الرئيسية > مقالات اليوم

أمن الخليج والنظام الإقليمي العربي


عبدالجليل زيد المرهون

جامعة الدول العربية يجب أن تبقى إطاراً عريضاً للعمل العربي المشترك، وكي تنجح في تحقيق أهدافها لابد من تفعيل آلياتها لتغدو منسجمة وطبيعة المتغيرات الواسعة التي طرأت على الوضع العربي، وإن كافة الدول العربية معنية بهذه المهمة، مهما تباينت وجهات نظرها حيال مقولة إصلاح الجامعة أو تطويرها .

إن معطيات الجغرافيا والتاريخ ووحدة الإطار الثقافي والنمط الكثيف للتفاعلات الاجتماعية والاقتصادية تجعل من أمن الخليج جزءا أصيلا من الأمن القومي العربي.

وعلى الرغم من ذلك، لا يجوز النظر إلى العلاقة بين الأمنين على أنها ذات مرتكزات جامدة وموروثة، ففي هذا استغراق في التاريخ وقفز على الواقع وحركيته. بيد أن الحذر في التوصيف لا يلغي بحال من الأحوال حقيقة أن علاقة الخليج بمحيطه العربي هي علاقة انتماء وهوية ووحدة مصير، فهذه هي المدخلات الأم. وليس في هذا القول نزوع إلى نرجسية قومية.

إن التاريخ ذو دلالة بالغة على صعيد رؤية علاقة هذه المنطقة بمحيطها، هذا المحيط الذي لم يكن يعرف حدودا، بل بقي مستمرا في تمدده قرونا مديدة من الزمن.وعند هذه النقطة يكون التاريخ قد تداخل مع الجغرافيا برابطة لا تقبل الانفصام. وعندها أيضا يكون الخليج قد ارتدى وشاحا قوميا لا غواية فيه ولا جنوح.

وبطبيعة الحال، ليس من وظيفة هذا المقال دراسة السياق التاريخي لعلاقة الخليج بمحيطه العربي، بيد أننا سوف نتوقف قليلا عند بعض النقاشات ذات العلاقة،والتي هيمنت على الفضاء الثقافي العربي لردح من الزمن.

لقد ثار سجال حول ما إذا كان الوطن العربي يتكون بالضرورة من حاضرة وأطراف ، وما إذا كان الوسط العربي هو الحاضرة ونواحيه هي الأطراف، وما إذا كانت الحاضرة هي النموذج الملهم للأطراف التي عليها أن تسعى خلفه.

وقد يبدو هذا النقاش شكلا من الترف الفكري، لكن الحقيقة ليست كذلك. بل إن الأمر ينضوي على قدر كبير من الخطورة.

في هذا النقاش تم الخلط دون إدراك بين عنصرين متباينين من عناصر القوة، هما المدرك الثقافي والمعطى الجغرافي.

وفي الأصل، فان هذا النقاش ينتمي إلى مدرسة الجيوبوليتيك ، حيث إن الثقافة (يتم عادة استخدام مصطلح الحضارة) والجغرافيا عنصرين أساسيين من عناصر الوزن الجيوبوليتيكي للدول.

بيد أن الذي حدث في النقاش التاريخي العربي هو شكل من أشكال القراءة مشوهة، إن لم تكن المقلوبة لمفاهيم الجيوبوليتيك، ففي هذه المفاهيم ثمة فصل بيّن للمعطيات، سيما بين ما يعبر عنه بالمعنوي، كما هو حال الثقافة، وما يعبر عنه بالمادي، كما هو حال الجغرافيا.

لقد قيل في السجال الذي ساد البيئة العربية في النصف الأول من القرن العشرين أن دول الخليج هي دول أطراف، وبالتالي ليست من الحاضرة، وحيث إنها ليست من الحاضرة فهي بالضرورة تابعة للمركز ثقافيا وحضاريا.

هذه باختصار غواية فكرية وجنوح إلى إقليمية متلبسة بشعارات الحضارة والإشعاع. وهذه الإقليمية هي بيت الداء وهي التي أسست في المدرك الثقافي الاجتماعي للنزعة القطرية المتقوقعة على ذاتها.

وفي سياق تاريخي مقارب خرجت مقولة أخرى لا تقل غواية وتضليلا عن سابقتها. هذه المقولة قسمت الوطن العربي إلى فريقين هما دول الماء ودول النفط. وللوهلة الأولى تبدو هذه المقولة وكأنها شكل من التصنيف الاقتصادي أو التقسيم الوظيفي للعمل، بيد أنها ليست كذلك. بل لم يراد لها في الأصل أن تكون هكذا.

رأت هذه المقولة بأن دول الماء تمتلك كل شيء باستثناء النفط، أي أنها تمتلك القوة الديموغرافية والعسكرية والحضارية وتنقصها القدرات المالية.

وفي المقابل فإن دول النفط، وقصد بها تحديدا دول الخليج العربية، لا تمتلك شيئا من مقومات القوة المعنوية والمادية باستثناء ثروتها النفطية.

هذه مقولة خطيرة ومدمرة بل تنحدر إلى درجة العنصرية، وهي استندت إلى فلسفة مغلوطة بالتمام والكمال.

فإذا كانت دول الماء العربية تمتلك كل مقومات القوة باستثناء النفط فلماذا لم تغد دولا متقدمة، فهل في السويد نفط، وهل ألمانيا دولة نفطية؟

وإذا كانت الديموغرافيا معيارا حاسما لنهوض الأمم فهل الصين أكثر تقدما من الدنمرك، ولماذا سنغافورة أكثر تطورا من إندونيسيا، علما بأن الأولى تشتري الماء من الثانية وأنها ذات مساحة لا تزيد على سبعمائة كيلو متر مربع وتعداد سكاني دون الأربعة ملايين نسمة، في حين أن إندونيسيا أرخبيل جرار يحوي 13 ألف جزيرة وهي ذات قوة سكانية تصل إلى نحو 280 مليون نسمة، وذات ثروات مائية هائلة وذات غابات كثيفة وذات ثروة نفطية، بل هي البائع الأول للغاز المسال على الصعيد العالمي. لماذا حققت سنغافورة وعد التنمية ولم تحققه إندونيسيا؟

إن أحدا لا يدعي القول أن دول الخليج قد حققت وعد التنمية. بيد أن تصنيفها على أنها دول نفط وحسب فيه ظلم كبير لأبنائها، لأنه ببساطة يقفز على تاريخهم الذي هو نفسه تاريخ العرب في ذروة مجدهم. كما أن هذا القول يتجاهل مكانة إنسان هذه المنطقة وانجازاته في شتى الميدان. على أن الأكثر خطورة في الأمر هو أن هذا المنحى من التفكير يصنع جدرا نفسية ويؤسس بامتياز إلى قطرية انعزالية.

وثمة مقولة ثالثة مضللة سادت النقاش الثقافي العربي، ومفادها أن العلاقة بين الوحدة الإقليمية والوحدة القومية هي بالضرورة ذات طبيعة صفرية، بمعنى أن النزوع إلى تأسيس وحدات إقليمية فرعية ضمن الإطار العربي من شأنه أن يضعف أو يغيّب التوجهات القومية، ويضع مستقبل العمل العربي المشترك (أو الوحدة العربية) في مهب الريح.

هذه المقولة وجدت تاريخيا بعض ما يدعمها عندما تصدى الوحدويون العرب إلى مشروع الهلال الخصيب، ثم عادوا وتصدوا إلى حلف بغداد، يدعمهم في ذلك موج من الجماهير الملتهبة بين المحيط والخليج.

بيد أن هذه المقولة قد اختبرت فقط على صعيد المشاريع والأحلاف ما فوق القومية لكنها لم تختبر تاريخيا ضمن السياق القومي ذاته، وتجربة الوحدة المصرية - السورية تقع بطبيعة الحال بعيدا عن سياقات هذا النقاش. ولكن لو تصورنا أن منطقة النيل العربية قد توحدت فور الاستقلال فهل كان ذلك سيؤثر على توجهاتها القومية وميلها للعمل الوحدوي العربي؟ إن الأمر لا يبدو كذلك على أية حال.

إن الموجة الراهنة من هذا النقاش تدور بصفة أساسية حول تجربة العمل الخليجي المشترك وعلاقته بالعمل العربي. وهنا يمكن الإشارة إلى مجموعة أمور :

أولا، إن العمل الخليجي المشترك هو مسعى يصبو إلى التعاون وحسب، وثمة فرق واضح بين التعاون والوحدة. نحن أمام تجربة اسمها «مجلس التعاون لدول الخليج العربية». وبعد ربع قرن من ميلاد هذه التجربة فان أحدا لم يطرح مشروع «مجلس الوحدة الخليجية» وهذه قضية ذات مغزى، على الرغم من كل ما يقال من أن مجلس التعاون يصبو في الأخير إلى تحقيق الوحدة الخليجية.

ثانيا، إنه بافتراض قدر للخليجيين تحقيق وحدتهم، وهذا مجرد افتراض، فان ذلك لا يتعارض، على مستوى التأصيل الفكري أو المسعى العملي، مع خيار الوحدة العربية أو العمل العربي المشترك بل من شأنه أن يرفد هذا الخيار، وذلك لسبب بسيط هو أنه سيقلل من حجم التباينات، ويطوق جزئيا من التناقضات المستندة إلى مقولات السيادة. وبالمعيار الحسابي، فإن وحدة بعض أجزاء من المجموع هو خطوة على طريق الوحدة المجموعية الكلية. وتبقى النوايا والمقاصد هي الأصل والمعيار.

ومن جهة ثالثة، فان هواجس الإقليمية المستندة على المزاوجة بين المعطى القومي والمعطى الجغرافي لم يعد من اليسير إعادة إنتاجها في شكلها التاريخي أو لنقل التقليدي، وذلك بلحاظ متغير كوني هو العولمة، التي هي الأخرى ذات مدلول قيمي - جيوسياسي مزدوج، إنما في الاتجاه النقيض تماما لخيارات كل من التأطير القومي والتمركز الإقليمي على حد سواء.

هذا القول لا يعني بحال من الأحوال أن التأطير القومي أصبح غير ذي شأن أو أن التمركز الإقليمي لا جدوى منه. ونعود لنقول أن التمركز الإقليمي هنا لا نقصد به نزوعا نحو إقليمية انعزالية، بل استنفاذا لمعطيات جغرافية وتاريخية دافعة باتجاه الخيارات التعاونية أو التكاملية أو الوحدوية.

إن معطى العولمة قد فرض نفسه بقوة على كل من الدولة الوطنية (القطرية في نسختها العربية) والتجمعات الإقليمية،حتى الكبرى منها، كما حال الاتحاد الأوروبي. وبات لزاما على الخطاب السياسي العربي إعادة صياغة جملة من مقولاته كي تكون قادرة على الاستجابة الخلاقة والفاعلة للمتغير الجديد بمضامينه القيمية الجيوسياسية المزدوجة.وإعادة الإنتاج هذه لا بد أن تقود إلى مقاربة أكثر دينامية للعمل العربي المشترك، وإلا أصبح هذا العمل، أو ما تبقى منه، جزءا من الماضي. ويجب أن لا يفهم من هذا القول إننا ندعو للتخلي عن الثوابت القيمية أو السياقات معيارية الطابع. ذلك أن تعويم المقولات لا يعني بالضرورة استجابة سليمة للمتغير الكوني، بل إن النتيجة في هذه الحالة قد تكون عكسية تماما، فالتعويم غير المنضبط قد لا يعني سوى مزيد من الانكشاف على الخارج اقتصاديا وأمنيا، بل وحتى اجتماعيا.

المقولة الرابعة التي يتم تداولها في سياق الحديث عن علاقة الخليج بمحيطه العربي هي مقولة توزيع الثروة، وقد وصلت هذه المقولة مداها بعد الاجتياح العراقي للكويت. وكان للآلة الإعلامية العراقية الدور الأبرز في الترويج المضلل لها.

لا بد من التأكيد في البدء على حقيقة أن التنمية العربية يجب أن تبقى هدفا مركزيا للعمل العربي المشترك. وقد كان هذا الهدف شعارا لأبرز الحركات القومية العربية، وتحديدا في النصف الثاني من القرن العشرين. بيد أن قليلا فقط هم الذين اتفقوا على مداخل التنمية العربية وموقعها في سلم الأولويات القومية. وقد يبدو ذلك غريبا، بيد أن هذه الغرابة تنتفي عندما نلحظ تضخم الهموم الأمنية وهيمنتها لنصف قرن من الزمن على سلم الأولويات الوطنية والقومية العربية، وتنتفي هذه الغرابة أيضا عندما نلحظ أن الاستقطاب الأيديولوجي ظل لعقود طاغيا ومهيمنا، وأن صراع الزعامة ظل شبحا ثقيلا لا يفارق الواقع العربي.

ونعود الآن إلى التنمية العربية لنؤكد على ضرورة إعادة تعريفها على مستوى المداخل والآليات والأهداف القصيرة والبعيدة المدى. كما يجب أن تستند هذه التنمية إلى تقسيم للعمل يستند إلى إدراك وتشخيص سليم وواقعي لعناصر القوة المادية والبشرية في كل دولة أو كل إقليم. وهذا التقسيم الوظيفي تستتبعه بالضرورة سلسلة من الاتفاقيات الخاصة بانسياب العناصر المختلفة للإنتاج أو بعض منها حسب معطيات كل طرف، كما تستتبعه بالضرورة أيضا مرونة في الأسواق. وقد يبدو الحديث عن التقسيم العربي للعمل ضربا من الوهم، لكن الأمر ليس كذلك، ولنتذكر وضع العالم الذي دعا فيه آدم سميث إلى التقسيم الدولي للعمل. إن معطيات البيئة العربية ليست من السوء بما يمنع التفكير في ذلك. ومتى تحقق هذا الأمر، فإن الثروة العربية تكون قد توزعت بحكم الأمر الواقع. ويجب التشديد في هذا السياق على أن استمرار انقسام الدول العربية بين دول مصدرة للعمالة وأخرى مستوردة لها لا يعبر عن حالة صحية على صعيد مفاهيم الاقتصاد السياسي. إن توزيع الثروة يتحقق عبر بلورة مداخل سليمة وواقعية للتنمية العربية المشتركة، وهذا ما يجب على الجميع السعي باتجاه تحقيقه.

وفي هذا السياق، فان جامعة الدول العربية يجب أن تبقى إطارا عريضا للعمل العربي المشترك، وكي تنجح في تحقيق أهدافها لابد من تفعيل آلياتها لتغدو منسجمة وطبيعة المتغيرات الواسعة التي طرأت على الوضع العربي، وإن كافة الدول العربية معنية بهذه المهمة، مهما تباينت وجهات نظرها حيال مقولة إصلاح الجامعة أو تطويرها .

كذلك، فان النخب الفكرية في الوطن العربي لا بد أن تنهض بدور ما على طريق ابتكار وسائل وآليات لتطوير العمل العربي المشترك، الذي يجب أن يلاصق الهموم اليومية للإنسان ويعبر عن آماله وتطلعاته. ونحن هنا في الخليج معنيون بكل ذلك، بما نحن جزء من هذا الوطن العربي، الذي نجد فيه انتماءنا وعمقنا التاريخي والحضاري.وإن هذا التأصيل النظري للمقولات هو أول مداخل علاقة أمن الخليج بالنظام الإقليمي العربي.

(يتبع)

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة