كانت أمريكا بلداً فخوراً ومصدراً للأحلام، حاملاً لرسائل ثقافية وحضارية على مستوى العالم والبشر في كل مكان، أرضاً للميعاد على رحابة متسعة لاحتضان التجربة الفريدة الواعدة بانجاز الطموح الأزلي في بشرية واحدة، منيعة وهانئة تلاحق وثباتها الصاعدة عيون ملايين من الناس في إعجاب عميق.
كانت على درجة هائلة من الحيوية والتدفق جعلتها في نهاية الحرب العالمية الثانية جديرة باختزال العالم الأوروبي، وعندما تصدت للنازية وأوقعت الهزيمة بها هبت لانتشال أوروبا من تحت أنقاض الحرب عبر مشروع ماريشال العظيم، ظهرت مبشرة بقيادة العالم نحو عهد من الحرية والمساواة والرفاه.
ظلت أمريكا على امتداد العقود الأولى التي أعقبت الحرب منتشية وبدت مفعمة بروح الخير، أسطورية في مواردها الطبيعية والصناعية، ولكن أجراس الخطر ما لبث أن تعالى عويلها أمام الاستهلاك المدفوع بحمى الإنتاجية والتراكم، تمخض ذلك عن تهديد مواردها الطبيعية بالتضاؤل وأفضى بعد عقود قليلة من السنين إلى وضع بعضها على حافة النضوب وتحويلها من ممول للعالم بالسلع والأموال والخبرات إلى متمول شره يلتهم فائض العالم الإنتاجي، ومقترض لا يمتلئ، يمتلك بريقاً استثمارياً وأنماطاً معيشية مشوقة قادرة على اجتذاب شرائح الموسرين والشبان العولميين في أنحاء العالم.
المحطة الفاصلة في بروز بوادر الوهن على جسد الاقتصاد الأمريكي العملاق، تمثلت في تعاظم حاجته إلى استيراد النفط، الذي تخطى دائرته التقليدية كمصدر أولي للطاقة إلى كونه منظومة من الخامات واللقائم المستخدمة على نطاق يكاد ينسحب على مجمل النشاط الإنتاجي المعاصر، الصناعي والزراعي على حد سواء.
الحقيقة أن الخلل لم يكن في واقع الحاجة إلى استيراد كميات متزايدة من النفط، ولكنه كان كامناً في ما يؤشر إليه، من أن الولايات المتحدة الأمريكية قد فقدت خيارها الأكبر والأكثر تداولاً في أوساطها القيادية منذ استقلالها، أن تدير ظهرها للعالم القديم وتحشد امكانياتها وطاقاتها الهائلة لإشادة عالمها الجديد، فردوساً أرضياً للسعادة والحرية، تاركة للعالم القديم على أن يغرق في وحوله وحروبه.
فرض النفط سطوته على مساحة تصنيع الرفاه وتوليد الأحلام ووضع الوعد الأمريكي أمام خيار صعب، حيث لم يكن لهذا الوعد أن يئد تهويمات الحلم في فجره، ولم يكن له أن يقمع تنامي الرخاء الاستهلاكي في مهده.
ثمة استنتاجات وتأشيرات عند هذا المفترق تدور حول بنية الاقتصاد الرأسمالي التراكمي المرتبط بفكرة التقدم بصورة اجمالية، والتحولات الطارئة على هيكلية الاقتصاد الأمريكي بوجه خاص، وتتصل بالخطاب الأيديولوجي الغربي ونسخته الأنجلوسكسونية ودعامتها الفلسفية في الذرائعية.
هذه المؤشرات والارهاصات شكلت بؤرة لاستقطاب المفكرين الاستراتيجيين، اكتسبت جاذبية متزايدة مع الإيقاع المتسارع لنمو المستوردات الأمريكية من السلع المصنعة وأصناف الاستهلاك وتعاظم خسارة الميزان التجاري الأمريكي والعجز الحكومي.
والواقع أن التحذيرات أصبحت تتعالى من كل أنحاء العالم، وتكتسب زخماً في أوساط العمل والمال وبين السياسيين والمثقفين، الذين نظروا إلى انحدار الدولار على أنه محاولة للابتزاز، وطالبوا بإجراء تعديلات هيكلية على بنية الاقتصاد الأمريكي، الذي تحول في رأيهم من اقتصاد منتج للسلع والبضائع والخدمات، إلى اقتصاد مقتصر على إنتاج الخدمات فحسب، أي اقتصاد مفرط الرفاهية، ولكن على حساب ممولين من الخارج، تصب أموالهم على المصارف الأمريكية وسندات الخزينة بمعدل ثلاثة ملايين دولار في الدقيقة الواحدة، ولقد ضمت الأمم المتحدة صوتها إلى جانب المحذرين وطالبت الإدارة الأمريكية بتخفيض الانفاق الحكومي ودعم المدخرات، حيث يتعلق ذلك بالحد من الرفاه الاستهلاكي من جهة ومراجعة تكاليف التدخلات العسكرية التي بلغت مائة مليون دولار في السنة المالية الحالية، وكلا المطلبين يستدعي موقفاً بطولياً خارقاً وقراءة شجاعة وجديدة للأصول الفكرية والاستراتيجية للخطاب الأمريكي في المرحلة الحالية، وتقبل التضحيات لاجتياز مرحلة قد تكون مفعمة بالمرارة والتنازل عن قناعات ذهنية وسلوكيات معيشية تم تكريس مفاهيمها واستبطانها من قمة الهرم الاجتماعي حتى قاعدته.
إن الموضوع يدخل حلبة شد الحبال بين أمريكا و(الخارج)، أسطورة المال والاستثمار الأشهر وارن بافت يرفع عقيرته منذراً بأن يصبح الأمريكيون مزارعين يفلحون أرضاً يملكها الأجانب، ويعرف السيد بافت أن الأسباب الكامنة وراء ذلك هي توسع الإنفاق الأهلي والحكومي وتقلص نسبة الإنتاج الصناعي ولكنه لا يتعرض لذلك ولا يشير من بعيد أو قريب للمرجعيات المؤسسة لإدارة الاقتصاد والسياسة.
في مقابل ذلك فإن (الخارج) يزعم بأن أمريكا تبتز العالم وتهدد مستقبله الاقتصادي في محاولاتها الفاشلة لتغطية عجزها المزدوج، على جبهتي الدولار والبورصة، الدولار يواصل هبوطه في أسواق الصرف والبورصة لا تفتأ أن ترتعش في نوبات مفاجئة وتهوي منحدرة بأموال المستثمرين الأجانب.
حلبة التجاذب المائجة بأبواق التراشق لن تجدي نفعاً في مواجهة المعضل الأمريكي/ العالمي، لأن العالم بدوره لا يستطيع أن يواجه أمريكا بكتف الاستهزاء أو اللامبالاة، تماماً كما فقدت أمريكا قدرتها في أن تفعل ذلك، وربما يكون قطب الاستثمار وثاني أثرى أثرياء العالم حسب تصنيفات راصدي مراتب الثراء السيد بافت، محقاً في قوله إن الأجانب سيتملكون أصولاً أمريكية بقيمة أحد عشر ترليوناً من دولارات ستدر عليهم أرباحاً تزيد على نصف ترليون في العام، إلا أنه أغفل بأن حصة هامة من الأموال التي يديرها هي لمستثمرين أجانب تدر عليه أرباحاً تحتسب للاقتصاد الأمريكي، ولقد تنكر (عامداً أو مضللاً باحساسه الوطني) لأيقونتي المعادلة العولمية، انتفاء الحدود وحرية التنافس، عندما تصور فيهما تجاوزاً للمصالح المباشرة للبلاد.
السيد بافت لم يكن رائداً في اكتشافاته ولم يفعل سوى الانضمام إلى فريق متزايد من الخبراء والاقتصاديين الأمريكيين المحبطين تجاه أداء بلادهم الاقتصادي وتنامي حصة القطاع الخدمي والعقاري في مجمل الإنتاجية القومية على حساب تراجع القطاع الصناعي.
لقد راقبوا بتوجس الضغوط المتكاثفة على الخزينة لتمويل التوسع في نشر القوات العسكرية في مناطق السيطرة السوفياتية السابقة والحرب على الإرهاب، وكان مستشار البيت الأبيض الاقتصادي لاري لندسي قد فقد منصبه عندما تنبأ محذراً بأن تكاليف الحرب على الإرهاب قد تتجاوز مئتي بليون دولار، أما الآن فهي قد تجاوزت الثلاثمائة.
إن حلبة التجاذب الكلامي هذه تحفزها بقوة التناقضات الحادة في مواقف الإدارة الاقتصادية والسياسية لأقوى قوى الأرض، ولا يكاد يفهم أحد المنطق الكامن وراء اللامبالاة إزاء اتجاهات الاقتصاد والتغيرات الهيكلية السالبة في بنيته، في وقت يجري فيه استنزاف الموارد لدعم التوسع العسكري، وإذكاء حالة من الترويع والهلع تشكل العالم دون أن يكون هذا العالم المعني مدعواً للمشاركة في فهم دلالات هذا الهلع ومنابته تمهيداً لعزله واجتثاثه، حتى لا يطيح اضطراب المفاهيم وميعان حدودها عقلانية الإجراء، وتصبح عدالة ومشروعية الحرب ضد الإرهاب الغاشم عرضة للبس أو التحريف.
كان قلب العالم قد قفز ألماً مع نيويورك المفجوعة في ذلك اليوم الأسود، نيويورك هي قلبه الأممي والاقتصادي، ولكنه تفجع أيضاً لضحاياها الأبرياء ودخل معها ليل الهلع ليستيقظ على قرار جماعي، أن لا مكان للإرهاب أبداً، ولكن مطاردة الوحش الإرهابي المنفلت لم تبق في يد العالم المتوجع هنا وهناك بضرباته المجنونة، لم يسمح لهذا العالم الذي يدفع أثماناً متعادلة أمام الانبثاق المفاجئ لقضية جسيمة الخطورة تهدد البشر أينما كانوا أن يتجمع على مستوى من الندية والتكافؤ لمحاصرة هذا الخطر، فلقد تقدمت أمريكا الصفوف وأصبح العالم قضيتها، أما العالم فقد اكتشف بأن أمريكا نفسها هي قضية.