أحاطت أجواء من الغموض باتفاقية الغاز بين مصر واسرائيل التي كان مقررا، حسب الجانب الاسرائيلي، أن توقع بالقاهرة أمس «الثلاثاء» بين شركة شرق المتوسط للغاز التي يمتلكها رجل الأعمال المصري حسين سالم وشركة الكهرباء الاسرائيلية، في صفقة تبلغ قيمتها 5 , 2 مليار دولار، وتحصل اسرائيل بموجبها على 7 , 1 مليار متر مكعب من الغاز المصري لمدة 15 عاما.
وفيما تلتزم وزارة البترول المصرية الصمت التام، ويرفض وزير البترول المهندس فهمي التعليق على ما تنشره وسائل الاعلام في مصر نقلا عن الصحف الاسرائيلية التي تنشر بيانات وزارة البنية التحتية حول الاتفاق أولا بأول، فان الاعلام الاسرائيلي بدا كمن وجد فرصة ثمينة للدعاية السياسية اعتمادا على موضوع اقتصادي بحت يتعلق بصفقة بين شركتين في دولتين بينهما اتفاقية تنظم مثل هذه العلاقات الاقتصادية.
ويعتمد قطاع البترول في مصر مبدأ ثابتا في هذا الشأن، وهو عدم الاعلان عن أية اتفاقات قبل توقيعها، لكن الكثير من الصحف المصرية، حتى الصحف شبه الرسمية، مثل الأهرام، والكثير من الصحف العربية، انخرط في تيار نقل أنباء توقيع الاتفاقية عن البيانات المتضاربة لوزارة البنية التحتية في اسرائيل، والتي تنقلها تارة صحيفة يديعوت أحرنوت، وأخرى تنفرد بها جيروزاليم بوست، على نحو ماحدث أمس عندما نشرت بيانا للوزارة تعلن فيه نبأ التأجيل وتنفي أنه لأسباب تتعلق بخلافات أو مشكلات اللحظة الأخيرة، وانما بسبب انعقاد قمة في اسرائيل على حد قول الصحيفة.
وحتى الأمس كان الاعتقاد السائد لدى الجميع انسياقا وراء الاعلام الاسرائيلي أن الاتفاقية ستوقع في القاهرة بحضور وزير البنية التحتية الاسرائيلي بنيامين بن اليعازر ووزير البترول المصري سامح فهمي، الى أن نشرت الصحيفة خبر التأجيل الى الثلاثاء المقبل، لكن مصادر مسؤولة في وزارة البترول المصرية أكدت لـ «الرياض» أن الوزارة ليست طرفا في كل مايحدث، وليست لها علاقة بما تكتبه الصحف هنا أو هناك، وأنه يوم أن يوقع الاتفاق سيعلن ذلك، لأن هذا أمر طبيعي، مثلما حدث مؤخرا مع اتفاقية الكويز، فليس هناك مبرر للإخفاء أو الانكار.
اللافت للانتباه في أمر هذه الاتفاقية ومايحيط بها من تسريبات اعلامية اسرائيلية، أنه لم يصدر عن القاهرة أي شىء يتعلق بها، باستثناء الاعلان عن توقيعها في أوائل مايو المقبل، والذي لم يرد على لسان أي مسؤول مصري، وانما صدر عن وزير الخارجية الاسرائيلي سليفان شالوم عقب لقائه الرئيس المصري حسني مبارك ووزير الخارجية أحمد أبو الغيط وهو مايشير الى أن القاهرة تتعامل مع الموضوع في اطار يتجنب اثارة قضايا سياسية لاداعي لاثارتها في الوقت الراهن لاسيما وأن قطاعا كبيرا من الصحف المعارضة والمستقلة في مصر يبدي عدم الرضا عن هذه الخطوة.
كما يشير ذلك أيضا الى أن الجانب الآخر، «اسرائيل» ينظر الى الاتفاق على أنه نجاح سياسي كبير، لاسيما بعد الصعوبات الكثيرة والتعقيدات التي واجهت المفاوضات حول الغاز مع مصر والتي امتدت على نحو خمس سنوات، أبدت فيها مصر الكثير من التحفظات، ووضعت الكثير من الشروط من أجل الموافقة على هذه الخطوة، وكانت تربطها دائما بتحسن المناخ بين اسرائيل والجانب الفلسطيني.
وتدير القاهرة أمر هذه الصفقة باسلوب خاص يبقيها خارج الاطار الرسمي، ويضعها في اطار صفقة عادية بين شركتين، كنوع من الاستثمار العادي، وهو مايبرر عدم اهتمام الجانب المصري بالتعامل اعلاميا مع الصفقة، وترك هذا الشق للجانب الاسرائيلي، الذي ينظر اليه على أنه نوع من الانتصار المعنوي سيفتح الطريق أمام تغيير نوعي في العلاقات، ليس مع مصر وحدها، لكن، ربما مع دول أخرى في المنطقة