلى وصف معارضيها بالخارجين المارقين، وإن كانوا لم يفعلوا شيئاسوى الدفاع عن أنفسهم وعن حقوقهم، وهذا موضوع أصيل في سيرة النسق ودفاع النسق عن وجوده عبر تشويه أي فعل خارج عليه.

ومن الأمثلة الكاشفة هنا، ماجاء في (مجمع الأمثال) في تعليقه على المثل السائر الذي يقول: ( قطعت جهيزة قول كل خطيب) شرح المثل بأنه دليل على حماقة المرأة التي تقطع خطابة الفحول، بينما القصة المحكية للمثل، وكذلك منطقة الصريح توحي بقدرات عقلية ونفسية للمرأة إذ تمكنت من إلجام الفحول وقطع كلامهم، وهذه خطيئة كبرى في حق النسق الفحولي كان جزاؤها أن جرى طرد المرأة معنويا ونفسيا لتحويل ذكائها إلى حماقة ووصفها بأبشع الأوصاف.

وفي الأساطير العربية حكايات كثيرة عن الزباء، والمعنى اللغوي للزباء أنها طويلة الشعر، وقد وردت حكايات كثيرة عن شعر هذه الملكة العربية الأسطورية، وقيل إن شعرها بلغ مبلغا خيالياً في طوله حتى إنها حينما تمرد عليها حصن مارد المعروف مكانه الآن في منطقة الجوف، حينما تمرد عليها وعز على قواتها اقتحامه، راحت ومدت شعرها حول أسوار الحصن وأطاحت به، وكذلك فعلت بالأبلق أيضا، وكانوا يروون في قصصهم أن شعرها الطويل هذا كان قوة جبارة في يدها تستخدمه وقت الضرورة، وهذه قيمة سردية جميلة وخيال محلق يمنح المرأة تفوقا معنويا حيث جعل إحدى سماتها الجمالية تبلغ مبلغا أسطوريا تتغير معه مجريات التاريخ.

ولكن لننظر ما جرى لهذا الشعر في روايات المدونين الفحول الذين عز عليهم أن تبلغ الأنثى مبلغا تتحدى فيه أساطين التاريخ والثقافة من الرجال، وهذا ما حول الأسطورة الجميلة إلى مادة للهزء والتندر، فقد ورد عند عدد من المؤرخين ومنهم المسعودي روايات تقول إن ذلك الشعر لم يكن شعر رأسها ولكنه شعر يعود إلى أحد مواقع جسمها التحتية، وهذه لمحة ساخرة مغرقة في سخريتها وفي استهزائها بهذه القيمة التي أبى الفحول النسقيون إلا أن يحولوها من قيمة جمالية وأسطورية إلى مادة للتندر والاستهزاء على الرغم من قولهم إنها كانت تهد به الحصون، ولكن عز عليهم أن يكون ذلك رأسا وأرادوه سفليا وحقيرا.

وفي قصة الزباء عبر كثيرة في تحويل انتصارات النساء إلى هزائم، وكلما حكت الكتب عن مجد لهذه الملكة الأسطورية راحت تسلب هذا المجد بأن تحولها إلى امرأة خائنة وغدارة تخون المعاهدات وتقتل الرجال واحدا تلو واحد، وذلك كله من أجل تعميق الحدث ثم إنهائه بجعل الزباء تقع ضحية لخدعة فحولية جبارة حيث تمكن رجل حقير وبسيط من أن يحبك لها مؤامرة تاريخية وبلاغية حينما تظاهر هذا الرجل واسمه (قصير) على الزباء للثأر منها لقتلها ملوك زمانها ولا تفوتنا هنا المفارقة الدلالية بين الزباء طويلة الشعر وبين هذا القصير حيث ينتصر الرجل القصير مع بساطة شأنه على المرأة الأسطورية وشعرها الطويل وينتصر القصير على الطويل لفارق التفحيل والنسقية، ولقد احتال قصير هذا بأن أظهر لها الود والنصح حتى تمكن من كشف أسرارها والتعرف على مفاتيح حصونها وجاءها يوماً بجمال محملة بالبضائع ظاهريا وهي تخبئ الرجال في أحمالها وهذه حيلة لاقتحام القصر لمحاصرة الزباء وقتلها، وقد صار ذلك حيث وقعت الزباء في مصيدة الفحول وتم القضاء عليها تاريخيا وثقافيا لتظهر ثقافة الرجال منتصرة ومتفوقة ليس في قوة الجيوش فحسب بل أيضا بقوة الحيلة والدهاء العقلي، بانتصار القصير على الطويل، ولم يقل التاريخ إن هذا كيد وخيانة، ولكنه مر على كتب التاريخ ليكون حادثة بلاغية وأدبية تولد عنها عدد من القصائد والأمثال السائرة والطرائف الفردية حسب لغة النسق وثقافة الفحولة، ولم يرد شيء عن الشعر الأسطوري الطويل وكيف لم ينقذ صاحبته لحظة الضرورة الحاسمة.

وتنتهي قصص الجمال والبهاء الأنثوي ومعها العقل والدهاء وكل عناصر السرد الأسطوري، تنتهي كلها لأن الثقافة تريد أن تعاقب امرأة تطاولت على الفحول وتملكت وتفوقت ولكن المدونين كانوا لها بالمرصاد حيث حرفوا القصة ليجعلوا أفعال النساء مادة للسخرية مهما بلغت من القوة والنجاح المادي والعقلي.

ولقد أوردت في كتاب (المرأة واللغة) قصة إعلامية كبيرة صارت في فرنسا حيث تمكنت فتاة صغيرة من مقاومة بعض المجرمين الذين اختطفوها وحجزوها في شقة عالية في إحدى العمارات، ولكن الفتاة الصغيرة تمكنت من عمل حبال من الشراشف وربطتها في الشرفات حتى تمكنت من الفرار في عمل بطولي خارق وجرئ من طفلة غرة تتعود على الخشونة ولا على الخوف والخطر.

ولقد صار هذا على مشهد إعلامي كبير، أن أجهزة الإعلام في فرنسا لم تحتفل بهذا التصرف البطولي، ولم يفت هذا على الباحثات حيث استخدمت هذه الحادثة للتدليل على فحولية ونسقية الخطاب الإعلامي وقد علقت إحدى الباحثات الفرنسيات قائلة لو أن الفاعل رجل أو صبي لكان لذلك صدى إعلامي واحتفالية كبيرة به، ولكنه . مر دون اكتراث لأنه عمل مؤنث.

وهذا تعليق تصادق عليه وقائع الثقافة في قديمها وفي حديثها حيث يتولى النسق إدارة ردود الأفعال وتلقين المواقف بما يتفق مع شروط الثقافة النسقية، مهما كان القائل والكاتب حداثيا أو تنويريا، ولكن المضمر النسقي أقوى وأمضي، والأمثلة على ذلك تؤكد هذه المقولة وتعززها جيلا بعد جيل وثقافة بعد ثقافة.

٭ ملاحظة نسقية

أبلغني الأستاذ رجاء العتيبي أنه تصفح تعليقا على الإنترنت حول مقالاتي هذه يقول كاتبه إن الغذامي أكبر من هذه الحكايات وطالبني المعلق بالعودة إلى مستوى كتاباتي المعتادة، وهذا دليل على النسقية الثقافية التي تحتقر ماهو نسوي وحكائي، ولقد قالوا من قبل عن كتاب ألف ليلة إنه لايصلح إلا للجهال والتافهين والنساء والأطفال، وقد ظل الكتاب محتقرا في الثقافة العربية إلى أن تغير الوضع بعد أن صار له شأن عالمي كوني بما أنه من أهم وأخطر القصص الكونية- انظر المرأة واللغة ص 65- وأنا لا أستحي من هذه الحكايات ولايقل شأنها عندي كما لا أستحي من الوقوف على أدب المهمشين وقضاياهم سواء بالتنظير أو بالكتابة الحرة. وأجد لمقالاتي هذه ردود فعل تأتيني كل أسبوع من أصناف عديدة من القراء حتى من باريس ولندن، ومن رجال مثلما من نساء، ولاشك أني لن أتخلى عن قضية هؤلاء ولكني أركز بالإشارة إلى مفعول النسق وكيف يخدع حراسه حتى ليصور لهم أن مثل هذه المقالات حقير وقليل الشأن ولايليق بكاتب كبير، وهذا هو صراخ الفحولة بكل خداعها أو ما أسميه بالعمي الثقافي. وشكرا للصديق رجاء العتيبي إذ لفت نظري لهذا الملحظ النسقي.

4 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 

بصيرة الوعي


تكمن جمالية هذه المقالة ببصيرة وعيها للكائن الإنساني بعيداً عن فيزيقيته التي كانته و كانها دون إرادة منه .. و هي تعيد إلى النسق كينونة الرؤيا الواعية للإنسان و طاقته و حضوره ابتداء و انتهاء بفاعليته الإيجابية لا بجنسه .. و في هذا الانزياح عن مألوفات النسق البطرياركي عودة إلى الأصل الطبيعي في التكامل و التكاشف و الاستبصار لزمن مصاب ليس فقط بالعمى الثقافي بل بكل انواع العمى لا سيما الروحي و الإبداعي و الأخلاقي
تحية للدكتور عبد الله الغذامي
غالية خوجة


غالية خوجة
ابلاغ
09:26 صباحاً 2005/05/26

 

فلسفة جميلة


قديما قالوا "الكثرة تغلب الشجاعة " وأنا الآن أقول "الكثافة تغلب الشجاعة" رب أقوال صائبة كثيرة ذابت وتحللت في صمت وحيد ..لاأحد ينكر أن الصوت الواحد الذكوري له من التأثير في الجمهور مايوازي عدة أصوات أنثوية ..ليس هذا فحسب بل حتى الصوت الذكوري ذو الكثافة العالية ستقل كثافته حتما وستضمحل في حال تكبد عناء الدعوة لمشاريع نسائية ذات كثافة متدنية مهما بلغت نسبة الصواب في تلك المشاريع ..يهايء لي أن الصوت الرجالي صوت فلزي قابل لأيصال الرأي على طريقة المعدن الفلزي القابل لأيصال الكهرباء بعكس صوت المرأة الذي يشبه صوت الشبه فلزات اي الذي يندرج تحت نوع أشباه الموصلات للرأي -لاأريد أن أكون متشائما وأدرج الصوت النسائي تحت نوع اللافلزات وهو الغير قابل لأيصال الرأي البيتة-..ليست المرأة فحسب من ذوي الأراء ذات الكثافة المنخفضة بل هناك من البشر من يآنسها وحدتها تلك ،من الأقليات - أي أقليات في أي وطن سواء على مستوى الدين أو المذهب أو السياسة أو أو او - وهناك المحرومين وهناك مرضى الأسقربوط الأجتماعي وهم ممن شائت أقدارهم لهم أن يفتقروا لفيتامين "واو" وهو بالعربي الفصيح الواسطة في شتى مستوياتها التعليمي والوظيفي وحتى الرياضي والأدبي والأعلامي ...

لاأحد ينكر أن حتى الأصوات الرجالية ذوو الكثافات العالية لن تسلم من تللك الحرب الشعواء التي يشنها عليها الأكثرية بكثافتهم لا بعددهم في حال رفعوا لواء الأقليات .. لكن بالتأكيد سوف يوصل التاريخ ذات يوم تلك الأسماء الى مراتب الشرف والرفعة ذلك لأنهم قاتلوا وحدهم في سبيل اعلاء كلمة الحق -وكلمة الحق لاتنحصر فقط في الدين بل هي أشمل من ذلك بكثير - ولكن للأسف ربما لايسعد حظ هؤلاء المحقين من بلوغ لحظة تكريمهم تلك والتصفيق لكلماتهم الجديرة بالتصفيق لأنهم قد يكونوا سبقوا ذلك التكريم بمئات السنين ربما أو بعشراتها ولكن حسبهم قول الشاعر :
وكم عائب قولا صحيحا ** وآفته من الفهم السقيم


حاتم العطاء
ابلاغ
10:10 صباحاً 2005/05/26

 

جدة


سرد هذه الحكايات وتحليلها نسقياً، من أسهل الأمور على من يتتبع حكايات التراث عن النساء ومرويات الأدب الشفاهي حولهن ويفعل بها مثل ما فعلت يادكتور عبدالله. كل الكلام الذي تقوله يتمحور حول النسق الثقافي الفحولي ومحاولاته المتكررة في تهميش ما يتعارض ومنطقه وتفكيره الذكوري من جهة، ومن جهة أخرى يتطرق كلامك حول هذه الحكايات إلى ما لدى المرأة من ذكاء وحسن تصرف ودهاء عقلي وميزات أخر تتساوى بها والرجل... كل هذا الكلام الذي قلته على مدار أسابيع، ومن خلال تآليف هو نفسه، يتكرر مرة بعد مرة، ويتشكل بأشكال عديدة ليقول نفس المقصود الذي قيل بأشكاله السابقة. طيب، إلى متى يا دكتور عبدالله؟؟؟ والله لقد فهمنا ما ترمي إليه، وتشبعنا به... أما يوجد في الجعبة طريق آخر ومذهب جديد وحكاية مختلفة ؟؟

تأمل فقط .....


عادل سعيد
ابلاغ
10:58 صباحاً 2005/05/26

 

يال هذا النسق (الغيبي!)


في علم الاجتماع والانثروبولوجيا هناك مايسمى "البناء الاجتماعي" وهو مصطلح يشف عن تفاصيل البناء الذي يتكون منه المجتمع وهو مقسّم الى (أنساق) هذه الانساق لها تجلّيات واقعية ومعروفة مثل النسق الاقتصادي والنسق السياسي ونسق القرابة ...الخ ويمكن اجراء دراسات عليها بطرق البحث المتاحة ومناهجة العلمية ..لكن هذا النسق الذي يتحدث عنه الدكتور الغذامي في كل وقت هو مجرد اخيولة وتصور لايمكن اثباته بأي منهج للبحث وهو مجرّد تأويل مدجج بالصور العقلية التي تشف عن (عصاب) نفسي من المجتمع !! ولا يمكن اجراء اي دراسة امبيريقية عليه !! بل هو احياناً يقصد بالنسق كامل الثقافة التي كوّنت وجوده العقلي !


محمد البشري
ابلاغ
03:08 صباحاً 2005/05/27


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2009
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية