الرئيسية > مقالات اليوم

نقد العقل الخالص عند الفيلسوف الألماني كانط


يوسف أبا الخيل

كما رأينا في الجزء الأول من المقال، فقد مهد كل من الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (1632 - 1704) ومواطناه، ديفيد هيوم (1711 - 1776)، وجورج باركلي (1685 - 1753) الطريق إلى اختبار العقل الذي كرس التنويريون الآخرون مثل فولتير وسبينوزا وفرانسيس بيكون وكوندورسي الثقة المطلقة بإمكانياته إلى الحد الذي جعل كوندورسي يكتب من سجنه كتابه التاريخي التصويري عن تقدم النفس الإنسانية والذي أوضح فيه ثقة القرن الثامن عشر المطلقة بهذا العقل، ولذا، وكنتيجة لتلك المغالاة في تمجيد العقل فقد صنع له سكان باريس - مهد الثورة العقلية لعصرالتنوير - مجسماً هو عبارة عن امرأة حسناء من أجمل نساء باريس.

تتجلى مساهمة لوك في التحضير لفلسفة كانط بشأن محاكمة العقل بما أعلنه في مقالته عن العقل البشري عام (1689) من أن جميع أنواع المعارف والمعلومات والخبرات تأتينا عن طريق الحواس فقط التي تقوم بتجميع تلك المعلومات مما تواجهه في خضم الحياة، والعقل ليس أكثر من لوحة تكون بيضاء لحظة ولادة الإنسان وتأتي التجارب والخبرات بواسطة الحواس الإنسانية المختلفة لتكتب على هذه الصفحة البيضاء ما تحصل عليه من معارف حتى تتمكن هذه الحواس من ولادة الذاكرة وهذه الأخيرة تلد الآراء والتوجهات الخاصة بكل إنسان.

هذه الفلسفة الجديدة للوك كان قد وضعها في الأساس لمقابلة الثورة العقلية التي قامت على تقديس العقل في كل شيء، ولكنها وصلت هي الأخيرة إلى نتيجة مرعبة ومفزعة بما ليس بأقل مما أحدثته تلك الثورة التقديسية للعقل بواسطة التنويريين الآخرين، وهي أنه باعتبار ألا شيء يؤثرعلى الحواس لتكتسب المعارف سوى المادة فقط أو ظواهر الأشياء التي هي عبارة عن قوالب مادية محسوسة، فبالتالي نحن لا نعرف شيئاً سوى هذه المادة، وتكون المادة بالضرورة هي التي يستمد منها العقل كل أفكاره وآرائه، وهو ما أدى إلى تأييد وتدشين الفلسفة المادية التي لا ترى في الوجود شيئاً يمكن الركون إليه واستقاء المعلومات منه بل وحتى إمكانية البرهنة عليه سوى المادة.

من جانبه فقد جاء جورج باركلي ليختلف مع لوك بقوله إنه طالما أن الحواس هي واسطة نقل المعارف للعقل من خلال المادة، فإن معرفتنا بالشيء نفسه أو المادة التي تقع عليها الحواس ليست أكثر من مجرد إحساسنا بهذا الشيئ مع أنه ليس شرطاً أن هذه المادة أو ذاك الشيء التي تقع عليه الحواس، له وجود حقيقي، المثال الواضح الذي يسوقه (ول ديورانت) في سياق حديثه عن تصور باركلي لماهية المادية هو البرتقالة التي يصل إلينا لونها عن طريق حاسة البصر وتصل إلينا رائحتها عن طريق حاسة الشم ونتذوق طعمها عن طريق حاسة الذوق أما ملمسها فلا نشعر به إلا عن طريق حاسة اللمس، وبالتالي فلو تناول البرتقالة إنسان ضرير فلن يعرف لونها ولوتناولها إنسان فاقدٌ لحاسة الشم فلن يعرف رائحتها وهكذا، والنتيجة أن الحواس الإنسانية هي التي تُكَوِّن وجود الأشياء بآلياتها الخاصة، ولذلك لم يتردد باركلي بعد هذا التحليل الدقيق لماهية الوجود الذي تصنعه الحواس بذاتها في أن ينكر وجود المادة من الأساس ولم يعترف إلا بشيء واحد أو حقيقة وحيدة يحسها وهي العقل، وبذلك أعاد للعقل اعتباره بعد ما اعتبره لوك أنه مجرد صفحة بيضاء لنشاط الحواس.

جاء ديفيد هيوم ليقوم بتطبيق تحليل باركلي فيما يتعلق بالمادة على العقل أيضاً، لينتهي إلى أن العقل نفسه ليس له وجود مادي وأننا نعرفه عن طريق الإحساس به فقط، على الرغم من أن هذا العقل محسوس داخلي في هذه الحالة، مما يعني أننا لا ندرك بحواسنا العقل كذات متجسمة مستقلة، وكل ما ندركه هو مجرد آراء منفصلة وذكريات ومشاعر، إن العقل وفق «هيوم» ليس جوهراً ولا عضواً له ذاتٌ مستقلة إنه لا يعدو أن يكون اسماً فقط وبالتالي فإن المشاعر والأحاسيس والذكريات هي العقل نفسه وليس هناك في الأساس نفس أو عقل وراء عملية الفكر تقوم بتنظيم الآراء والأفكار،هذه النتيجة التي انتهى إليها «هيوم» قضى بها على العقل كما قضى «باركلي» على المادة وتحولت الفلسفة بهذه النتائج المروعة إلى بناءٍ خرب مدمر لا تجد من أين تتجه إليه أو كيف تبني عليه أية نظريات معرفية.

لم يقتنع (هيوم) بتقويضه لأسس العقل بل أيضاً حاول تدمير العلم أيضاً بحله لفكرة القانون، حيث أن العلم والفلسفة شبيهان «حسب رؤيته» وساهما منذ جاليليو وبرونو بالكثير من أساسيات القانون الطبيعي، مما يعني عدم وجود قانون وضعي للعلم، وبذلك إنهار الأساس العلمي كما انهار الأساس العقلي قبله وكما انهارت المادة قبلهما على يد باركلي، في هذ الأثناء بُعث «كانط» من مرقده اليقيني الذي قرأ في عام 1775 كتب ديفيد هيوم فهاله وروعه ما انتهى إليه هيوم من نتائج أيقظته من نومه العقائدي الذي كان فيه مستسلماً ليقينيات الدين والعلم، وبالتالي فقد أحزنه وروعه أن تتقاذف الشكوك العلم والدين والعقل معاً ومن ثم فقد تساءل عما يمكن عمله من إجل إنقاذها من براثن الشك الذي يعصف بها وإعادتها إلى حضيرة الضروريات التي لا تنهار أمام عواصف من نوع تلك التي أثارها ديفيد هيوم.

من المهم الإشارة إلى أن أفكار الفيلسوف الفرنسي التنويري جان جاك روسو (1712 - 1778) قد جاءت في اتجاه قولبة الفلسفة التي كان كانط يعد نفسه لها، ذلك لأن روسو قد نادى في فرنسا بضرورة ألا يكون العقل هو المرجع النهائي الوحيد في الحكم على الأمور حيث أنه في النهاية - كما يقول - ليس سوى بناء حديث لجزء ضعيف متقلب خداع منا، فكم من مرة نجد مشاعرنا وقد رفضت النتائج المنطقية التي تريد حصر السلوك البشري في طريق الأرقام والأشكال الهندسية، ربما يكون العقل خير هاد ودليل في الأمور الحياتية المصطنعة والمدنية، ولكن في قضايا الإيمان والسلوك فإننا نثق بمشاعرنا أكثر من الثقة بعقولنا، فإذا كان العقل ضد الدين فليس من الضروري أن يؤخذ رأي العقل بشكل مسلم به، باعتبار أنه ليس قاضياً ينتهي بقوله وحكمه كل قول أو زعم، إذ أن الإنسان يميل بفطرته الغريزية وشعوره إلى رفض الكثير من النتائج المنطقية البحتة التي ينتهي إليها العقل ولا مبرر لرفض إيحاءات الشعور والفطرة لمجرد أننا نستمع إلى العقل وحكمه، يدعم ذلك أن العقل أحدث عهداً من الشعور والفطرة وأضعف بناء.

هذه خلاصة ما نادى به روسو لمحاربة العقلية المتوثبة التي كان التنويريون في فرنسا يبشرون بها، مما أتى بدوره كداعم لفلسفة كانط في نقده بالذات للعقل الخالص، ومما يذكر في سبيل تأثر كانط بآراء روسو أنه عندما وقع بين يديه كتاب هذا الأخير المسمى )إيميل( أي التربية انصرف إليه بكليته يقرأه بعناية واهتمام مستغرقين حتى أنه اضطر إلى إلغاء نزهته اليومية التي كان سكان الحي الذين يجاورونه في سكنه قد اعتادوا على ضبط ساعاتهم على موعد إطلالته للشارع لبدء نزهته اليومية في تمام الساعة الرابعة والنصف منتصف النهار تحت أشجار الزيزفون، حيث أقبل على الكتاب ونسي موعد الخروج للنزهة ليفرغ منه من ساعته.

(يتبع)

AbalkheiL@alriyadh.com

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 3

  • 1
    اشكر على ذللك ولكنى كنت اريد المزيد عن فلسفة الفليسوف ديفيد هيوم

    هبه احمد - زائر

    09:24 مساءً 2007/01/21


  • 2
    المرجو إدراج فلسفة كانط بخصوص كرامة الإنسان...

    عبد العالي - زائر

    05:53 مساءً 2007/03/13


  • 3
    كنت أن تكون أكتر دقة مع كانط عندي بحت

    عبد العزيز الغزاني - زائر

    02:15 مساءً 2007/10/18



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة