
أسدل الستار صبيحة يوم السبت (17 محرم 1426ه) على حياة الشاعر مهنا عبدالعزيز المهنا والتي كانت مليئة بالكفاح والمثابرة والسعي في أرض الله تعالى من أجل حياة شريفة ومعيشة كريمة.. وباسدال الستار على حياة هذا الرجل الذي غادرنا عن عمر يناهز 87 عاماً أوصد باب مجلس من مجالس الشعر في مدينة الدوادمي وأغلقت ديوانية كان يلتقي فيها الشعراء ومحبو الشعر ورواته من أطراف محافظة الدوادمي بل ومن أنحاء المملكة.. حيث كانت تلقى القصائد الشعرية وتسمع الحكايات والروايات الاجتماعية بما فيها من الحكم والمواعظ والعبر من أفواه من عاصروا أحداثها أو ممن أدوا أدوارها أو عايشوا تداعايتها، فكان مجلساً (ديوانية) يستحق أن يقتطع المهتمون بالتراث الشعبي جزءاً من وقتهم الثمين لمجالسة رجال من مختلف الأعمار وخاصة أولئك الذين عركتهم الحياة وتلقوا فيها دروساً في التجربة والمعاناة.
ولد شاعرنا رحمه الله تعالى عام 1339هـ بمدينة الدوادمي في بيئة متوسطة الحال كغيره من أبناء سنه في ذلك الزمن حيث شظف العيش وصعوبة الحياة.. و.. إلخ وبدأ كغيره من الشعراء نظم الشعر وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره.
قال عنه المربي المعروف عثمان الصالح:
عرفته منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً رجلاً كريماً استمعت إلى شعره وسمعت عنه قبل أن أشد الرحال إليه وأحل ضيفاً عليه في منزله بالدوادمي عام 1395هـ وله في الشعر قول مأثور ونجم لامع.
وأضاف الصالح: ومما يجب ذكره أن الشاعر (مهنا) لا يقرأ ولا يكتب ولكن له حافظة لا حد لها وشخصية تحمل معان سامية وسجايا حميدة جمع إليها الكرم والنبل.
وقال عن شعره: فيه من القيمة التاريخية والأدبية والفنية ما يعد مساهمة من الشاعر في رسم صورة لسائر الأغراض والمناسبات التي سجلتها كلمات الشاعر وأحاسيسه الفياضة، وما قصائد المهنا رحمه الله إلا تمثيل لواقعه وماضيه وحاضره فالوطنيات والمراثي والغزليات ومتفرقات الشعر هي كما قال عنها الصالح مقدرة فذة في حياة حافلة بالكثير من العطاء المتجدد.
ومن قصيدة بمناسبة مرور مئة عام على تأسيس المملكة هذه الأبيات:
قواعد المملكة ما هي سمنت وحديد
قواعد المملكة انتم تعرفونها
قواعد المملكة لا صار يوم شديد
اخوان نوره هل العوجا يفكونها
قواعد المملكة سيف يقص الوريد
من تاه دربه ترى الجرة يقصونها
إلى أن قال:
من عام تسعة عشر هجري وحنا نزيد
ايماننا من كثير الخير يملونها
الله مع عاهل الاسلام ما هو وحيد
وشعب السعودي بدعاته يلبونها
ومن قصيدة نظمها بمناسبة النصر الذي تحقق للعرب في حرب اكتوبر 1973م استعرض فيها أمجاد المسلمين وانتصاراتهم التاريخية هذه الأبيات المتفرقة:
أنا لابدعت القاف ما أريد القلم والبوك
أصخر بيوت من ضميري شفاوية
ألا يا جيوش العرب زال العدو مضنوك
تحدوا عدو الدين يا هل العروبية
ترى ما عمل بارليف هدوه بالبازوك
عبره اللواء الثاني بقوة ودورية
توهقت بالجولان لين العرب وصولك
بعد ذقت نار الحرب عودت جبرية
ترى لو تكيل بصاع عن صاعهم بدوك
بدل صاعكم سبعة ولا فيه موية
ترى امريكا عنها طريق السعد مصكوك
دمتير مع نكسون وموشي لنا ضحية
ولو حط في حيفا مطارات وايضا بنوك
ترى دولة الاسلام ضد السفرجية
ومن مرثية في الملك فيصل رحمه الله هذه الأبيات:
كم وكم وكم ورخ من سطر
يشهد له التاريخ والرب الغفور
مرحوم من فعله مثل وبل المطر
وشعب السعودية غشاه النور
سوات بن عفان بالعدل اشتهر
وشروى عمر وبوبكر مذكور
ومن غزلياته رحمه الله:
يامل قلب من هوا البيض متلول
تلة جموس بالنفود انشبني
خمسة جموس فوقها الحمل مدبول
ضاع الدليلة والجموس قعدني
مع طلعة الجوزاء تعلن غرمول
جاروا عليهن والتوانك قضني
ومن روائعه رحمه الله بعد بلوغه الستين عاماً قصيدة بعنوان (اعرف ترى دنياك) أودعها الكثير من الحكم والنصائح والأمثال نختار هذه الأبيات المتفرقة بدون ترتيب:
اعرف ترى دنياك هذي دنية
احد عليها اقبال واحد نكايف
احد يجمعها وهي حظ غيره
وهو عليها مونس التلايف
ترى الحظيظ اللي صلاته لله
ذنوبه الى جا المحاسب خفايف
وايضا الحظيظ اللي يبر بوالده
من بر بالوالد عدته الحسايف
ورجل يحوش المال ما سر ربعه
الى مات لا تكثر عليه الحسايف
ولا تعجبك دنياك لو زر هفتلك
ولا تناظر التجار واهل الوظايف
الموت لو انك بدار بعيدة
يفردك فرد المودمي للطرايف
ترى البخيت اللي له الرب راضي
وترى الحظيظ اللي له الرب رايف
حق عليك الى غدا لك مضنة
تقول يا ربي عليك الخلايف
ما هوب حق لنك تشمت بحظك
تقول حظي ويش علمه مسايف
يرزقك رب فوق خلقه تعلى
مده ولا مد اليدين القصايف
يرزقك رب يرزق الداب العمى
لا هوب لا بايع ولا هوب حايف
هذه عجالة كتبتها وأنا لست من أهل الاختصاص لكنه الشعور بالمسؤولية تجاه من يستحقون أن نكتب عنهم ومن أراد الاستزادة من شعره رحمه الله تعالى فليعد إلى ديوانه الذي قام بجمعه وإعداده ابنه عبدالعزيز وفقه الله وصدر عام 1420هـ ففيه من الشعر وأغراضه ما لا يتسع المجال لذكره هنا.
ختاماً رحم الله أبا عبدالعزيز رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته إنه سميعٌ مجيب.