الرئيسية > مقالات اليوم

وقفة قصيرة حول مفهوم الديمقراطية


د.عبدالله سعد الرواف٭

فالإسلام في توجهاته السامية هو دين تفاؤل وانفتاح وليس دين شعوذة وانغلاق.. اعتنقه الملايين من البشر على مر العصور طواعية لما وجدوا فيه من موازنة عقلانية بين ما يحرك الفرد من غرائز ورغبات وما هو مطلوب لبناء المجتمع من توزيع عادل للحقوق والواجبات.

في ملحمتي اليادا والأودس تظهر لنا بداية لتشكيل مفهوم الديمقراطية لدى اليونانيين القدماء.. ففيهما نرى ما يتمتع به أعضاء المجالس الشورية - والتي عادة ما يدعو لها الحاكم - من كثير من الحرية في المناقشة وابداء الرأي، فالكل يسمح له بمناقشة الآخرين وطرح آرائه بحرية وتأييدها بالحجج والبراهين، ولكن ليؤخذ برأيه لابد له من إقناع جميع أعضاء المجلس مع الحاكم.. لقد كان لشعر هومر والذي كتب في حوالي ثمانمائة قبل الميلاد أهمية كبيرة لدى اليونانيين الذين أتوا بعده ليس لقيمته من الناحية التاريخية بما يسرد من وقائع وأحداث، ولكن بما يطرح في نسق فكري ومفاهيم عامة، كان من الأهمية لدرجة أن البعض يصفه بأنه أشبه بالكتاب المقدس لدى اليونانيين، فالأطفال في المدارس في العصور الذهبية للحضارة اليونانية يستظهرون أجزاءً من شعره عن ظهر قلب وأي إشارة إلى مقتطفات منه تكون مفهومه لدى عامة الناس. هذه الصورة التي طرحها هومر عن الديمقراطية تطورت لتصبح لدى المؤسسة ذات الخصوصية اليونانية والمعروفة بالبولس أو السيتي ستيت (أو المدينة الولاية) والتي كانت ذات أهمية قصوى لدى اليونانيين حتى قال عنها أفلاطون «الشخص الذي يستطيع أن يعيش بدون السيتي ستيت هو إما اله أو حيوان» تنظيم سياسي ذو جوانب وترتيبات عدة، حيث يجتمع موطنو كل سيتي ستيت في مكان معين وسط المدينة لمناقشة شؤونهم العامة واختيار المسؤولين والتصويت بشكل شخصي على القرارات التي تصدر من هذه المجالس.. هذه التجمعات كانت تتسم بتنظيم متطور ويتناوب على رئاستها كل يوم بشخص من المشاركين ويساهم فيها كل المواطنين بدون تمييز بينهم على أساس الوضع المادي أو الانتساب العائلي، فسقراط مثلا والذي كان فقيراً ولم يكن ينتمي إلى عائلة مرموقة كان يشارك بفعالية كاملة وأخذ دوره كرئيس ليوم واحد مثل بقية المواطنين وأدى واجبه للسيتي ستيت بأن شارك كجندي مشاة في الجيش..

في هذه الاجتماعات تدور حوارات ساخنة ومناقشات مستفيضة يطرح فيها المشاركون آراءهم حول الطرق المثلى للتنظيم السياسي والاجتماعي وتوزيع الحقوق والواجبات على المواطنين، وكل مشارك فيها يحاول جاهداً أن يدعم آرائه بالحجج والبراهين لإقناع الآخرين.. من هذه التجارب الفنية في الحوارات الذهنية والمساجلات الفكرية توّلد لدى اليونانيين تصور عميق عن مفهوم السياسة تجلى في وضع كتب قيمة فيها من أهمها كتاب «الجمهورية» الذي كتبه افلاطون وكتاب «السياسة» الذي كتبه أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد.. بالطبع هذا المقال لا يحاول أن يكون دراسة عن الديمقراطية ولا عن الحضارة اليونانية، ولكن المهم هو أن نعرف أنه من الغريب هو أن اليونانيين لم ينقلوا هذا المفهوم الذي طوروه عن الديمقراطية إلى المفهوم النيابي الذي نعرفه الآن ليس لأن هذه النقلة كانت صعبة على العقلية اليونانية ولكن لأنهم وجدوا في التنظيم الذي اختاروه والذي تعايشوا معه في السيتي ستيت ما يناسبهم.. بعد اليونانيين ظهرت الديمقراطية كتنظيم سياسي في المجتمعات البشرية بأشكال وألوان كثيرة في أماكن متعددة وفي أزمنة مختلفة. في كل مكان أو زمان تظهر فيه تأخذ الشكل الذي يتناسب مع البيئة التي تحويها، فليس لها شكل ثابت، كل مجتمع يتوقف عند نموذج من نماذجها مثل ما توقف اليونانيون عند شكل منها صاغوه حسب خصوصيتهم وحاجتهم، فالديمقراطية والتي تتكون في تركيبها من جزءين الأول يعني حكما والثاني يعني أغلبية ليست مصطلحا على مثل الطاقة أو الكتلة بمعنى انه يمكن التعبير عنها بقياسات عددية حسب معايير لا يختلف عليها الناس، هما في نهاية المطاف وبأي شكل وجدت ليست هدفا بحد ذاتها سواءً بمفهومها العام أو حسب طقوسها المختلفة، وإنما هي وسيلة تتشكل حسب البيئة التي تمارس فيها وما تحويه هذه البيئة من عادات وتقاليد وظروف تاريخية واقتصادية وتعليمية. هي في كل حالة عندما تكون صادقة في تطبيقها محاولة من المجتمع لخلق نظام اجتماعي سياسي هدفه هو تحقيق أكبر قدر من السعادة لأطول وقت ممكن لاكثر عدد من أفراد المجتمع ولأكثر عدد من أجياله القادمة.. صحيح أن المجتمعات البشرية وجدت في التمثيل النيابي عن طريق الانتخابات ترجمة صحيحة لتحقيق هذه السعادة المنشودة لأن السعادة في نهاية المطاف هي خصوصية فردية، ولكن مفردات التطبيق يجب أن لا تخل بالهدف الذي من أجله كسبت شرعية ممارسة السعادة المنشودة من حيث هذا المفهوم هي سعادة مسؤولة ترتكز على عناصر كثيرة تشمل جميع ما يمس حياة الفرد بضوابط زمانية ومكانية، والطرق الموصلة اليها تتغير تبعاً لتغير المجتمع وظروفه وهي لا يمكن أن تكتمل في أي وقت وقد تزيد وقد تنقص تبعاً لظروف المجتمع المحلية والظروف المحيطة به.. بقى أن نقول بأن هذه الأهداف هي في صميمها أهداف إسلامية، فعندما يأمر الإسلام بالعدل بين أفراد المجتمع هو في ذلك يهدف إلى إعطاء أكبر قدر في السعادة لأكبر عدد من أفراد المجتمع. والإسلام عندما يهتم بالأسرة وتنظيمها والتربية الحسنة هو في ذلك يضمن السعادة للاجيال القادمة، وعندما يحرم تعاطي المرء لمركبات كيميائية تغير في حالته العقلية الوقتية هو هنا يبين بأن المحصلة النهائية على المدى الطويل لمثل هذا العمل هو نقص في سعادة الفرد وسعادة عائلته ومجتمعه. وهو عندما يأمر بنبذ الحقد والحسد ويأمر بالتآلف والتحابي بين أفراد المجتمع وإعمار الأرض، إنما يحرص على أن يكون المجتمع مجتمعاً سعيداً، وهو في هذا يقر مبدأ أحقية الفرد في البحث عن سعادته وواجب المجتمع في مساعدته للوصول إلى ذلك حسب ضوابط وموازنات عامة لا تتنافى مع التشريعات الدينية السامية وغير القابلة للرأي أو الاجتهاد والتي في عمقها لا تخرج عن هذه الأهداف في روحانية العبادة ومتعة العطاء وغير ذلك مما يشعر به المسلم عند ممارسته لطقوسه الدينية.. فالإسلام في توجهاته السامية هو دين تفاؤل وانفتاح وليس دين شعوذة وانغلاق.. اعتنقه الملايين من البشر على مر العصور طواعية لما وجدوا فيه من موازنة عقلانية بين ما يحرك الفرد من غرائز ورغبات وما هو مطلوب لبناء المجتمع من توزيع عادل للحقوق والواجبات..

قد يسأل البعض عن لماذا لم يشرع الإسلام نهجاً من مناهج الديمقراطية بطقوس محددة واضحة؟.. فإذاً السبب هو أن الديمقراطية كمنهج اجتماعي هي وسيلة تتغير عناصرها وأولوياتها ومنهجها من مكان إلى آخر وفي زمان إلى آخر، ولكن الهدف والذي هو سعادة الفرد وسعادة المجتمع هو ما حدده الإسلام حسب ضوابط دينية سامية.. والله الموفق.

٭جامعة الملك سعود

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الى الدكتور عبدالله الرواف
    عندما نتحدث عن الديقراطيه
    هل ترانا نضع الموازنه التي تحدثت عنها في مقالك فيما يحدث في مجتمعنا .
    تعلم يااستاذي الفاضل عن قصة الدكتور التي حصلت في العلوم الاداريه. تم اعطاه انذار بسبب اسئله للطلاب
    لما لم يتم مناقشته ومعرفه السر وراء وضع الاسئله
    ربما وجدو الجواب الكافي بدلا من الانذار
    اليس هذا جزاء من الديمقراطيه
    ام تعني الديمقراطيه ((((((((((( السياسه))))))))
    دون غيرها..................

    صالح الاحمدي - زائر

    10:49 صباحاً 2005/03/19


  • 2
    نحن لانستغرب من الذين يبحثون عن الدمقراطيه من امم لا تندرج تحت امه الاسلام.. فهي امه تثيت كل يوم فشلها و توهانها بالبحث عن منهج تتعايش معه وفي نفس الوقت يناسبها.. الا انها تتخبط بين فتره واخرى.. فهي تكتشف مع مرور الايام انها عجزت عن وجود منهج ملائم لها.. وخاصه مفهوم الدمقراطيه.. لانه مفهوم فضفاض.. وان حاولت تلك المجتمعات وضع حدود له..لنجده يسقط بعد فتره من الزمن..لان الظروف قد تغيرت لتُغير هذا المفهوم معها..لتفشل من جديد فهو قد تحول عند البعض الى ضده.. فهو منهج وضعي فكل فرد يفهمه كيفما يشاء.. وخاصه انه يعني الحريه الشخصيه للفرد... ولكننا نستغرب من البعض الذين يندرجون تحت امه قد عرفت طريقها منذ ان بزغ نور الاسلام عليها ليضع لها المنهج التى تسير عليه. ليغنيها عن هذا التخبط.. لنجد هذه الفئه تردد ما يردده قوم لو عرفوا منهجنا لاخذوه منا.. فهذه الفئه تحاول ان تبحث لنفسها عن الدمقراطيه التى تريدها فهي معتبره ان الاسلام لا يحقق تلك الدمقراطيه.. وهذا ان دل على شيء فأنما يدل على ان هؤلاء لا يفهمون دينهم الفهم الصحيح.. كما لا يفهمون المعنى الحقيقي للدمقراطيه.. وربما يريدون مفهوم يخترعونه كأن يريدون ان يعيشوا في فوضى.. ليقول شخص مثلا انا حر افعل ما اريد وهذه الحريه هي من حقي وحق غيري بدون قيود او ظوابط وكأنه يعيش في غابه.. وان كانت ايظا الغابه لها انظمتها الفطريه التى خلقها الله بها "فكل شيء خلقناه بقدر" أي هو يريد الحريه التى يفهمها على حساب انتزاع حريه الاخرين منهم..
    لذلك يجب ان نفرق بين بعض الشعوب او المجتمعات التى ربما خنقت المفهوم الصحيح للاسلام ليطبق كما هو.. أي كمنهج صالح لكل زمان ومكان..وبين لاسلام الصحيح لنستطيع ان نبعد التهمه عن هذا الدين العظيم مما الصق به..

    غــــاده - زائر

    07:37 مساءً 2005/12/06



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة