الرئيسية > مقالات اليوم

تحديات ما بعد الإرهاب


محمد بن علي المحمود

بداية الانحسار الإرهابي - كتنظيم مسلح - لايشك فيها من يتأمل الظاهرة الإرهابية، ويرصد تحولاتها على المستوى المحلي.. إنه انحسار الهزيمة، التي تكشف عن نفسها في طبيعة المواجهات وتحولاتها في بعديها: النوعي والكمي.. مما يعني - تبعاً لذلك - أنها هزيمة نوعية وكمية، مني بها الإرهاب - كظاهرة مسلحة - ولن يستطيع الإفاقة منها في المستقبل القريب.

ليس من الصعب أن تنتصر في أية معركة مسلحة، مهما كانت درجة تعقيدها وتشعبها.. إذ هي في النهاية معركة مع موجود متعين، تستطيع رسم ملامحه، ورصد حراكه، وتحديد طبيعة المواجهة معه.. لكن من الصعب عليك أن تحتفظ بهذا النصر المسلح مستقبلاً، لأن المواجهة - في هذه الحال - لن تكون مع موجود متعين في الواقع المادي، وإنما مع مخوف متوقع، لا تدري على أية صورة سوف يتشكل.

الوقوف ضد انبعاث الظاهرة الإرهابية من جديد - أياً كان تمظهرها - هو التحدي الذي يجب أن يكون موجهاً للمجتمع بكافة أطيافه، من حيث هي ظاهرة تطال الجميع، أحسوا بذلك أم لم يحسوا.. الإرهاب قبل أن يكون ظاهرة مسلحة كان ظاهرة اجتماعية تسعى - على نحو ما - لتأطير الحراك الاجتماعي وفق رؤاها الخاصة. وهذا هو ما يسعى بعض مدعي الأسلمة - صراحة - لممارسته الآن.. كان الإرهاب موجوداً في مجتمعنا على صورة ما، قبل أن ينبعث عنفاً مسلحاً في وجود مادي صارخ.

ومما يزيد في خطورة الظاهرة الإرهابية، واحتمال أن تعود إلينا في دورة جديدة أشد عنفاً وأبعد خطورة، أن الفكر الذي انتجها لا زال ينتظم شريحة من المجتمع، شريحة أعلن جزء كبير منها رفضه للإرهاب المسلح، لكنه لم يعلن - بوضوح - موقفه من الأسس الفكرية التي ينطلق منها الإرهاب.

التحديات التي سنكون أمامها - وجهاً لوجه - في المستقبل القريب تستوجب أن نكون في موقف المبادرة تجاه حدث متوقع، في موقف الهجوم الاستباقي، لا في موقف الدفاع الذي ينتظر الفعل ليحدد رد الفعل.. وفي ظني أن هذه التحديات المستقبلية تنقسم - من حيث طبيعة العمل المضاد لها - إلى قسمين:

الأول: التحديات الأمنية في الميدان. وهذا النوع من التحديات ينبع من حيث كون الاستنفار الأمني الموجود - حالياً - لا يمكن أن يستمر وقتاً طويلاً، لا يمكن أن يكون هو النمط السائد، لأن هذه الدرجة من الاستنفار مكلفة مادياً ومعنوياً.. وهذه التكلفة لا تطال المؤسسات الأمنية فحسب، وإنما تطال المجتمع المدني أيضاً، لكون هذه المؤسسات إحدى تمظهراته من جهة، ولكون هذا المجتمع موضوعاً للممارسة الأمنية من جهة أخرى.

هذا يعني أن (فاتورة) التضحيات - في حال استمرارية حالة الاستنفار - سترتفع من كلا الطرفين: المؤسسة الأمنية، والمجتمع.. وهي (فاتورة) باهظة، يصعب دفعها لمجرد أننا نعاني (حالة تطرف)، حالة تطرف مفروضة علينا من قبل المد الأصولي الذي يستشري في العالم الإسلامي - وربما الغربي - ويحاول فرض خياراته علينا.. إنه يحاول فرض خياراته علينا، ولو من حيث طبيعة التضحيات المضادة، التي قد تكون أكبر من حجمه كوجود مادي، أو أن هناك خيارات أخرى أقل ضرراً وأكثر جدوى، لكن قد نحمل على غيرها، جراء تقاعسنا عن مقاربة الأسس الفكرية لهذا الخطاب المتطرف.

الثاني: التحديات الثقافية.. وهي - في ظني - التحديات الحقيقية التي ستحدد، كخيار مصيري: المستقبل لمن؟. إن النجاح في هذه التحديات الثقافية هو الأكثر جدوى على المدى البعيد، لكون الإرهاب ظاهرة ثقافية/ فكرية بالدرجة الأولى، ولكون الجواب الأمني المباشر له - فيما لو طرح كخيار وحيد - أضراره وتداعياته التي يصعب التحكم بها.

وبما أن الإرهاب - كظاهرة - لا يتكئ على مقولات الثقافي العام، وإنما هو ثقافي (ديني) على وجه التحديد، فإن مقاربة الشأن الديني - كخطاب له تمظهراته الكثيرة المتنوعة - هو مناط التحديات الثقافية التي من المفترض أن نواجهها بشجاعة، لكون الإرهاب يتوسل - ولو خطأ - الخطاب الديني، دون سواه من أنواع الثقافي، ومن ثم فالخطاب الديني معني بالإرهاب، مهما كانت درجة براءته منه فكراً وممارسة.

لكن مقاربة الشأن الديني - أقصد المقاربة الحقيقية التي تلامس مفاصل الإشكال الديني في علاقته مع الواقعي صراحة - ليست من السهولة بالدرجة التي تغري الفاعل الثقافي بخوض غمارها.. إنها - كانت ولا تزال - الفاعلية المعرفية الأكثر خطورة، بل هي الممارسة التي قد تؤدي - بما هي تفكيك لبنى التطرف والتعصب الديني ذي الركائز الاجتماعية الراسخة - إلى أن يعود المثقف بعدها وليس من شيء في يديه - بعد رحلة العناء - إلا ما يجود به عليه سدنة التقليد والجمود من صكوك الحرمان الديني.

الخطوة المعرفية الأولى لابد أن تكون في اتجاه الخطاب الديني، كخطاب متموضع اجتماعياً، وكخطاب يؤسس له - تنظيراً - في مؤسسات الديني، هذه الخطوة لا أظن أحداً يجهل أولويتها، ولا كونها نقطة ارتكاز للحلول النوعية المرتجاة.. لكن قليل من يصرح بذلك، وأقل منه من يمتلك الجرأة على مقاربة مفردة من هنا أو مفردة من هناك.. إنه - هنا - الخوف من مواجهة خطاب الخوف.. هو - هنا - الإرهاب، أو الوجه الآخر للإرهاب المباشر.. ومن هنا تأتي خطورة المقاربة، وهي خطورة قد لا تكون مادية بقدر ما تكون معنوية، لكنها - وإن كانت معنوية - أشد عنفاً وشراسة!..

استعداء الاجتماعي، والرسمي أحياناً، هو الرد الذي تقوم به تيارات التقليد والتطرف في التصدي لكل مقاربة معرفية فاحصة لمنظومتها الثقافية، تحاول أن تضع يدها على مواطن الإشكال في الخطاب الديني السائد.. لا رد علمياً ولا شبه علمي، خاصة عندما تكون المقاربة صريحة ومتماسكة منطقياً، بحيث لا يجدي معها النقض (الخطابي) بمفردات من داخل الخطاب نفسه، وإنما تحتاج لمنهجية علمية ذات اتساق منطقي في الاستدلال.. وهذا ما تفتقر إليه تيارات التقليد غاية الافتقار، وتحاول مواجهة هذا الفقر الفاضح بممارسات بعيدة عن ميادين المواجهة العلمية التي يفترض فيها أن تكون منزهة عن توظيف اللاعلمي (الاستعداءات الاجتماعية والرسمية) في العلمي.

إن تجديد الخطاب الديني في مثل هذا السياق يصبح في مفترق طرق، فهو إما أن يفهم التجديد ويمارسه بوصفه تحولاً في الوسائل، لا في المفاهيم المحورية، الحاكمة للحراك المتدني، وإما أن يمارس دوره الخلاق، الذي يفكك فيه البنى الراسخة، ويعيد تركيبها على نحو أقرب إلى المعاصرة، وأكثر اتساقاً مع المقاصد العليا للدين.. وفي هذه الحال لن يقف الخطاب التقليدي موقف المتفرج من خطاب مضاد له ولمصالحه الحيوية، خطاب يفرّغه من بعده الاجتماعي الذي يراه حقاً مكتسباً له، بل إن المعركة معه ستكون حتمية في مثل هذه الحال، وستظهر على أكثر من صعيد، لأنها في النهاية تحاول تجريده من هيمنته المادية والمعنوية التي يمارسها بمستويات متعددة في الواقع الاجتماعي.

إذن، تجديد الخطاب الديني إن فُرّغ من محتواه (التجديد) سيكون محل ترحيب من قوى المحافظة والتقليد، وإن مارس مقتضى محتواه (التجديد) فلن يُقبل به من قبل تلك القوى، القادرة بتحالفاتها - غير المنظورة - على إجهاض كثير من المحاولات الفاحصة، خاصة المحاولات التي تحمل - لسبب أو لآخر - القابلية الذاتية للاستسلام الصريح أو للتراجع الخجول.

كل هذا يعني أن التشريع لحرية الكلمة، من حيث هي ممارسة ثقافية مسؤولة، شرط أولي لأية فاعلية ثقافية دينية، تأخذ على عاتقها الدخول مع الخطاب الديني في اشتباك معرفي، يتغيا التجديد في الديني على نحو صريح. لا يمكن أن يمارس الفاعل الثقافي دوره المنوط به على نحو مجد؛ ما لم يكن هناك ضمان أمني - وهو نسبي على أية حال - يكفل لهذا الفاعل الثقافي الحد الأدنى من الاطمئنان المادي والنفسي؛ ليقف من الآخرين - القلاع التقليدية - موقف الأنداد، لا موقف المتخفي خلف تموجات اللغة المذعورة!.

نستطيع مناقشة أكثر من قضية محورية في خطابنا الديني؛ عند ما تتوفر مثل هذه البيئة الفكري الصحيحة، التي لابد أن تنطلق من مقدمة أولى ضرورية، وهي أن الدين للجميع، وليس لأحد أن يحتكره لنفسه أو لجماعته أو لتياره؛ فيمنح الآخرين تزكيته، أو يحرم الآخرين حق الانتساب إليه، لمجرد الاختلاف في فهم هذا الأمر - من الدين - أو ذاك.

عندما نستطيع الظفر بمثل هذه البيئة التي ترضى بالحوار العلني حول قضايا الدين ومؤسساته الرسمية وغير الرسمية؛ نستطيع أن نستعرض المقررات الشرعية بتفاصيلها، ونناقش الدلالات الصريحة والمضمرة، والتحولات ذات الطابع الاحتمالي التي قد تقود إليها مستويات معينة من الإيحاء المقصود أو الغير مقصود في المقرر الشرعي الذي بني على تصورات سلفية موغلة في تقليديتها وإقصائها.

ليس هذا الاستعراض والفحص الذي نطمح إليه محصوراً في مقررات التعليم العام، بل - وهذا أهم - كليات الشريعة وأصول الدين وأقسام العقائد والمذاهب في الجامعات والكليات، ما يخص الرجال والنساء على حد سواء.

طبعا، ليس المطلوب رصد الدعاية للعنف عند هذا أو ذاك، وإنما المراد أبعد من ذلك بكثير، وذلك بمناقشة المرتكزات التي ينهض عليها الخطاب الديني داخل هذه الدوائر المنوط بها إنتاج خطابنا الديني، من حيث موقفها الجوهري من الآخر المحلي والخارجي، ومن حيث تصوراتها للعلاقة مع المعاصرة، كصيرورة زمنية لها معطياتها المتعينة ماديا، والمنتجة - بالضرورة - لتحديات تمس الأمة في مستقبلها، وللخطاب الديني الراهن موقف منها، وإن لم يعلن.

وكما هو الحال في الكليات الشرعية وأقسامها من حيث هي محصنة ضد المقاربة النقدية الفاحصة، كذلك دوائر الافتاء بمستوياتها المتعددة، ومنابرها الرسمية وشبه الرسمية، فضلاً عن خطبة الجمعة التي لا تزال تدار بآلية تقليدية، بحيث نراها تخضع لتصورات الخطيب المحدودة في الغالب. وهي - لا أدري لماذا - متروكة للخطيب؛ مهما كان مستوى وعيه، وأيا كان مصدره الثقافي الذي يستمد منه رؤيته الدينية.

ومن التحديات التي تتقاطع مع الهم الديني - على نحو ما - تحديات النهضة المأمولة، التي في حال النجاح فيها ستفقد الطرح الإسلاموي المؤدلج جزءاً كبيراً من حضوره المفتعل، كخطاب نهضوي. كما أنها من جهة أخرى ستفتح متنفسات حضارية للاحتقان الذي تسببه اشكاليات التخلف الإسلامي، ويظهر هذا الاحتقان على صورة أزمات حادة، أزمات تدعو الآخر إلى الاشتباك معها. وهذا يؤدي - بالضرورة - إلى الاشتباك - أو على الأقل - محاولة الاشتباك مع هذا الآخر الذي ينفعل بالحدث على نحو ما، ويسعى لتوجيهه لصالحه، كما يقضي بذلك منطق القوة.

المستقبل القريب - بالنسبة لنا - مليء بالأحداث القومية والإسلامية. فعلى مقربة منا هناك العراق وإفرازاته التي قاد الإسلاموي أفغنتها، وهناك احتمال أن تنفجر الأحداث في الأراضي الفلسطينية على نحو يصعب التكهن به، وهو انفجار لن يقف عند الحدود الفلسطينية، مما يعني أن الحوادث المستفزة للوعي المتأسلم ليست بمنأى عنا، بل هي قريبة جداً منا، قريبة مكاناً وزماناً. ولهذا، فبقاء القابلية للإرهاب يعني أن عودة الإرهاب لا تحتاج إلى أكثر من حدث بارز، له تداعيات الـ (غير محكومة) في نطاق العالم العربي والإسلامي. وهذا يدعو إلى ضرورة نزع الفتيل من أساسه، مهما كان الثمن.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    مقال مميز ورصين وباقة تقدير لصاحبه واوفقه الرأي بأهمية التثقيف الديني حول هذه القضية واضيف لابد من طلب العلم من مضانه من العلماء الاجلاء المعروفين بحسن توجههم وسلامة معتقدهم لان معظم الشباب لم يؤثر عليهم الا من هذا الجانب وهو جانب الجهل بالدين اضافة لعاطفة والحماسة الغير منضبطة كذلك مسائل التعميم والتي تحتمل اكثر من معنى وعدم تمحيص المسائل وتجليتها ليكون شباب الوطن على علم ودراية بواقعهم وما يحاك لهم من مخططات ابليسية لصرفهم عن كمنهم مواطنين صالحين الى مجرمين وعابثين وفي احيان عديدة باسم خدمة الدين ! مما يضفي على المزاعم الشيطانية سراب من الاوهام لاحقيقة له .

    _____________________

    خالد ابراهيم الشمسان - زائر

    06:48 صباحاً 2005/04/14


  • 2
    انا احد المتابعين والمعجبين بمقالات الاستاذ محمد المحمود ... اوافقه الرأي في طرحه هذا... وما اود التعليق عليه هو اهمية عدم ترك الساحة لمزاودة البعض وكانهم حماة الدين وان الامر مناط بهم وحدهم في الذود عن الاسلام والدين .. يكفي اننا اصبحنا مستهدفين في عالمنا الاسلامي ... حتى المثقف لدينا اصبح يخشى أو يخاف من ابراز وجهة نظره ان كانت مغايرة خوفا من ارهاب عؤلاء المزاودين في الدين عن غير وعي سليم بالدين والذين لايتورعون عن نعته بابشع الصفات والتي قد تصل للتكفير .. كلنا مسلمون وغيورون على الدين والاختلاف وان كان في الدين يجب ان يجد رحابة في الصدر من الجهاز الديني.

    عبد الله ابراهيم السلامة - زائر

    08:16 صباحاً 2005/04/14



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة