الرئيسية > مقالات اليوم

إشراقات

ابتسامة الأسد!


د. شروق الفواز

لا يخفى على أحد من القراء المكانة التي يعطيها بنو البشر للأسد بوصفه ملكا للغابة، وإلى وقت قريب كنت أظن أن تغني الشعراء به وتشبيههم للأشاوس من الرجال به منطلق من عظمة هذا الحيوان وروعة صفاته والتي من أهمها الإقدام والهيمنة والشجاعة، إلا أن ظنوني هذه كلها قد تلاشت وتحطمت أمام برنامج وثائقي عن عالم الحيوان شاهدته في إحدى القنوات الفضائية يبين فيه طبيعة هذا الحيوان وطريقته في الحياة، والحقيقة أني صدمت أمام ما واجهته من تناقض وبكل ما ذكره البرنامج من صفات لا تتناسب إطلاقا مع ما ينشده الشعراء في مدحهم له وجعلهم منه صفة تشبيهية رائعة للمدح والإطراء.

فطريقة حياة الأسد أو الليث الكسولة والتي يقضي معها معظم ساعات يومه في النوم، واعتماده في جلب الطعام في معظم الأحيان على اللبوة بوصفها الأنثى المقابلة له في جنسه، بل واعتماده المطلق عليها في تربية أشباله وإطعامهم وتدريبهم وطريقته في الهجوم واقتناص الفرائس لا تخوله مطلقا للمكانة التي منحها إياه الشعراء والأدباء والرواة لأنها لا تحمل أي معنى للنبل، ولا الكرامة ويستحيل أن يتوِّجه عليها أي عاقل ملكا على الغابة أو يسعد بتشبيهه بها!

فهنالك حيوانات أكثر منه إقداما وشجاعة في مواجهة الفريسة و أعظم منه استبسالا وإخلاصا في رعاية عائلته والاهتمام بها.

والصيت الحسن الذي يحظى به الأسد دون سائر الحيوانات ليس نابعا من استحقاق أو جدارة بقدر ما هو مأخوذ بالنظرة المعممة والمتوارثة عبر الأجيال بدون استثناء.

هذه الفكرة كانت تلح عليَّ بشدة وأنا أقرأ التحقيق المتميز الذي أعدته الزميلة هدى السالم في صحيفة الرياض في عددها الصادر في يوم السبت 17 محرم من هذا العام حول اقتصاديات المرأة وبالتحديد في الحلقة الثالثة منه والتي كانت حول راتب المرأة العاملة ومدى وجوب مساهمتها به في نفقات الأسرة العامة والخاصة ويذكرني في نفس الوقت بتشبيه سمعته من إحدى النساء تصف به زوجها عندما يبتسم في وجهها ويفرط في التودد إليها في نهاية الشهر وتدلل عليه بقول المتنبي:

وإذا رأيت نيوب الليث بارزة

فلا تظنن أن الليث يبتسم!

وقد كانت بعض الآراء في ذلك التحقيق من كلا الطرفين الرجل والمرأة غريبة في طرحها ومفهومها لمعنى التعاون الأسري و خلطها بين المشاركة في تحمل أعباء الأسرة الاقتصادية وبين الذمة المالية المستقلة للمرأة وأهليتها في إدارة مالها وأحقيتها في التصرف به حسب منظورها الخاص واحتياجها وأولوياتها .

ولعل من أهم أسباب نشوء مثل هذه الآراء المتطرفة أو الخاطئة من كلا الطرفين هو الطريقة الخاطئة في التربية والتي تعمق من حساسية الرجل تجاه مال المرأة وإحساسه بأن تفوق المرأة المالي أو استقلالها قد يهدد من رجولته أو ينتقصها، وأن هيمنته عليها لا تكون محكمة إلا من خلال المال. ناهيك عن نظرة الرجل المعممة والمنتقصة لطريقة تفكير المرأة وتدبيرها لشؤونها المالية. فتجد امرأة ترى أنه من المستحيل عليها المساهمة مع زوجها في تصحيح أوضاع الأسرة الاقتصادية لإيمانها العميق ويقينها بأن القوامة الممنوحة للرجل مبنية على الإنفاق والإعالة ومعها يستحيل أن تصرف ريالا واحدا في بيت يقوم عليه رجل وهو زوجها وأبو أبنائها!

أو تلك نسمعها في بعض المجالس وهي تؤكد بأن احتياج زوجها المادي لها هو سبب استقرارها العائلي وتوازن القوى في الأسرة!

يقابله عديد من الآراء المستفزة من بعض الرجال ليس أنكى منها إلا من يخشى أن يكتب اسم البيت الذي يعتزم أن يشتريه هو وزوجته بالتقسيط من راتبهما باسم زوجته مع أنها كانت ولا تزال متكفلة بدفع أقساط سيارته هو من راتبها، بعد أن طلبت منه ذلك لضمان حقها، بحجة أن ذلك ينتقص من رجولته أمام أبيه وأهله والمجتمع . أو من ذلك الذي يرى أن هنالك الكثير من النساء اللاتي لا تستحق الواحدة منهن أن يكون لها دخل مادي مستقل عن زوجها لأنه قد ينقلب إلى سلاح للقوة والتمرد و بأنه لا يوجد هنالك رجل يسعد لوجود دخل مادي مستقل لزوجته لأن ذلك يشعره دائما بالنقص، وأن الظروف الاقتصادية للحياة هي التي تجبر الرجل على الصمت والاستسلام بدون اقتناع!

مثل هذه الآراء الناقصة والغير واعية بمفهوم الحياة الزوجية المشتركة في الأعباء والحقوق والواجبات، والاستقلالية الذاتية لكل من الطرفين في المبادئ والأولويات والاحتياجات، كثيِر تردده في المجالس بل إنه يكاد يكون متلازمة لمعظم الأحاديث المشتركة للرجال والنساء على حد سواء . والإجابة المنصفة على هذه التساؤلات لن تتم إلا بمعايرة الكثير من الأخطاء التي تنشأ من التربية الخاطئة وتعميق الحساسية بين الجنسين في الأسرة الواحدة والإفراط في ترسيخ معنى الرجولة لدى الابن والاتكالية الأنثوية لدى الابنة.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    لعل حقيقة الأسد لم تكن غائبة عن الأوائل. بل ربما أنانيته واعتماده على اللبوءة هي التي أثارت إعجابهم فيه. وعلى كل حال، من يستطيع أن يستعبد اللبؤة لهو جدير بأن يكون ملك الغاب.
    ( :

    على كل حال، كثيرا ما نصف حياتنا بالغابة لأن القوي يأكل فيها الضعيف. وموضوعك اليوم هو مثال آخر يعزز تشبيه الحياة بالغابة.

    تحياتي

    محمد ح. اسماعيل - زائر

    07:16 صباحاً 2005/03/18


  • 2
    يعيش المجتمع السعودي حياة متناقضه وذلك يعود بالدرجه الاولى على العلاقه القائمه بين السلطه السياسيه والمؤسسه الدينيه,فالسلطه السياسيه أعطت المؤسسه الدينيه مهام كثيره وكبيره بشرط أن تقوم المؤسسه الدينيه بالتأيد المطلق لها والتجاوز عن تجاوزتها الشرعيه,أمابالنسبه لدور هذه المؤسسه في ترسيخ مفاهيم خاطئه في حياتنا وبيوتنا وعادتنا يعود الى:
    1)تباين وأختلاف بين حياة أغلبية المجتمع السعودي وبين أفراد هذه المؤسسه فالجميع يرغب بحياة تكون الفضيله أساسها حتى تأمن الناس على أموالهم وأعرضهم وأموالهم بغض النظر عن الجهه التي تقوم بهذه المهمه سواء كانت دينيه أو اجتماعيه.
    2)حب الظهور والتقرب الى السلطه السلطه السياسيه بمايرضي الله أولا يرضيه.
    3) الانشغال بالتنظير واعطاء النصائح دون التطبيق
    4) البحث عن السلطه وأتباع الهوى والمصالح في التحريم والتحليل
    (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)البقره
    5)اتباع النصوص الدينيه بظاهرها واغفال العقل
    6)عدم تنوع الثقافه والاطلاع لدى افراد هذه المؤسسه وعدم المعرفه الكافيه والأهليه ورفض كل جديد ومفيد (ومن آيته خلق السوات والأرض وأختلاف ألسنتكم وألوانكم ان في ذلك لأيات للعالمين)الروم
    -أما بالنسبه للنتائج فبعضها في مقالك مذكور والآخر معروف..؟

    فهد حمود الحمودي - زائر

    03:12 مساءً 2005/03/18



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة