ليست كنبوءة فوكوياما بنهاية التاريخ حين فرضت الليبرالية الرأسمالية نفسها على العالم فظن أن التاريخ لن يكتب بعدها ما يستحق التدوين فكل ما سيأتي لابد وانه سيدور في فلك ذلك الـ (سوبر باور) الأبيض سيدة الارض والزمان «أمريكا» وفجأة إذا بحدث يقوم يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001م يقلب كل الموازين بل قد يكون بلا مبالغة أحد أهم مفاصل ما سيكتبه التاريخ لاحقاً، لن أتطاول على الأحداث ولن أدعي ما ليس لي به علم إنما حين نقف ملياً على حياتنا وما يجري فيها ونحاول تفكيك الغموض الذي يلف هذا الجمود والتمسك بالماضوية وجعلها مرجعية تصبغ كل تفاصيل الحياة نجد أن التاريخ سبق وأن فسر وبكل وضوح السبب والمسبب، على سبيل المثال في كتاب (ابن رشد وفلسفته الدينية) للدكتور محمود قاسم أورد المؤلف أحوال المجتمع في ذلك الزمان (السادس الهجري) وكيف واجه الفيلسوف الاضطهاد والانكار من معظم فئات مجتمعه (كان أعظم ما قاله «ابن رشد» في هذه المحنة هو أن خصومه نجحوا في تأليب عامة المسلمين ضده فمن ذلك انه دخل هو وابنه عبدالله مسجد قرطبة وقد حانت صلاة العصر فثار عليهما بعض الجهلة، وأخرجوهما من المسجد مما يصور لنا الى أي حد بلغت حفيظة خصومه عليه، أي الى الحد الذي لا يبيحه الاسلام اذ ليس لأحد أن يدعي لنفسه حق الكشف عن السرائر وعن حقيقة الصلة بين الخالق وعبده، وقد كانت ثورة الغوغاء عليه وعلى ابنه دليلاً على سيطرة أهل الجمود والتقليد وإيذاناً بأفول الحركة الفكرية في المغرب والمشرق جميعاً ابتداء من القرن الثالث عشر الميلادي وهذا هو ما حدث بالفعل فقد استغرقت الدول الاسلامية في سبات ازداد عمقاً كلما مرت بها القرون)..!!
إذاً هاهو الزمن يعلن عن نفسه وهاهم البعض من (ربعنا) في زماننا الحاضر يلقون التهم جزافاً والأوصاف تترى فهذا علماني وذاك جامي والآخر ليبرالي ثم تطاولوا فكفروا كل من لم ينتم لفكرهم المتطرف ولم يقتصر الأمر على المسؤولين والكتّاب والمشهورين من المفكرين والفنانين والإعلاميين بل وصل بهم الحمق والغلواء الى تكفير بسطاء الناس وعامتهم وخصوصاً أولئك الذين لم يسمعوا لقولهم ولم يركبوا موجتهم المشحونة بالتطرف، فالزمن بالفعل قد توقف بالنسبة لمن هم على هذه الشاكلة منذ ذاك الزمن فالفكر المتحجر القامع استمر الى اليوم والخطاب هو نفس الصيغ والمفردات، والشك في النفس والآخر قد ازدادت درجات احتقانه الى درجة معاداة وكره ليس جنس بني الانسان بل وحتى مفردات الحياة من مباحات ومباهج وأساليب تنظم العلاقات والمصالح فكل شيء (بالنسبة لهؤلاء البعض) حرام وكل فعل كفر وخروج عن الملة، العجيب أن كل هذا الفعل سببه قصور شديد في الرؤية لمعنى ومفهوم الدين والتدين وسطحية تافهة ربطت التقوى والتقرب الى الله بالشكل والمظهر وحددت إطاره بحركات وممارسة شكلية إن لم يقم بها الانسان فإن الشكوك ستدور حوله ثم تصدر الصكوك اذا لم ينته ويدخل ضمن منهجهم وفكرهم حتى وإن كان ضد المعاني السامية والمفاهيم الحقيقية للدين. الآن بعد أن انجلت الحقيقة وبعد أن ران الظلام فترة من الزمن وبعد أن تكشفت النوايا بأفعال قبيحة هل ما زال من يعتقد بأن التطرف طريق سوي يؤدي الى ضفاف الأمان والنجاة من النار..؟؟ أقول اذا كان بعض المؤرخين يعتقدون أن منتجات الفكر والتطور المعرفي قد توقفت لدى العرب والمسلمين من القرن الثالث عشر الميلادي ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين فهل هذا يعني أننا بحاجة لنفس المدة الزمنية حتى يمكننا تعويض ما فات نتيجة هذا التوقف ونصبح كحال بقية الأمم اليوم..؟؟ إذاً سنظل نلاحق الزمن والزمن يهرب للأمام..؟؟