الرئيسية > مقالات اليوم

لمن تتبع الفضائيات التحريضية؟


د. حمد بن عبدالله اللحيدان

ان تلك الفضائيات أصبح من أهم توجهاتها إثارة البلبلة والتشكيك وذلك من خلال الدس الرخيص والمبرمج والمفضوح وإن اجتهدوا في اخفائه في بعض الأحيان

أو إشهاره في أحيان أخرى على أساس أنه يدخل ضمن حرية الإعلام

من المعروف أن السياسة تبدأ حيث تنتهي الحرب، والمعارك السياسية لا تقل حدة وضراوة عن المعارك العسكرية وصولاً إلى تحقيق الغاية المنشودة. والإعلام اليوم هو المطية لتحقيق الأهداف السياسية وهذا الأمر واكب التقدم المضطرد في وسائل الإعلام، حيث ساهم نشوء الصحافة وتقدمها المذهل في القرن العشرين في إبراز كثير من الأفكار والمعتقدات والنظم ونشر التحرير والديمقراطية. ومن هذا المنطلق وصفت الصحافة انها السلطة الرابعة بعد السلطات الثلاث المعروفة وهي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والقضاء. ووصفها بالسلطة الرابعة إشارة إلى ما لها من أهمية سياسية عظيمة، وقد زاد من اهميتها ظهور الإعلام المسموع والإعلام المشاهد حيث أصبح كل من تلك الوسائل مكملاً للآخر بل هو رجع صدى له ولذلك أُطلق على تلك الوسائل مجتمعة مصطلح «الإعلام الجماهيري» وهذا ما جعل منها سلاحاً سياسياً وإعلامياً قوياً ووسائل الإعلام المختلفة تخضع للاحتكار بنسب مختلفة ففي الدول التي توصف بالدكتاتورية يصل الاحتكار إلى أعلى نسبة وفي الدول التي توصف بالديمقراطية تنخفض نسبة الاحتكار على أن لا تصل الحرية المعطاة في كل الأحوال إلى الخطوط الحمراء المحدودة والتي يعني تجاوزها مساساً بالأمن القومي والمصلحة العليا للأمة. وحيث إن الحديث عن حرية الإعلام ونسبته المئوية الظاهرية لا يمكن فصلها عن تمويل ذلك الإعلام ذلك أن سيطرة المال على الإعلام لا يكون عن طريق امتلاك المشاريع بقدر ما يكون نتيجة شروط الاستثمار في ذلك المجال الحيوي والهام.

وعلى أية حال فقد تحول الإعلام بجميع مفرداته إلى وسيلة إعلان وذلك للحصول على التمويل اللازم للاستمرار من ناحية والحصول على أرباح مجزية من ناحية ثانية وعلى أية حال فإن الإعلان التجاري البحت لا يتم الاعتراض عليه فلكل شركة أو مصنع أو بنك ميزانية خاصة للدعاية والإعلان والمستفيد الأول من تلك الميزانيات هي وسائل الإعلام المختلفة ومن المعروف أن تكلفة الإعلان تختلف نزولاً وارتفاعاً حسب المدة الزمنية من ناحية وحسب نوع الفترة أو البرنامج الذي يذاع خلاله فتكلفة الدعاية التي تبث أثناء نشرات الأخبار أعلى من تلك التي تبث خلال الفقرات الأخرى وإذاعة الإعلان خلال فترة الذروة أعلى من تلك التي تذاع خلال الأوقات الأخرى، وحيث إن الأحداث والبرامج المهمة تزيد من عدد المتابعين لوسائل الإعلام فإن المنافسة أصبحت حادة بين القنوات الفضائية لكسب قصب السبق ومن هنا أصبح هناك نوعٌ آخر من الدعاية التي لا تتعلق بمنتج لهذه الشركة أو تلك بل أصبح هناك من يستأجر هذه المحطة أو تلك لكي تنوب عنه في إيصال رسالة يريد نشرها أو هدف يريد تحقيقه وهذا يتم من خلال الدق على وتر معين وبأسلوب شبه مستمر، ومن خلال البرامج المختلفة بما في ذلك الأخبار والتعليقات والتحليلات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية وبذلك لا يظهر الأمر وكأنه دعاية أو إعلان لجهة معروفة الاتجاه والهدف.

وعلى أية حال فإن وسائل الإعلام التي تقوم بهذا الدور لا يمكن وصفها إلا بأنها وسائل إعلام مأجورة فهي تتبع لمن يدفع أكثر وهذه الأنواع من وسائل الإعلام كانت أكثر انتشاراً في الصحافة ثم انتقلت اليوم إلى بعض الفضائيات.

إلا أن الأمر يصبح أسوأ إذا كانت هذه المحطة الفضائية أو تلك قد تم إنشاؤها خصيصاً لغرض في نفس يعقوب، وأصبح ما تبثه من برامج وتحليلات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية ذات أهداف بعيدة المدى تعكس في بعض الأحيان رغبة القائمين على تلك المحطة أو في الغالب والأصح تعكس رغبة من يقف خلف القائمين على تلك المحطة والذين لهم مصلحة قصوى في التحريض والتحيز والنفخ في النار وتأجيجها وتحجيم الإنجازات وتكبير السلبيات.

وعلى العموم فإن القاعدة الأساسية في الإعلام القائم على الإعلان التجاري وليس السياسي تقوم على مبدأ جذب أكبر عدد ممكن من الجمهور ولذلك تجده لا يسيء لأحد ويكون في الغالب إعلاماً متوازناً أما الإعلام الذي أساسه الإعلان السياسي والذي يظهر بصورة برامج وتحاليل فتجده يخلق العداوات مع كل من الشعوب والحكومات لذلك فهو إعلام يقوم على اللجج والتهويش والإثارة أكثر من الموضوعية والصدق والالتزام ناهيك عن التناقض الفاضح، نعم إن توفر المال يمكن هذا النوع الإعلامي من أن يلمع نفسه من خلال التفوق في عدد المراسلين وسرعة التغطية وتلغيم كل حدث بما يريدون إيصاله من دعاية مغرضة ضد من يريدون إيذاءه أو تضمينه دعاية لما يريدون تلميعه وبأسلوب يُخضع الكلمة للمكياج إلا أن حبل الكذب قصير كما يقول المثل ناهيك عن وعي المشاهدين وقدرتهم على الفرز.

نعم في السابق كانت أجهزة المخابرات في الدول المختلفة تعمل بصمت ورئيس جهاز المخابرات في هذه الدولة أو تلك لا يكاد يُعرف اسمه بين العامة أما اليوم فقد أصبح رئيس جهاز المخابرات في مقدمة الصفوف وأصبح له مبادرات يرعاها وتُعلن باسمه وخير مثال على ذلك رئيس جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) الذي قدم عدة اقتراحات للفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين والمعروفة بخطة تنت والذي قام بعدة زيارات للمنطقة، وكذلك الوساطة الدائمة التي يقوم بها رئيس جهاز المخابرات المصرية الذي يزور قطاع غزة والضفة الغربية كل شهر. والأمر بالطبع لا يقتصر على هذين المثالين، فأجهزة المخابرات في كثير من الدول تقدمت إلى الصفوف الأولى في العمل السياسي وغيره.

إذاً نستطيع أن نستنتج من ذلك أن بعض الفضائيات التحريضية والمتحيزة لابد انها تتبع لجهاز الاستخبارات في إحدى الدول المستفيدة من مثل ذلك التوجه الإعلامي الذي يُؤسس لهدف بعيد المدى هو رسم خريطة المنطقة طبقاً لمصالح الصهيونية وربيبتهم إسرائيل، وفي هذا الصدد استطيع أن اقول إن قناة الحرة التي تبشر بالثقافة والديمقراطية الأمريكية واحدة من تلك الأمثلة ويتبعها محطات أخرى أصبحت تحظى بالنقد الأمريكي وذلك لزيادة شعبيتها فعلم النفس وعلم الاجتماع قد تم توظيفه بكل حذاقة وعلى العموم فإن المنابر والقضايا التي تخدم الهجمة الامبريالية والصهيونية على المنطقة ليست بخافية وخير دليل على ذلك:

1 - أن تلك الفضائيات أصبح من أهم توجهاتها إثارة البلبلة والتشكيك وذلك من خلال الدس الرخيص والمبرمج والمفضوح وإن اجتهدوا في اخفائه في بعض الأحيان أو إشهاره في أحيان أخرى على أساس أنه يدخل ضمن حرية الإعلام ونشر الحقيقة أو تحت مسمى قصب السبق في أحيان أخرى.

2 - مما يدل على ضلوع المخابرات الأجنبية المعادية في توجيه القنوات التحريضية وجعلها تنتهج أساليب الشتم المبطن والانتقاص المتستر تحت مظلة كشف الحقيقة. فالأمة العربية اليوم تنتقص في أدائها وبرامجها ومثقفيها وفي قدرتها وتاريخها وإنجازاتها واستقلاليتها وإبراز كل أنواع السلبيات مهما صغرت والتغاضي عن الايجابيات مهما كبرت وهذا الأسلوب يحطم الذات ويزيد من الاستكانة سوءاً كان على مستوى الأفراد أو الجمعات أو الدول. نعم هذا يُقال حتى يستكين الشعب في العالم العربي ويقبل الاطروحات الخارجية التي تمهد لها تلك الفضائيات وذلك مثل الشرق الأوسط الكبير والديمقراطية المعلبة ودمج إسرائيل في المنطقة من خلال تفكيك الدول ذات الكيان الكبير إلى دويلات لا حول لها ولا قوة أو تصبح السيادة لإسرائيل واعوانها القادمين إلى المنطقة ومعهم الديمقراطية المعلبة والتي لا تختلف عن الأغذية السريعة الإعداد Junk Food.

نعم إن الذات العربية والنفسية العربية ووحدة الشعور والانتماء بين الشعوب العربية مستهدفة. إن مصطلح الأمة العربية لا يروق لهم وعملوا على استبداله بمسمى الشرق الأوسط، والآن سوف يمددون الشرق الأوسط ليشمل إيران وتركيا وذلك حتى لا تصبح إسرائيل هي الدولة الوحيدة غير الناطقة بالعربية ضمن خريطة الشرق الأوسط الكبير. وهذا التوجه تستطيع الفضائيات التحريضية خدمته من خلال التغطيات الفضائية التحريضية التي تجعل من الحبة قبة والتي تدق على وتر الطائفية والمعارضة السلبية والقبلية والمذهبية الدينية، وخير مثال على دق اسفين الفرقة ما يحدث في العراق والسودان والصومال ولبنان والجزائر وكذلك نشر الإرهاب وزيادة الأسباب والعوامل المؤدية إليه.

نعم إن الفضائيات التحريضية تقوم بالنفخ بكل ما اوتيت من قوة لإشعال نار الفتنة لأن ذلك يزيد من تغطياتها الإعلامية وبالتالي اجتذاب أكبر عدد من المشاهدين مما يترتب عليه زيادة الدخل من خلال الإعلان المرافق؛ إذاً هذه الفضائيات تستفيد مرتين مرة لتحقيق الهدف الذي أُنشئت من أجله وهو الدس والشتم والتحريض والثاني كسب المال من خلال الإعلانات التي ترتفع عوائدها كلما سخن الجو السياسي والأمني.

ونفخ الفضائيات في نار الفتنة وخدمتها لتوجيهات الإرهاب في المنطقة فيه شبه كبير من نفخ الاوزاغ في النار التي القي فيها سيدنا إبراهيم عليه السلام بغية تأجيجها، ولهذا السبب شرع إباحة قتل الاوزاغ وعليه فإن الفضائيات التحريضية لن تنجح في تحريضها ودسها الرخيص القائم على اللجج والتحريض مثلما لم تنجح الاوزاغ في إشعال النار بنفخها المستمية وعليه فإن التعامل مع تلك الفضائيات التحريضية ومن يقف خلفها من المتآمرين وتجار الإرهاب يجب أن يتحول إلى أسلوب عمل وذلك من خلال:

٭ أن تتكاتف الجهود لإنشاء فضائيات ذات قدرات تنافسية وذات هدف نبيل تكرس جهودها من أجل لم الشمل وتشجيع الايجابيات والحد من السلبيات، وأن تدق على وتر القواسم المشتركة للأمة ذلك أن وحدة الأمة هو السلاح الأقوى أمام الهجمة الصهيونية والامبريالية على المنطقة والتي يحاولون الإجهاز عليها بمساعدة الفضائيات التحريضية.

٭ لا شك أن هناك بعض الثغرات التي يمكن للمغرضين الولوج منها واستخدامها كحقيقة يُضاف إليها اضعافها من الكذب وذلك لتمريره على غرار ما يفعله مسترقو السمع من السماء. ولذلك فإن تسريع وتيرة إنجاز البرامج الجادة والواضحة المعالم للإصلاح الإداري والمالي والسياسي والاجتماعي التي تبثها حكومتنا الرشيدة سوف يضيع عليهم الفرصة خصوصاً أن الوقت لا زال في مصلحة هذه الأمة وأركانها المخلصة والعاملة بصمت.

٭ التجديد وسيلة إصلاح رئيسية ودخول دماء جديدة في كل معترك من معتركات العمل الوطني بصورة تمكن الأكفاء من الوصول خصوصاً اننا نملك أعداداً هائلة من الكفاءات المغمورة والتي ربما توجد امامها بعض العوائق التي تمنع وصولها أو اكتشافها مثل وجود بعض غير الأكفاء كطبقة عازلة ممن لا يرغب في وصول الكفؤ خوفاً من منافسته لهم أو كشف قصورهم وهذا تصرف قاصر أو لمجرد الحسد والعياذ بالله ناهيك عن غياب أسلوب التقييم المتعدد الأطراف. نعم إن الأهواء الشخصية والشليلة في كثير من الدول لها دور فاعل في تثبيط كثير من الذين لديهم همم عالية وعقول نيرة. إن إخلاص أبناء هذا الوطن يفرضه عليهم حبهم لوطنهم وأمتهم وقيادتهم الرشيدة وتمسكهم بثوابت هذا الوطن ومستقبله.

٭ أن نقد الذات والشفافية ووضوح الرؤية والتخطيط السليم والاعتماد على الأكفاء وبلورة الأهداف والبحث عن مواطن الخلل والتعامل معها ومواطن القوة وتعزيزها كل تلك أسلحة فعالة تقلل من أهمية ما تثيره الفضائيات التحريضية بل تلغيه وتقضي عليه من خلال إسقاط كل ذريعة تتشبث بها تلك الفضائيات المأجورة ومن يقف خلفها من صُنّاع الإرهاب وتجاره.

والله المستعان.

hluhaidan @alriyadh.com

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة