الرئيسية > العمران والتنمية

مشروع التأهيل المهني لـ 25 ألف مهندس سعودي يعاني من الهلامية وعدم الوضوح

50٪ من المهندسين السعوديين يتجهون إلى غير تخصصاتهم .. ونظام الخدمة يساعد على تسربهم وظيفياً



عقدت الهيئة السعودية للمهندسين ندوة عن التأهيل المهني للمهندس السعودي وذلك بفندق الماريوت بالرياض يوم 24 ربيع الآخر الماضي وقد جاءت هذه الندوة بتنظيم من الهيئة لدراسة مشروع التأهيل المهني للمهندسين الذي تقوم به الهيئة حالياً، وتمت دعوتي من قبل أمين عام الهيئة السعودية للمهندسين المهندس صالح بن عبدالرحمن العمرو ومدير عام العلاقات العامة بالهيئة هاشم الشهري لحضور حلقة النقاش هذه.. وقد زخرت الندوة بالعديد من الطروحات القيمة وخاصة تجربة جمعية المهندسين الكويتيين في التأهيل المهني للمهندس والتي استعرضها سعادة المهندس يوسف عبدالرحيم - الأمين العام للملتقى الهندسي الخليجي وبالفعل فإن تجربة دولة الكويت تجربة رائدة في التصنيف والتأهيل وفي اعتقادي بأن مسمى هذا المشروع يجب أن يكون (مشروع التصنيف المهني للمهندسين) وليس التأهيل المهني للمهندسين لأن كلمة تأهيل تعني أن هذا المشروع يقوم بتأهيل المهندس السعودي وتدريبه لكي يكون مؤهلاً لسوق العمل وهذا ما لا يقوم به المشروع.. بل هو مشروع لدراسة تصنيف المهندسين حسب خبراتهم وقدراتهم وحسب درجاتهم العلمية فمن يقرأ أو يسمع عن هذا المشروع يتبادر إلى ذهنه انه مشروع (لتأهيل المهندسين وتدريبهم) مما يعطي انطباعاً مغايراً للتصور المسبق لدى المتلقي.. ولاشك أن مثل هذا المشروع هو بداية صحيحة لازالة ركام سنوات عديدة من الاحباطات للمهندس وازالة هذا الركام أو رفعه تحتاج إلى جهد كبير وإلى مؤازرة عدد كبير من الجهات بجدّ واخلاص.. لا أن تكون هذه الجهات هي جهات تدافع عن نفسها فقط.. كما هي الحال مع وزارة الخدمة المدنية التي اعتقدت انها في موقع المتهم في مثل هذا المشروع فراحت تدافع عن نفسها بشتى الوسائل ومختلف السبل ولتثبت العكس وانها مهتمة بالمهندس ولازاحة الشعور بالذنب ان كان هناك شعور بالذنب يذكر بعض الحسنات التي أسدتها لهذا المهندس المغلوب على أمره كأن يقال ان المهندس يُعين على المرتبة السابعة بخلاف بعض الخريجيين وهي مفخرة للوزارة سأرد عليها لاحقاً.

ولاشك أن مثل هذا المشروع هو أداء جيد للهيئة السعودية للمهندسين وخلال أقل من سنتين من انشائها والذي صدر في قرار مجلس الوزراء في 13/9/1423ه.. وهذا المشروع سيعطي أماناً وثقة لدى المهندس السعودي في هيئته ويعطيه احساساً بأن هذه الهيئة بدأت تتحرك لصالحه وعلى الطريق الصحيح..

(والورشة) التي نظمت من قبل الهيئة هي خطوة على الطريق الصحيح أيضاً لسماع آراء المهتمين من المهندسين وغيرهم.. وإن كنت أتمنى أن يكون هناك (استبيان).. وزّع على جميع المهندسين من خلال هذا المشروع لابداء مرئياتهم وملاحظاتهم حول هذا المشروع فهم الذين على الميدان وهم الذين خاضوا فيه.. وبما انني حضرت هذه (الورشة) وشاهدت ما فيها من عمل ومعدات و(لحام) و(خشب نشارة).. ووقد أبهرتني (أضواء اللحام) الساطعة في هذه الورشة..

وقد استمعت لكل الآراء التي طرحت من قبل المهتمين.. وأعتقد أن طموحاتهم هي أكبر من أهداف الدراسة الموضوعة لها سلفاً.. وكان المجال ضيقاً خلال فترة (الورشة) التي اغلقت سريعاً فلم أستطع ابداء رأيي لانه يحتاج إلى تفكير وروية وليس إلى كلمة عابرة تطير في دهاليز هذه (الورشة).. وأثق أن ملاحظاتي التي سأبديها ستنال اهتمام المهندس صالح بن عبدالرحمن العمرو - الامين العام للهيئة - وكذلك اعضاء الفريق واخص منهم الدكتور صالح السويلمي والمهندس علي عثمان باطرفي الذي كان حريصاً جداً على التفاعل وابداء الآراء والاستفادة منها وهي خطوة مشكورة منه وأثق أن الأمين العام وزملاءه وأعضاء الفريق هم من النوع ذي الصدر الرحب الذي يتقبل الآراء وإن كانت تبدو قاسية إلا أنني أعرف مدى تحملهم وترحيبهم بها وثقتهم انهم (رجال مجهولون) يجاهدون لأجل هذا المهندس كيف لا وهم رجال المبادرة الذين قاموا باشعال الشموع في طريق المهندسين بدلاً من (لعن الظلام).. وبدلاً من أن يظل كل واحد منا يلقي باللوم على الآخر.. ويضع الاشواك في طريقه وانني أثق انهم لا يحبون سماع كلمات المديح والتملق الممجوجة والتي مللنا منها وغير مستساغة في هذا الزمان وإن آرائي تلك هي (صواب يحتمل الخطأ)..

اولاً: أهداف المشروع تبدو هلامية وغير واضحة وغامضة الألفاظ لكثير من المهندسين.. ولابد لأي مشروع من هدف يعتمد على الواقع.. فما هي الفائدة من مشروع لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع بالنسبة للقطاع العام.. والذي يبدو لي أن هذا المشروع ذو فائدة بالنسبة للقطاع الخاص.. ولكن الأهمية الاولى يجب أن يتم ايلاؤها لمهندسي القطاع العام فهم اللبنة الأساسية في البناء الاقتصادي وهم الأساس في مشاريع البنية التحتية وهم لا يهدفون إلى الربح بقدرما يهدفون إلى خدمة بلدهم.. ولو فرضنا أن هذه التصنيفات طبقت لموظفي ومهندسي القطاع العام كالبلديات أو وزارة النقل مثلاً فمن المعروف أن مهندس البلديات هو إداري وليس فنياً بمعنى انه منذ أن يتم تعيينه في أول سنة فانه يصبح محامياً عن البلدية يدافع عن اخفاقاتها وعن تقصيرها ويستقبل الجمهور ويرد على طلباتهم وليس لعمله أي صبغة هندسية فنية.. وحتى إذا حصل على اللقب فإن عمله السابق سيظل هو كما هو وليس هناك اي تطور بالنسبة له.. بمعنى انه يجب ان يواكب هذا التصنيف.. تصنيف للاعمال في القطاع العام او اعادة هيكلة له بمعنى ان يكون هناك قسم للتصميم يكون من مهامات المهندس الاستشاري وقسم للاشراف من مهمات المهندس المحترف وقسم للتنفيذ والمتابعة من مهمات المهندس المبتدئ..

ثانياً: يجب ربط الجهات التنفيذية المسؤولة عن المهندسين في بلادنا ربطاً وثيقاً مع المشروع لأن المشكلة معروفة سلفاً وهي عدم وجود كادر وظيفي للمهندسين ويجب ان نعترف بها اولا والخوض في مجال التصنيفات هو تحصيل حاصل ولاحاجة لاجهاد اعضاء المشروع بمثل هذا ما دام ان الجهات المختصة لن تلتفت لاعمالهم وتوافق عليها مسبقاً واقصد بالتمديد وزارة الخدمة المدنية ووزارة المالية فهاتان الوزارتان يجب ان توافقا على مثل هذا العمل مسبقاً وان تتفاعلا معه بجدية لا ان يكونا بموضع المتهم وتبدآن بالدفاع عن انفسهما.. فعلى سبيل المثال ستقول وزارة الخدمة المدنية ان لدينا تصنيفاً للمهندسين (مهندس مدني، مهندس مدني مساعد، مهندس مدني مشرف، كبير مهندسين) فلماذا تجهد الهيئة نفسها في مشروع للتصنيف والتأهيل وستقول وزارة المالية ان رواتب المهندسين اكثر من رواتب (الفنيين) وان المهندس يعين على المرتبة السابعة ويستلم راتباً مغرياً فلماذا يتمسكن المهندسون لنا ويشتكون لنا وهم افضل من غيرهم.. متجاهلة ان المهندس درس 6 سنوات وغيره درس 4 سنوات وغيره اقل جهداً ومسؤولية.. فالدور الاساسي يجب ان تقوم به وزارة الخدمة المدنية ووزارة المالية ويجب ان يكون اعضاؤها فاعلين من (المشروع).

ثالثاً: تم استعراض تجربة دولة الكويت في تصنيف المهندسين من قبل المهندس يوسف عبدالرحيم وهو جهد ذاتي قامت به جمعية المهندسين الكويتية ويعتبر تجربة ناجحة جداً حيث تم تصنيف المهندسين الى ثلاث درجات (مهندس، مهندس محترف، مهندس استشاري) وتم توضيح مهمات كل صنف من هؤلاء والاعمال والمسؤوليات التي يجب ان تلقى عليه ويعتبر هذا مثل عملية الفرز وتحديد المسؤوليات شيء مهم حيث انه يقضي على الاشكالية والتهرب من المسؤولية الذي تعاني منه كثير من القطاعات.. حيث ان معظم الاعمال الفنية تولى الى رجل غير متخصص اصلاً وليس له المام بأي مبادئ من مبادئ الهندسة ولاشك ان معرفة الاصول الهندسية هي شيء مهم جداً.. ولكن المشكلة ان هذا التصنيف يخضع لاختيار هندسي فني فقط من عشرات الاسئلة الفنية التي لاتعكس الواقع كاملاً فقد يكون ملماً بأصول الهندسة ويجيب على الاسئلة ولكنه ليس له انجازات على أرض الواقع.. ان من الواجب ربط مثل هذا التصنيف بالانجازات والابداعات التي يقوم بها المهندس ومن المستحسن ان تقوم لجنة التصنيف بدراسة انجازات المهندس التي انجزها من اعمال خلال السنوات السابقة لدرجة التصنيف والمشاريع التي اشرف عليها ومدى سيرها ومساهمتها في الاقتصاد الوطني.. ومعرفة ادائه ادارياً وفنياً من خلال مقابلات مفاجئة لايعلم عنها هو ولا حتى (رئيسه المباشر) او مدير الدائرة الاعلى.

فهؤلاء دائماً ما يخضع تقييمهم للعواطف وللعلاقات الشخصية البعيدة عن العمل تماماً.. فتجد مهندساً مخلصاً أميناً يحافظ على اوقات العمل بل ويعمل خارج وقت الدوام الرسمي ويتابع وينجز اعمالاً كثيرة بل ويبدع في عمله وتجد مهندساً آخر لايحافظ على اوقات الدوام وينجز ربما اعمالاً بسيطة ويحوز على رضا الرئيس المباشر والرئيس الاعلى للدائرة لحاجة شخصية فقط يعيده عن الانصاف.. وهذا الآخر ربما يصاب بالاحباط اذا شاهد هذا النكران والتنكر لجهوده... اما في حالة وجود تقييم خارجي من لجنة فنية هندسية ادارية متخصصة تقيم عمله الاداري والفني على حد سواء فإننا سنكون من بيئة نظيفة وسليمة للارتقاء بالعمل الهندسي وسأسوق لكم قضية تراثية تبين ان المحايد والغريب يقيم الشخص ويقدره اكثر من الملاصق له ربما بسبب انه قريب منه ومعايش له يومياً ويعتبر هذا مثله.. يحكى ان رجلاً اعمى في اصفهان مر به رجل من بلاد بعيدة فألقى بين يدي الاعمى رغيفاٍ فدعى له الاعمى.. وقال له: احسن الله اليك وبارك فيك وجزاك خيراً ورد غربتك..!! فتعجب الرجل وقال: كيف عرفت انني غريب وانت اعمى.. فقال: بارك الله فيك.. لي ثلاثين عاماِ اعيش بين عشيرتي وجيراني وجميع اهل هذا البلد وانا اطلبهم رغيفاً فقط ولم يعطني اي واحد منهم (وهم بالالاف) اي رغيف.. وعندما اعطيتني انت عرفت انك غريب.. وهذا يدل دلالة واضحة على ان الذي يعمل مع المهندس او ملاصق له لن يقدره ولن يقيمه الا حسب العواطف والاهواء وهذا ما يوجب وجود لجنة تقييم محايدة وليكون هذا التقييم بعيداً عن ثقافة (فلان يستاهل) سمعت عنه كذا وكذا.. ورأيته عمل كذا وكذا.. بناء على عواطف وتقييم آني.. فما بال من لم يسمع عنه او لم يرعمله.. هذا هو الواقع حالياً في التقييم والترقيات للموظفين عموماً وللمهندسين خصوصاً اما في حالة وجود لجنة تقييم وامتحان خارجية للترقية والتصنيف فإن ذلك سيكون حافزاً الى بيئة ادارية نظيفة وسليمة ومزرعة للتطور والرقي نحو الافضل.. ولو لم يأت من هذا التصنيف وهذا المشروع الا التقييم المحايد لكفى.. فإن اللقب عند الكثيرين وشهادة الشكر تعادل ضعف الراتب.. ومع اننا لانعقل اهمية ربط الراتب بالتصنيف وتقييم راتب كل درجة من هذه الدرجات بناء على مهامها ومسؤولياتها..

ومن ناحية التصنيف فإنني أرى ان تجربة دولة الكويت هي تجربة خليجية رائعة ومتميزة الا انه يعيبها شيئان:

أ - عدم الاهتمام بالانتاجية والابداع السابق للمهندس من خلال عمله وتقييم عمله ادارياً وميدانياً ودراسة انجازاته السابقة وانضباطه الاداري.

ب- عدم ربط هذا التصنيف مع الراتب الذي يتم تسليمه للمهندس لأن الراتب هو المغزى الاساسي من هذا التصنيف.

ج - انه يعتمد على اختيار فني هندسي (كما يحصل في الدراسة الجامعية) ومع الاسف فإن مثل هذه الاسئلة هي حشو لاداعي من ورائه.

د- عدم وجود فترة تدريب في بداية هذا السلم من التصنيف وارى ان يكون هناك فترة تسمى (مهندس متدرب) لمدة سنة للمهندس الخريج.. مع اعطاء مستويات لكل صنف فيكون هناك مثلاً مهندس محترف (مستوى اول) ومهندس (محترف مستوى ثان) ومهندس استشاري (مستوى أول)، ومهندس استشاري (مستوى ثان) نظراً لطول الفترة التي يستغرقها كل صنف من هؤلاء.

رابعاً: إن التدريب هو شيء مهم بالنسبة للمهندس سواء خلال تعليمه في كلية أو خلال عمله.. وقد يقول البعض إن كليات الهندسة تعطي البكالوريوس بعد اكمال تدريب صيفي مدته 60 يوماً.. فأقول إن هذا التدريب هو تدريب صوري لا معنى له.. والجامعات تتبرأ من المهندس ولا تحدد له جهة يتدرب بها وتقول له اذهب وات لنا بهذا النموذج معبئاً بعد التدريب.. ويذهب إلى الشركات ولا أحد يلتفت له.. ويذهب إلى البلديات أو أي قطاع حكومي والكل مشغول لأن الموظفين في إجازة الصيف.. والموظف الموجود هو بالنيابة ويعمل عمل 3 موظفين مجازين ولا يمكن أن يلتفت إلى مهندس (متدرب) جاء يتسول إليه ليعطيه جزءاً من وقته ويلتفت إليه ولكن هيهات ان يجد من يتفرغ له أو يجيب على تساؤلاته إلا إذا كان له (واسطة) بل وحتى إذا كان له واسطة فإنه يتم تحذيره أولاً أن ليس (له مكافأة) وأننا لا نصرف مكافأة للمتدرب.. ولا أعرف حتى الآن سبب هذا الإهمال المريع للتدريب وهذا التجاهل التام له بل والبخل حتى بصرف مكافأة للمتدرب الذي ربما يعمل مع هذه الجهة أو تلك وينجز لها أعمالاً.. إنني أرى ما يلي:

أ- أن يتم وضع برامج محددة للتدريب من قبل الجهات الحكومية وتتم متابعتها من قبل كل قسم من أقسام كليات الهندسة.. كأن يكون التدريب في شركة أرامكو مثلاً.. ويتم انتداب عضو من أعضاء هيئة التدريس لمتابعة تدريب المهندسين في هذه الجهة.. أو شركة سابك - أو الشركة السعودية للكهرباء - أو في أحد الوزارات.. إذا كان طبيعة المهندس يمثل للإدارية كالمهندس المدني الذي يجب أن يلم بإدارة المشاريع ومخططات سير العقود الهندسية وأن يتم تفريغ أحد المهندسين لمتابعة تدريب مجموعة من المهندسين في كل صيف.. بدلاً من أن يوجه المهندس المتدرب إلى مهندسين لديهم أعمال وهم غير متفرغين لتدريب هذا المهندس أو ذاك.. ومن العجيب أن تكلفة صرف مكافأة للمهندسين المتدربين هي شيء تافه بمقارنة ميزانية الشركات أو الوزارات ولو فرضنا أن هناك 1000 مهندس يتم تدريبهم سنوياً في شركة أرامكو ويصرف مكافأة 2000 ريال شهرياً لهم وتدريبهم لمدة 60 يوماً (شهرين) فإن التكلفة الإجمالية لمكافآتهم هي (4,000,000 ريال) أربعة ملايين ريال سعودي فقط وهي بدلات للسكن وللتنقل وخصوصاً الذين يأتون من مناطق متفرقة من المملكة.. هل هذه تكلفة باهظة تستحق أن يكون هناك (صندوق للتدريب)..!! وهل تستحق ميزانية ضخمة.. ولكن أين من يعلق الجرس.. لقد آن الأوان أن تلتفت الجامعات للتدريب وتهتم به بدلاً من أن يتخرج المهندس ويفاجأ ببيئة غير (بيئته التي تعلم بها ففرق شاسع بين بيئة التعليم وبيئة العمل.

خامساً: بالنسبة للتدريب بعد التخرج وخصوصاً في القطاع الحكومي فإنه حسب التصنيف الجديد للمهندسين فإنني أرى أن يتم تخصيص سنة تسمى سنة (التهيئة للعمل) أو (مهندس متدرب مرحلة أولى).

بمعنى أن أي وزارة يعين فيها مهندس لا بد أن يخضع لسنة تدريبية تطبيقية ولنأخذ على سبيل المثال وزارة الشؤون البلدية والقروية. تعين فيها مهندسون في بلديات مناطق المملكة.. كمهندس عين في تبوك وآخر في بلدية نجران وآخر في بلدية عنيزة، كل هولاء بعد مباشرة أعمالهم بيوم واحد في هذه البلديات يوضع لهم برنامج تدريبي في أحد الشركات المتخصصة لمدة سنة واحدة كشركة أرامكو ويتسلمون رواتبهم وكأنهم يعملون في هذه البلديات.. ويمكن أن يكون ضمن هذه السنة تدريب في الوزارة نفسها على الأعمال الإدارية.. لا شك أن مثل هذا سيؤسس لنا مهندسين على مستوى عالٍ من الكفاءة بدلاً من أن يباشر الموظف المهندس عماله كأي موظف عادي وسط غبار من الروتين الممل الذي يقتل الإبداع والإنتاج حيث يكلف منذ أول يوم لتعيينه بأعمال لا يعرف عنها شيئاً بل بعيدة عن تخصصه وتقتل فيه الطموح والإبداع.

سادساً: لا أعرف لماذا حتى الآن لم يتم التفكير في بناء قاعدة هندسية متميزة من المهندسين.. وإن كان السبب في رأيي كثير من قابلته من الزملاء هو عدم وجود حوافز مادية للمهندس السعودي أي أن نظام الخدمة المدنية مجحف بحقهم فهو نظام اعد لجميع الموظفين وكان المهندسون وقتها يعدون في الاصابع أما الآن فهم لا يقلون عن 25 ألفاً في القطاع الحكومي والخاص والحكومي هو العام وهو القطاع المحبط بالنسبة لهم حتى إن بعض التخصصات الهندسية لا يجد خريجوها أي وظائف بعد تخرجهم واندماجهم في سوق العمل سواء في القطاع العام أو الخاص.. إن الحالة هذه هي بحاجة إلى علاج فوري سريع جداً بمبادرة من الهيئة السعودية للمهندسين ووزارة الخدمة المدنية وأتمنى ألا تكون وزارة الخدمة المدنية في موقع الدفاع عن نفسها وكأنها هي المتهمة، حيث إن وضع الحوافز الوظيفية يشترك بها عدد كبير من الجهات إن المساواة معدومة في حال المهندسين مع الفئات الأخرى (الأطباء، المعلمين، القضاة، العسكريين... إلخ)، حيث إن كل هذه الفئات هي فئات عزيزة علينا وتبذل جهداً كبيراً إلا أن المساواة معهم معدومة في حال المهندسين المزري والظلم المجحف بحقهم والذي جعل أكثر من 50٪ منهم يتجهون إلى مجالات غير تخصصاتهم مثل التعليم، حيث إن الجهد أقل والمميزات والحوافز أكثر.. إن الانفاق المالي لتحسين أوضاع المهندسين الوظيفية هو اقتصاد لخزينة الدولة والمال العام.. ولنضرب مثلاً على ذلك.. مهندس يشرف على مشروع مباني بمبلغ 100 مليون ريال ولكن لا يجد أي حوافز أو مميزات لإبداعه ومتابعته لهذا المشروع.. فتجده يهمل جودة المواد التي نفترض أنها تكلف 70 مليون ريال أخرى.. أما في حالة وجود حوافز تشجيعية للمهندس لإشرافه الدقيق على المشروع فإننا وفرنا على خزينة الدولة 70 مليون ريال أخرى بسبب وجود الدافع لدى المهندس لبذل الجهد والكشف عن الأخطاء.. وحتى زيادة معدلات رواتب المهندسين لن تكلف شيئاً باهظاً بالنسبة للمليارات التي تصرف على المشاريع سنوياً بل هي توفير وزيادة للمال العام بدلاً من هدره العشوائي بدون إشراف دقيق فنياً.

وحتى نثبت ذلك بالأرقام فلو افترضنا زيادة رواتب المهندسين في القطاع العام بحيث يزداد راتب كل مهندس تشجيعياً بمقدار 200 ريال وعدد المهندسين في القطاع العام 6000 مهندس.

ولو فرضنا أن كل مهندس سيوفر على خزينة الدولة مبلغ 2 مليون ريال إذا أشرف إشرافاً فنياً دقيقاً على مشاريعها في العام الواحد.

ربما أن عدد المهندسين في القطاع.. العام هو 6000 مهندس فإن المبلغ السنوي لذلك هو 144 مليون ريال وهي لا تشكل شيئاً بالنسبة للوفر العام لخزينة الدولة في حال وجود مهندسين لديهم دافع مادي ونفسي لتوفير المال العام وذلك بالإشراف الدقيق وحتى بالتحليل الفني الدقيق للمشاريع ومحاولة الوصول إلى تكاليف السوق الحقيقية بتسعير المواد والشتغيل وغيرها والتي غالباً لا تخضع لأسعار معروفة لدى الجميع ولو فرضنا أن المشاريع السنوية هي بمبلغ 50 مليار ريال فإننا سنضع الجدول التالي للمقارنة بين الانفاق المالي على المهندسين والوفر العام الذي يمكن توفيره نسبة لهذه المشاريع إذا تمت زيادة الانفاق المالي على المهندسين لتحسين أوضاعهم وحفزهم على توفير المال العام.

ومن هذا يتضح أن زيادة رواتب المهندسين نسبة إلى المشاريع الذين يشرفون عليها وهي (50 مليار ريال على الأقل سنوياً) هي 0,3٪ وهي شيء تافه بالنسبة إلى الوفر العام الذي سيمكن توفيره في حالة وجود حوافز مادية مشجعة على الإشراف الفني (24٪) ومن هنا فإنني أناشد وزارة المالية إلى تحسين أوضاع المهندسين توفيراً للمال العام لخزينة الدولة، واعتقد أن هذا تحليل يقبله العقل وستقبله وزارة الخدمة المدنية ووزارة المالية.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة