ليس في هذه المقالة مايشي بعلاقة ما مع الادمغة المتميزة التي يلفظها العالم الثالث باتجاه العوالم الاولى. وإنما هنا حديث عن الادمغة التي تمثل العالم الثالث تمثيلاً صادقاً ووفياً ان من ناحية ثقافته أو قيمه أو دياناته وعاداته وتقاليده الراسخة والتي دفعتها بعض الظروف السياسية والاقتصادية الى الهجرة بحثاً عن الامان والعيش الكريم قدر الإمكان. والحقيقة ان أغلبية المهاجرين من عوالمنا الى العالم الحلم ليست ذات عقول خارقة او معدة ومهيأة تماماً لإسعاف الغرب مثلاً وهو موائل هذه الهجرات لإسعافه بالعقول التي لم يعد في إمكانه إنتاجها أو ابتكارها.
والموضوع الذي أوحى بهذه المقالة هوالشارع الذي اقيم فيه بمدينة باريس ذلك انه شارع بائس من ناحية تجارية حيث لم يصمد اي مغامر اكثر من سنة ورأينا نحن المقيمين في الشارع كيف يتحول الى كارثة بالنسبة لكل المغامرين مهما كانت تنوعات تجاربهم وتجديداتهم وكأن الناس عرفوا ان هذا الشارع هو مقبرة لكل الاحلام التجارية وظل الشارع هكذا زمناً طويلاً. ولم ينجح من «لعنته» إلا سيد قادم من إيران، اسمه علي، كان مهندساً معمارياً، ولم يجد عملاً في عاصمة النور والنار،. فاختار مهنة اخرى اقرب الى البطولة التي لاتكف عن التهام ماهب ودب. وبالفعل اقام مطعماً صغيراً مختصاً في الوجبات الإيرانية والمشوية منها بالذات واستطاع علي ان ينجح وأن يكون من بين زبائنه اسماء كبيرة مثل الامبراطورة فرح بهلوي وعدد من كبار الشخصيات والأسماء العربية المعروفة في عالم السمسرة والتجارة. وأصبح هذا المطعم الصغير رمزاً لنجاح الادمغة المهاجرة. وخصص له التلفزيون الثاني حلقة من اكثر حلقاته جماهيرية. وأصبح علي نجماً في الشارع وفي باريس وقبل ان يحقق علي هذا النجاح الإعلامي كان قد حقق نجاحاً كبيراً على الصعيد التجاري إذ افتتح ثلاثة مطاعم أخرى في أرقى احياء باريس وكان هذا النجاح حافزاً لإيرانيين آخرين. وخلال فترة قصيرة رأينا محافظ مدينة طهران سابقاً يفتتح محلاً للبضاعة الإيرانية مع مخبز صغير. ثم توالت المشاريع الإيرانية بحيث لم يعد يفرغ اي محل في الشارع الا والسكان يعرفون ان مغامراً إيرانياً في الطريق. والحقيقة ان مقولة مغامر إيراني ليست صحيحة تماماً.
فالمغامرة هنا تشبه سابقتها وكأن كل إيراني من هؤلاء نسخة من صاحبه وبالتالي يفتح المحل والبضاعة والديكور مشابهاً تماماً لسابقه. وكأن ليس هناك. ادمغة فعلاً وإنما دماغ واحد. واصبح الشارع فعلاً شارعاً إيرانياً أو شارعاً يشبه شوارع العالم الثالث ليس بتجارته فقط وإنما بزبائنه أيضاً حيث ترى السيارات مصطفة كيفما اتفق ودون أي مراعاة لأي نظام أو أخلاقيات مما جعل الشارع هدفاً لبعض المباغتات البوليسية التي لايعرفها شارع آخر في الحي. مما سبب إزعاجاً للمغامرين الآخرين. ولكنه إزعاج يحملهم على الرحيل ويحمل بعض الإيرانيين على المجيء مما يجعلنا على مشارف بازار لم تعرف باريس له مثيلاً.
ويظل السؤال مشرعاً ومشروعاً حول ما تغير في هؤلاء الناس الذين دفعت بهم الثورة منذ خمسة وعشرين عاماً الى الهجرة والجواب لاشيء لاشيء مثلهم مثل المهاجرين من عرب شمال افريقيا منذ عشرات السنين. مازالوا في حالة استنساخ دائمة وتناسخ مستمر رغم وجودهم في مايعرف بدولة القانون والمؤسسات. ولكنهم يحتالون على الثقافة الديمقراطية بشتى الوسائل للإبقاء على ثقافتهم القبلية التي تلغي الفرد وتميزه وتحيله الى نسخة مشابهة لابيه وعمه وجده وخاله..
وينقلون هذه الثقافة ما أمكن لأبنائهم وبناتهم وأحفادهم إلا أن هؤلاء الصغار غالباً مايعيشون تمزقاً عنيفاً بقطيعة مع الأهل واندماج في تلك الثقافة التي حاولوا تلافيها الى ان يستسلموا أو يأخذهم الموت.
1
نعم كل ما قلته صحيح لكن وبصراحة لو تطور العالم الثالث لما هجر العلماء الى الدول المتقدمة
nada - زائر
03:53 مساءً 2006/02/28
2
يبدو ان هؤلاء يبحثون عن شيء فقدوه في اوطانهم و يعتقدون انه موجود في هذه البلدان، ولكن هيهات، لانهم سيفقدون اكثر مما يجدون، هذا عمن تتحدث عنهم، لكن هل سنترك امكانيات هائلة تضيع في بلداننا دون استفادة من الانسانية و لو بشكل عام، اذن المشكلة ليست في السفر اليهم ولكن في الهدف الذي نسافر من اجله.
حسان - زائر
03:07 مساءً 2006/04/01
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة