جريدة الرياض اليومية

الثلاثاء 17 ربيع الأول 1426هـ - 26 إبريل 2005م - العدد 13455
[ الأولـــى | متابعات | شؤون دولية | محليات | لقاء | مقالات اليوم | طــب | ثقافة اليوم | الرأي | الرياض الاقتصادي | تقنية المعلومات | دنيا الرياضة | الكاريكاتير | محطات متحركة | الأخــيــرة | الصحفي الإلكتروني | ]
ابرز تداعياته: انهيار النظام الأمني والانتخابات المقبلة
الانسحاب السوري نهائي وشامل باحتفال رمزي «اليوم»

بيروت - مكتب «الرياض» - روزانا بو منصف:

اليوم، السادس والعشرون من نيسان من العام 2005، هو اليوم الأخير لوجود اي عسكري او امني سوري رسميا على الأرض اللبنانية.

هذا اليوم يشكل حدثا في حد ذاته لا بل حدثا تاريخيا كبيرا وكبيرا جدا .

بدا لبنان امس في الواقع وكأنه في اجواء احتفالية ولو لم تقم اي احتفالات باستثناء احتفال محدود سيقام اليوم في قاعدة رياق الجوية في البقاع وذلك لمناسبة انتهاء الانسحاب السوري من لبنان بعد ثلاثين عاما من دخول القوات السورية اليه اثر اندلاع الحرب فيع عام 1975. وبدا من غير المغالاة القول ان صفحة تاريخية جديدة قد فتحت من شأنها ان تترك اثارا وانعكاسات غير مسبوقة منذ ثلاثة عقود على كل المستويات والأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية . واذا كان اليوم الأخير للانسحاب السوري لم يقترن بضجيج كبير او بأي احتفالات استثنائية فلسببين على الأقل احدهما ان الغالبية العظمى من اللبنانيين لا تريد ان تذهب عبر الاحتفال بهذا الانسحاب إلى حد تحدي فرقاء اخرين لا يزالون يدينون بالولاء الشديد لسوريا مما قد يهدد باحداث شرخ بين اللبنانيين لا يوده احد في هذه المرحلة فضلا عن عدم الرغبة في احداث تصدع اكبر من ذلك الذي حدث حتى الآن مع دمشق باعتبار ان هذه العلاقات الثنائية التي شابتها شوائب كثيرة خلال ثلاثة عقود من الوجود السوري من لبنان لا يجوز الا ان تبنى على اسس جديدة بعد الانسحاب السوري النهائي من لبنان . أما السبب الآخر فيعود إلى ان هذا الاستحقاق كان قد بدأ فعليا وواقعيا منذ اكثر من شهر وكان نتيجة تلقائية وطبيعية لصدور قرارين لا سابق لهما في تاريخ الامم المتحدة هما القرار 1559 المتصل باعادة السيادة إلى لبنان بالانسحاب السوري الكامل عسكريا ومخابراتيا منه ووقف التدخل في شؤونه الداخلية وحل كافة الميلشيات اللبنانية وغير اللبنانية، ومن ثم القرار 1595 الخاص بتشكيل لجنة تحقيق دولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري .

وقد ظلل اغتيال الحريري الوضع اللبناني منذ شهرين ونصف الشهر بحيث شهد انفجارا لانتفاضة شعبية عارمة بدا معها الانسحاب السوري في الاسابيع الاخيرة وكأنه من باب تحصيل الحاصل واستكمال ما كان قد بدأ.

لكن يوم امس اكتسب وفي ظل توجه بعض الوفود الحزبية القريبة من سوريا فقط إلى وداع اخر المسؤولين السوريين الامنيين المغادرين بعدا رمزيا من حيث انحسار المشاركة اللبنانية على شخصيات او وفود معدودة من شأنه ان يسجل ضمن المواعيد التاريخية لهذا الانسحاب الذي سيثبت اليوم تحديدا السادس والعشرين من نيسان كنهاية رسمية له على الصعيدين اللبناني والسوري . لكن لن يتثبت دوليا وعبر مجلس الامن الدولي الا عبر التقارير التي ستضعها لجنة الامم المتحدة التي وصلت بعد ظهر امس إلى بيروت من اجل التأكد من حقيقة هذا الانسحاب قبل اعطاء براءة ذمة لسوريا في هذا الاطار . هذا التثبت الذي يزيل عن القوات السورية طابع القوات الصديقة التي اسبغها عليها لبنان وسوريا معا طيلة الاعوام الماضية باعتبار ان القوات الصديقة او الحليفة لا تحتاج إلى هذه الاجراءات الدولية كلها .

وينبغي الاقرار من جهة اخرى ان تسارع التطورات على نحو غير مألوف في لبنان تمنع التوقف طويلا عند كل حدث بمفرده ومن بينه الانسحاب السوري وتداعياته من دون ان يعني ذلك غياب هذه التداعيات في الاصل . فتبعا لذلك ، يشهد لبنان ما يشبه فورة من التطورات المتلاحقة ذات الصلة بهذا الانسحاب التاريخي . فالروزنامة اللبنانية التي تسارعت وتيرتها على نحو غير منتظر منذ اغتيال الحريري الذي بات مسلما به على نطاق واسع انه افتدى بدمه الاستقلال الجديد في لبنان وكان المسبب المباشر والحصري والجوهري للانسحاب السوري السريع ، تعج بدفعة متلاحقة من الامور المرتقبة التي من شأنها ان تقيم معالم مشهد سياسي جديد كليا قد تقطع اوصاله مع كل ما كان من قبل . وفي مقدمة هذه الامور او التطورات المرتقبة بدء العد العكسي لانتخابات نيابية ينظر اليها المجتمع الدولي بأسره وكذلك الرأي العام اللبناني بانها اشبه بانتخابات تأسيسية لجمهورية استعادت استقلالها وتبحث عن نظام حكم جديد يوفر للبنان الانطلاق مجددا في دورة داخلية وخارجية مغايرة تماما لتلك الدورة التي رزح تحتها طوال ثلاثة عقود تعاقبت فيها عليه حروب الداخل والخارج واحتلال اسرائيلي ووصاية سورية . وهذه الانتخابات تلهب الوسط السياسي واللبناني على نحو قل نظيره نظرا إلى تسارع الوقت الفاصل عنها والذي يقدر بشهر واربعة ايام فقط في حين لم يتم بعد وضع قانون انتخاب يرضي مختلف الاطراف السياسيين مما يجعل باب المفاجآت كبيرا ومفتوحا فضلا عن المخاوف من اضطرابات او خلافات او متاهات لا يمكن لأحد التكهن بها ما دام لبنان لم يعرف تجربة مماثلة لانتخابات كهذه من حيث ضيق الوقت الفاصل ما بين وضع القانون ودعوة الهيئات الناخبة وتهيؤ عشرات الوف المرشحين للمعركة في فترة لا تتجاوز الاسبوعين اعتبارا من منتصف ايار المقبل .

ازاء ذلك ، تقول يعض مصادر المعلومات ان لبنان سيجد نفسه مضطرا لقبول مساعدات عاجلة لوجستية وادارية وفنية في شكل خاص فضلا عن انماط مراقبة معينة من هيئات ودول اوروبية ودولية ليتمكن من اجراء الانتخبات ضمن موعدها الدستوري . ويفترض بهذه الانتخابات ، الاولى بعد الانسحاب السوري ، ان تضع اسس تحرر القرار السياسي اللبناني في شكل قاطع ونهائي مما يؤسس تاليا لانهاء ذيول الوصاية السورية على لبنان وتداعياتها قبل اعادة ترميم العلاقة الثنائية واعادة النظر فيها من ضمن اسس جديدة يقبل بها المجتمع الدولي والرأي العام المحلي الذي عبر عن غضب شديد غير متوقع ازاء عقود الوصاية السورية من خلال التحركات الشعبية التي اعقبت اغتيال الحريري ورافقت الانسحاب السوري . هذه التحركات عكست مدى الاحتقان لدى كل الطوائف اللبنانية خلافا لما كان سائدا من قبل بحيث كانت تصور فئات لبنانية وطائفية معينة ، مسيحية في الغالب ضد سوريا ، لكن تطورات الشهرين الماضيين قلبت هذا المشهد او التصور وعكست اتساع الاحتقان بحيث شمل مختلف الطوائف والمناطق وخصوصا المناطق المتاخمة لسوريا بالذات حيث كان الثقل السوري العسكري والمخابراتي هو الاشد وطأة على سكانها ووضعها السياسي وغير السياسي .

والعامل الاخر المتصل بهذا المناخ يتعلق بتداعيات اخرى للانسحاب السوري بدأت قبل نهايته وتفاقمت في الايام الاخيرة . وهذه التداعيات تتصل بمجموعة ملفات كانت اما في يد السوريين مباشرة ويعود القرار فيها اليهم او تتحكم بها السلطة اللبنانية الموالية لسوريا . ولعل ابرز هذه الملفات ثلاث قفزات إلى الواجهة دفعة واحدة وهي : النظام الامني الذي بدأ يلفظ انفاسه على وقع استقالة مدوية للمدير العام للامن العام اللواء الركن جميل السيد تؤشر إلى تهاوي الدومينو الامني المتحكم بالبلاد منذ ما بعد اتفاق الطائف . هذه الاستقالة التي اعقبت محاولات ملطفة للحكومة التي اوردت في بيانها الوزاري الاتجاه إلى وضع قادة الاجهزة الامنية في التصرف وهو تعبير مهذب لاقالتهم او لحضهم على الاستقالة ، تدل على ان تجربة جديدة قد تكون محتملة مماثلة لتجربة حصلت العام 1970 عندما انتخب الرئيس سليمان فرنجية رئيسا للجمهورية انذاك وتمت اطاحة ما كان يسمى بـ «المكتب الثاني» الذي كان يعني تحكم المخابرات باوضاع البلاد في عهد الرئيس شارل حلو . ويكتسب الامر الان بعدا اضافيا اذ ان قادة الاجهزة الامنية لا يرمزون إلى السلطة العسكرية والمخابراتية اللبنانية التي تحكمت بمفاصل الحياة السياسية في لبنان ما بعد بدء تطبيق اتفاق الطائف وخصوصا في عهد الرئيس اميل لحود ، انما ايضا إلى الوصاية السورية في درجة اساسية . وقد شكلت هجمات شرسة للغاية على المدير العام للامن العام في اليومين الاخيرين وقبله ضد كل قادة الاجهزة ومدعي عام التمييز عدنان عضوم اكبر دليل على حال الاحتقان التي انفجرت ضد هذا النظام الامني مع انتهاء الانسحاب السوري ، مما يعكس واقع الحال الجديد الذي يتجه اليه النظام اللبناني الناشئ في ما بعد الانسحاب .

والملفان الاخران المهمان اللذان يشكلان تفجرا رمزيا معبرا عن التحول بعد الانسحاب يتصلان بالتحضيرات الجارية لعودة زعيم التيار الوطني الحر العماد ميشال عون إلى لبنان في 7 ايار المقبل بعد مضي 15 عاما على نفيه إلى فرنسا ، وكذلك في تسارع التحضيرات النيابية لاقرار قانون عفو جديد من شأنه ان يطلق قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع من السجن بعدما امضى حتى الان 11 عاما في الاعتقال . وعون وجعجع خاضا العام 1990 حربا دامية داخل ما كان يسمى المنطقة المسيحية بفعل خلافهما الطاحن حول اتفاق الطائف الذي كان جعجع احد اللاعبين الاساسيين الذين لعبوا دورا في ابرامه في المعسكر المسيحي مع البطريرك نصرالله صفير في حين عارضه عون ، وكان رئيسا للحكومة العسكرية الانتقالية التي تولت السلطة في لبنان ما بين 1989 و1990 قبل ان يطيحه اجتياح عسكري سوري لقصر بعبدا في 13 تشرين الاول 1991، بشدة لخلوه ، اي اتفاق الطائف ، من برنامج زمني للانسحاب السوري النهائي من لبنان . وخلفت تلك الحرب شرخا هائلا بين المسيحيين ارخت بذيولها على هؤلاء وتسببت بهجرة هائلة وكذلك باختلال في الميزان السياسي والديموغرافي في لبنان . وادى الخلل في ميزان القوى إلى تحكم السلطة المدعومة من سوريا بالوضع في لبنان من دون اي قوة موازية بعدما عمدت هذه السلطة إلى قمع انصار عون وجعجع على اثر نفيها الاول إلى فرنسا واعتقالها للثاني ورميه في السجن وحده من دون سائر الميلشيات الاخرى الذين تعاقبوا على الحلول في السلطة والحكومات منذ ذلك الوقت . لكن السنوات الاخيرة شهدت تحولا جذريا بعدما غدت عودة عون واطلاق جعجع واحدة من اهم ركائز الخطاب المعارض في لبنان . لكن هذا التحول لم يأخذ حجمه الحقيقي والفعلي الا الان، وتحديدا بعد اغتيال الرئيس الحريري الذي ادى إلى تحول تاريخي في مسار الامور في لبنان في عدة امور من بينها فرض انسحاب سوري سريع جدا من لبنان توحيد مختلف الطوائف والقوى تحت لافتة استعادة السيادة والاستقلال والوحدة والوفاق الوطني بما فيها عودة الزعماء المسيحيين . وهذه هي حتى الان ابرز التداعيات الفورية للانسحاب السوري وسيكون هناك المزيد بالطبع .

مشاهدة النسخة كاملة
عرض التعليقات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية