الرئيسية > مقالات اليوم

الغرب يقلب القانون الحضاري


يوسف أبا الخيل

يرى ابن خلدون أن للحضارة عمراً محدداً تنتهي بنهايته، فهو يقول إن العمران البشري من بداوة وحضارة وملك وسُوقة (عامة الرعية) له عمر محدد حين يبلغه فلابد أن يقضي نحبه، ويقيس ابن خلدون هذا المآل الحضاري الذي توصل إليه بالقياس على عمر الإنسان نفسه الذي له بداية ونهاية، إذ أنه - أي الإنسان - يبلغ أشُدَّه في عمر الأربعين وهذه المرحلة العمرية تعتبر غاية للإنسان من حيث قواه ونموها وتحملها، ومن ثم بعد أن يأخذ العمر في السير بعد الأربعين تتوقف - كما يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة - الطبيعة عن أثر النشوء والنمو برهة، بمعنى أن الإنسان يكون لحظتها في حالة تعادل لقواه فلا زيادة ولا نقصان ثم تأخذ قواه بعد ذلك في الانحطاط بفعل انحسارالعمر عن منطقة القوة النهائية التي يبلغ فيها الإنسان أعلى ما يمكن لقواه من الشدة والنمو.

والحضارة من وجهة نظر ابن خلدون تسير بهذا الشكل فهي تشكل غاية العمران البشري وغاية البداوة أيضاً المنكفئة بطبيعتها - أعني البداوة - على غلظتها وفظاظتها وخشونة طبائع أهلها وبعدهم كما يقول ابن خلدون عن الترف والنعيم، ومتى وصلت البداوة إلى غايتها بوصولها الى الحضارة في العمران فقد وصلت إلى سن التوقف عن إفراز القوة والمنعة شأنها شأن الإنسان عندما يصل إلى سن الأربعين، ويعلل ابن خلدون أسباب دخول الحضارة البشرية المرحلة الخريفية من عمرها لحظة تحققها في العمران بأن الحضارة بطبيعتها تجلب الترف والنعيم لأهل العمران مما يدعوهم الى التخلق بخلق تلك الحضارة والتي حددها بأنها التفنن في الترف واستجادة أحواله والتكلف بالصنائع التي تيسّر الحضارة السبل لأصنافها وسائر فنونها، ويمثل ابن خلدون لتلك الصنائع بتلك المهيأة للمطابخ والملابس والمباني والفرش والآنية وسائر أحوال المنزل، ومن ثم فإذا بلغ التأنق في كل واحدة من هذه الصنائع الغاية منها تبعه بالضرورة - وفق نظرية ابن خلدون - طاعة الشهوات فتتلون النفس من تلك العوائد بألوان كثيرة بما لا يستقيم معها حالها لا في دنياها ولا في دينها، أما دينها فلاستحكام صبغة عوائد الترف التي يصعب نزعها، وأما دنياها فلكثرة الحاجات والمؤونات التي تلح عليها تلك العوائد تبعاً للرفاهية الجديدة التي تسببت بها الحضارة ويعجز من ثم الكسب عن الوفاء بها لتنوعها وكثرتها.

هذه النتيجة التي توصل إليها ابن خلدون لمصائر الحضارات تنبع من النظرة القديمة للحضارات التي تنظر إليها باعتبارها سائرة في خطوط دوران أفقية لا تتعداها بحيث تتكون من مرحلة البداية (وهي مرحلة البداوة كما وصفها إبن خلدون) ومرحلة الوسط أو مركز القوة التي تبلغ فيها البداوة غايتها ببلوغ الحضارة ثم مرحلة النهاية بوصولها لنهاية عمرها المحدد التي تصل اليه بطبيعة الحال بعد أن تبلغ الحضارة أشدها، وعندما تأتي حضارة أخرى بعدها أو امبراطورية أو خلافة فإنها ستسير على نفس القانون بداية ثم شدة ثم ذبول وانتهاء بحيث لا تبدأ من حيث انتهت السابقة.

هذا القانون الذي تحدث عنه ابن خلدون وكان سائراً بالفعل في زمنه أبطلته الحضارة الغربية المعاصرة بقلبها القانون الحضاري المعتمد على الدوران في فلك دائري الى قانون حضاري يسير بشكل رأسي مستقيم له بداية لكن ليس له نهاية وفق الشكل الذي حدده ابن خلدون، قد يحدث بعض الذبول أو الانحسار للحضارة ولكنها بما استحدثته من آليات منهجية للمراجعة فإنها لا تلبث أن تعود بقوة مرة أخرى عندما تتجاوز أسباب التردي بقدرتها على إشاعة النقد في مفاصلها الذي يكون له الدور الأكبر في الكشف عن مواضع تلك الأزمات التي قد تعصف بالحضارة، وأدت بالتالي آلية النقد والمراجعة هذه في الأنظمة الحضارية المفتوحة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية الى قلب المفهوم الذي تكلم عنه ابن خلدون باعتباره أساس الانهيار الحضاري من زيادة الصنائع وارتفاع المعيشة والترف، إذ أصبحت هذه العوائد أساس الحضارات القوية ومنبع عزتها ومنعتها وقوتها وأصبح المفهوم أن الحضارة كلما توسعت في عوائد الصناعات - على لغة ابن خلدون - كلما أمعنت في تحصيل أسباب القوة والسيادة وأرست أساساً مكيناً لاستمرارها وتقدمها، وهذا الانقلاب المفهومي المدعوم بالتطبيق العملي يعتبر الميزة الكبرى التي تأسست عليها الحضارة الغربية المعاصرة بقدرتها على إيجاد تلازم مساري بين تحصيل أسباب الصنائع والترف ورغد العيش والاستمرار الحضاري وأصبحت الحياة أكثر قدرة على إشاعة الأمل والتفاؤل إذ أن القانون الدائري الذي يتحدث عنه ابن خلدون كان يبدو وكأنه محبط لأية جهود إنسانية لتحسين ظروف الحياة والتقدم الحضاري فالقانون بمراحله الثلاث سائر لا محالة وقَدَر الإنسان أن يعيش متنقلاً بين محطاته الثلاث فلا يأمل في أي تقدم مستمر بلا عودة إلى الوراء، إلا أن الثورة الحضارية الغربية التي اعتمدت الإنسان كمحور للحياة والحضارة استطاعت أن تقدم هذا الأمل للإنسان باختراعها نموذجا حضاريا ذا مسار مستقيم مستمر كل محطة فيه أفضل من التي قبلها ويمتلك الآلية القادرة على فحص ومراجعة أي خلل يعتري أياً من محطاته لإصلاحه ومن ثم تهيئة الأرضية للقطار الحضاري للسير في قضبانه الأمامية التقدمية بلا عودة الى الوراء وأبطلت بالتالي أشهر مثل أو حكمة عربية ظلت متداولة على بساط العرب طوال أيامهم وتاريخهم وهي أن الأول لم يترك للآخر شيئا أو أن كل زمان يأتي سيكون بالضرورة أسوأ من الذي قبله، والذي أصبح بفعل النموذج الحضاري الغربي أن كل زمن يأتي يكون احسن حالا مما كان قبله والشواهد الحضارية وتسهيلات الحياة خير شاهد على ذلك.

abalkheil@alriyadh.com

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة