جريدة الرياض اليومية

الثلاثاء 17 ربيع الأول 1426هـ - 26 إبريل 2005م - العدد 13455
[ الأولـــى | متابعات | شؤون دولية | محليات | لقاء | مقالات اليوم | طــب | ثقافة اليوم | الرأي | الرياض الاقتصادي | تقنية المعلومات | دنيا الرياضة | الكاريكاتير | محطات متحركة | الأخــيــرة | الصحفي الإلكتروني | ]
حول العالم
كيف تعتقد الذبابة أننا نعيش ملايين السنين

فهد عامر الأحمدي

قبل أيام بعث لي أحد القراء برسالة طريفة بدأها بهذا السؤال: لا أفهم كيف يتلاعب شخص مثلك بهذه الملايين!؟

ولأول وهلة ظننته يتحدث إلى بيل جيتس أو الوليد بن طلال. ولكنه سرعان ما هاجم كرمي في الحديث عن ملايين السنين (الضوئية والجيولوجية) في مقالات الزاوية.. وقدم على ذلك أمثلة كثيرة من بينها مقال نشرته قبل فترة بسيطة بعنوان (هل فات موعد انقراض البشر) قلت فيه:

«تتعرض الأرض لمواسم فناء منتظمة تأتي كل 62 مليون عام (قد تزيد أو تنقص ب3 ملايين عام).. وفي المقابل حدثت آخر موجة انقراض قبل 65 مليوناً وبالتالي يفترض ان موعد فناء البشر فات بثلاثة ملايين عام على الأقل!!؟».

واعترفت هنا بصعوبة إقناع الناس بهامش (يزيد أو ينقص بثلاثة ملايين عام) في حين لا يتجاوز عمر البشرية كاملاً أربعمائة ألف سنة.. غير ان الإشكال - في استيعاب هذه الأرقام - يعود إلى سببين رئيسيين:

- الأول أن معظمنا لا يدرك حقيقة الزمن ذاته!

- والثاني اننا نقيس الزمن اعتماداً على أحاسيسنا الداخلية وعدد الأحداث التي تتوالى حولنا!

فببساطة شديدة لا يوجد شيء يدعى زمن.. لا يوجد زمن حقيقي مادي (ينساب كالنهر) بل أحداث (آنية) متتالية تجعلنا نشعر بوجود الوقت وانطلاقه نحو الأمام؛ وهذا يعني أن الزمن هو عدد الحوادث حولنا ونسبية العلاقة بينها - وليس الحوادث نفسها.. ولأنه شعور داخلي (وليس حقيقة مادية) يتجمد ويتوقف تماماً حين نموت ونصبح في القبر سواسية - وهو ما عبر عنه عمر الخيام بقوله:

فقد تساوى في الثرى راحل غد

وماض من ألوف السنين!!

وعلى هذا الأساس رأى الفلاسفة القدماء أن الزمن لم يكن موجوداً قبل خلق الكون لأن شيئاً لم يكن موجوداً قبله أو قادراً على الحدوث بذاته.. وهذه الفكرة نسمعها اليوم بثوب جديد - حيث يفترض علماء الفلك ان الزمن بدأ حين انفجر الكون من نقطة صغيرة سوداء.. وبعد حدوث هذا الانفجار (حسب نظرية الانفجار العظيم) بدأت الأحداث تتوالى وأصبح لكل مخلوق زمنه المحلي وشعوره الخاص بالوقت. فالزمن الذي نتعامل به على كوكب الأرض زمن محلي قد يختلف على كواكب أخرى أو تحت ظروف مختلفة «... ان يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون»... وحتى على الأرض ذاتها يكاد يكون الزمن غير موجود بالنسبة للصخور والجبال وحلقات المرجان - في حين يبدو طويلاً لحشرات تعيش ليوم أو يومين فقط. أما نحن البشر فنشعر بالزمن يمر سريعاً بسبب إحساسنا الحاد بتعاقب الأحداث حولنا (وأيضاً بسبب توالي العمليات البيولوجية داخل أجسادنا).. ولكن لو حدث وسجنت أحدهم في كهف مظلم (بحيث لا يرى الليل والنهار) لاختل لديه الشعور بالزمن وعاش حياة يحسبها دهراً.. أما لو مات داخل «الكهف» فسيتوقف الزمن بالنسبة إليه بحيث لو استيقظ بعد عدة قرون لاعتقد أنه يعيش يومه التالي «.. قالوا كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم»..

مفهومنا للزمن خاضع لتقديرنا نحن وإحساسنا الخاص بتوالي الأحداث - وهذا غرور كبير؛ فما نراه (ملايين السنين) يعد لحظات قصيرة بالنسبة لمخلوقات وجمادات كثيرة - بل قد لا تعني شيئاً للجبال الجامدة رغم انها تمر مر السحاب!!

.. أنا شخصياً لا أتلاعب بالملايين؛ ولكنني أتساءل ان كانت الذبابة (التي تعيش ليومين أو ثلاثة) نعتقد انني أعيش طوال هذه الفترة!!؟

مشاهدة النسخة كاملة
عرض التعليقات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية