ذكرتني محاضرة ألقاها الألماني الأستاذ الدكتور نوربوت نيبز يوم الأحد 25/1/1426هـ بعنوان «النقوش العربية المزدوجة»، ألقاها في قسم الآثار والمتاحف في كلية الآداب جامعة الملك سعود، ذكرتني بالباحث العملاق هاري سنت جون برديجر فيلبي «الحاج عبدالله فيلبي» عندما ذكر نوربورت نيبرز رحلة فيلبي عام 1951م يوم ان كان يصحب ريكمانز وابن أخته فليب ليبتر قاطعا الجزيرة العربية من شمالها الغربي إلى جنوبها الغربي مخترقا فيافي التفكير فيها يجعل القلب وجلاً والتفكير بما قد يلقى المرء خلالها يجعل السيطرة للخوف والشروع في الرحلة أقرب إلى الانتكاس. اخترق تلك الفيافي يوم ان كانت الطرقات غير واضحة المعالم إلا للماهرين من أبناء القبائل الذين منذ أن ساروا على الاقدام يتعاملون معها، لم تكن الطرق مزفلتة بل لم تكن معبدة يوم ذاك، فإن كان الوقت صيفا فالانحراف عن الطريق يعني في الغالب موتاً محققاً، فالماء شحيح والفيافي طويلة والأرض وعرة وحرارة شمس الصيف تقتل الطيور الطائرة، وإن كان الوقت شتاء فخطر السيول لا يقل عن خطر الحرارة ففي أي وحل تغطس عجلات السيارة يعني الانقطاع، والانقطاع يعني نفاد الماء والغذاء اللذين نفادهما قد يكون أحد أسباب الموت.
ذكرتني تلك المحاضرة بذلك الباحث الانجليزي هاري سنت جون برديجر فيلبي الذي أسلم وأصبح يدعى بـ «الحاج عبدالله»، فقد ذكر نوربرت نيبز في محاضرته نقشاً جاء من جبال القهر التقطه فيلبي خلال رحلته عام 1951م، التقطه من تلك الجبال التي طالما حدثني عنها زميلي الجيولوجي الدكتور عبدالعزيز بن لعبون، حدثني ليذكرني احتوائها على مظاهر طبيعية خلابة، ربما ليشدني لأرافقه في رحلة إليها وان كنت ارجح صدق روايته لتعكس واقع حال تلك الجبال، وأزداد شوقي إلى رؤيتها بذكره بحيرات العيون التي أشار إلى انها تقع بين الجبال وعلى واجهات صخورها تتناثر النقوش والرسوم الصخرية القديمة. شوقي إلى زيارتها غير محدود ولكنني لست كفيلبي ينقصني كثيرا من تصميمه وشجاعته وحبه للمخاطرة في سبيل معرفة الجديد.
ويكفي ان نذكر تميز فيلبي على غيره من الباحثين انه استطاع خلال تلك الرحلة أن يجمع مع زميله ما يزيد على تسعة آلاف نقش، وأظن ان عددا كهذا نسخه وتصويره يحتاج إلى جهد كبير لا يتحلى به إلا عمالقة الباحثين وفيلبي دون أدنى شك واحد منهم بجهده الذي قد لا يوازيه جهد في انتشاره المكاني وامتداده الزماني. أعود وأذكر ان حصيلة رحلته من النقوش وحدها شكلت قاعدة للباحثين لمدة تزيد على الخمسة والخمسين عاما وكل يوم يظهر لنا باحث بشيء جديد من انتاج فيلبي.
ولا شك ان لفيلبي أعمالاً فريدة ومتميزة ولعلني أذكر مقالة له عن موقع قرية الواقعة في أقصى الشمال الغربي لمنطقة تبوك نشره عام 1955م في المجلة الجغرافية ورد فيه وصفاً للموقع ومنشآته المعمارية وبيئته لا زال يحظى بتقدير الباحثين إلى اليوم الحاضر، وفي أقصى الجنوب الغربي للمملكة العربية السعودية لفيلبي إسهاماً يتمثل بما كتبه عن نجران ويكفي انه وضع خريطة لقلعة الأخدود لا تزال الخريطة الوحيدة التي يستخدمها الباحثون إلى اليوم. وان كان فيلبي مميزاً في كتاباته الغزيرة في التاريخ الحديث للمملكة العربية السعودية فدون أدنى شك يتميز أيضا في كتاباته في التاريخ القديم، ولعل كتابه عن الممالك العربية القديمة خير دليل على ذلك ففيه أوقف نفسه مع عمالقة الباحثين في هذا المجال مثل فوكس دبليو أولبرايت، وريكمانز، والبرت جام، ووينت، وفون وايزمان، وكاسكل، بل وضع قوائم لملوك ممالك جنوب الجزيرة العربية القديمة أصبحت تعرف بقوائم فيلبي.
وان كان لفيلبي تميز في المجالين سالفي الذكر فلا استبعد انه يقف وحيداً بارزاً في مجال الرحلات خلال القرن المنصرم، فإن كان أوغست والن زار شمالي الجزيرة العربية، وان كانت الليدي آن بلنت زارت حائل وما حولها، وان كان بلجريف قد اخترق الجزيرة العربية من الشمال إلى الشرق برحلة واحدة، وان كان تشارلز داوتي قد تجول في شمال الجزيرة العربية إلى القصيم فساحل البحر الأحمر، وان كان بورتن قد مسح شمالي الحجاز، وان كان الويس موزل قد تجول في شمالي الجزيرة العربية في رحلات عديدة، وان كان كارل جيرمان قد زار شمالي الجزيرة العربية، وان كان تشارلز هوبر قد تجول في شمالي الجزيرة العربية، وان كان ادورد جلازر قد تجول في جنوبي الجزيرة العربية؛ فإن فيلبي اخترق الجزيرة العربية من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب ليس في رحلة واحدة فقط بل في عشرات الرحلات ولذا يقف في هذا الحقل وحيداً متميزاً.
وأظن ان انتاجه سوف يتبقى مصدراً خصباً للباحثين لقرون قادمة، فالعملاق لا ينتج إلا عملاً عملاقاً، والعمل العملاق لا ينتجه إلا باحث عملاق وهكذا هي حال فيلبي وأعماله، ويا ليتنا نعمل على تكريم هذا الرجل علمياً في أي محفل من محافل العلم في بلادنا فهو صاحب عشرات الكتب، وعشرات الرحلات العملاقة، ومئات المقالات، فلا أجد نظيراً له من الباحثين في وقته.
ولعلي أوجه النداء إلى دارة الملك عبدالعزيز لإقامة ندوة عالمية عن أعمال فيلبي، فهي مؤسسة علمية عملاقة بانتاجها وأظن انه يسعدها الاهتمام بانتاج عمالقة الباحثين.