السجال الذي دار بين السيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية والسيدة ليز تشيني مساعد وزيرة الخارجية الأميركية في المنتدى الاقتصادي الذي ينعقد في الأردن مهم جداً حيث يظهر أن هناك اختلافاً جذرياً في فهم الأولويات بين الجانبين، ففي حين تحدث موسى بأن القضية الفلسطينية هي محور أساسي غير قابل للتحول عنه قبل أية قضية أخرى، رأت تشيني أن الإصلاح يجب أن يكون في مقدم الاهتمام في الوطن العربي بغض النظر عما يحدث في الساحة الفلسطينية.
ومن خلال ذلك السجال يتضح أن وجهات النظر العربية الغربية غير متطابقة من حيث الأولويات ولكن هذا لا يفسد للود قضية فنحن في الوطن العربي الكبير نؤمن إيماناً كاملاً أن حل القضية الفلسطينية هو مفتاح جل القضايا العربية، فطالما ظل الحال على وضعه من معاناة أشقائنا الفلسطينيين من الاحتلال، فسيظل الحال على وضعه، وحتى تتم التسوية فلابد من التنازلات خاصة من الجانب الإسرائيلي الذي من الواضح جداً أنه لا يرغب أبداً في تقديم أيّ منها في الوقت الذي يريد أن يحصل على كل ما يعتبره حقاً مشروعاً له دون وجه حق!.
ولا نستطيع دوماً أن نسمع اللوم يلقى على الجانب العربي على أنه الجانب المتشدد الذي لا يرغب في السلام على الرغم من أن المبادرة السعودية والتي أصبحت عربية أساس قوي ومتين ودائم لحل شامل وعادل للقضية الفلسطينية ويمكن أن ينهي الصراع الطويل بمجرد إعادة جزء من الأرض العربية تلك التي تم احتلالها في الخامس من يونيو العام 1967م وهو جزء ليس بكبير جداً ولكنه كاف لإحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط، عندئذ يمكننا أن نتحدث عن الإصلاح في الوطن العربي وخوض التجربة الديمقراطية، ولكن حتى حال أردنا أن نطبق الديمقراطية فلن نرضى بديمقراطية (معلبة) تأتي كي نستهلكها دون أن نشارك في صنعها بالطريقة التي تلائم مجتمعاتنا العربية التي لها خصوصية تختلف عن خصوصية العالم الغربي.
ونحن لا ننكر أن هناك أخطاء في العالم العربي حان الوقت لإصلاحها، وهذا لا يعني أبداً أن من يريد تصدير الديمقراطية يعيش دون أخطاء، فمدينة أفلاطون لازالت حبيسة لكتب التاريخ والاجتماع ولن تخرج منها طالما ظلت فاضلة كما أراد لها صاحبها.
كل دول العالم بما فيها المتقدمة يوجد بها أخطاء وأحياناً تكون فادحة، ولكن حال الضعف التي يعيشها العالم العربي تجعله تحت المجهر والأضواء كلها مسلطة عليه دون غيره رغم أن الأخطاء موجودة في أماكن أخرى كثيرة.
اعترافنا بالأخطاء لا يعني أننا نحتاج إلى الديمقراطية المعلبة التي ستنتهي بها عثراتنا حسب مصدريها، بل من الممكن أن تزيد تلك العثرات كون أن التراكمات ستزيد ويكون البناء الديمقراطي هشاً غير قوي، وحتى يكون أساس البناء الديمقراطي في العالم العربي قوياً فيجب أولاً حل كل المشاكل العالقة وأولها القضية الفلسطينية التي كان السيد عمرو موسى خير مدافع عنها في المنتدى الاقتصادي واستحق أن يكون أميناً على بيتنا العربي بكل وجه حق.