الرئيسية > ثقافة الخميس

عن سيرة إبداع أعاقه التشكيك بين الرواية والشعر


هدى عبدالله الدغفق

يتعمد من يتحامل من المتطرفين على شعرنا السعودي إيجاد شكل من الصدام وتلبيس الشعر بما فيه من حداثة فكرية وإبداعية خطيئة، ويرى أولئك أن الشعر الحديث في تجربته، جنح إلى تغريب لم يعهده الشعرالعربي المقفى وهو تغريب لا يحفظ للفصحى احترامها. وهذا الترصد والمتابعة لنتاج الشعراء للثأرمنه ومهاجمته لم يعبر يسيرا على الشعراء الذين توقعوا أن تأتي ردودالفعل مشجعة. والآونة الأخيرة تزايد نقد الشعر والشعراء المحليين.

وزاد الشعراء السعوديين خيبة تخلي مثقفيهم وقرائهم الذين كانوا يتجاوبون مع نضج تجاربهم ولم يعودوا لإعلان مواقفهم والبوح بانسجامهم بالنتاج الشعري ماأثر في الذات الشعرية وحدّ من عدوها الإبداعي وتخطيها طرائق التقليدي الذي طالت مرحلة سيادته، وكان أن نال التجربة الشعرية إحباط مشوب بسلبية اكتنفت مواقف مؤيدي مسيرة التجربة الجديدة وهو ما استشرى في إيحاء ولا وعي الشعراء وأوهن دوافعهم النهضوية نحو تجربة التحديث الشعري.

وأربك ذلك اقتدار شعراء قصيدة النثر على وجه التحديد وأزعج أوراق خزائنهم وخنق أنفسهم وحبس أنفاسهم فطووا دفاترهم في أروقة مفاتيحهم التي ازدادت ضيقاً وتضييقاً حتى تأخرالإلهام عنهم بسبب تنحيهم عن استقبال الشعركسابق عهدهم بشعرهم.

ومع ذلك بقي الشاعر متمسكا بقدرته الإبداعية دون إيقافها أوقهرها وتأطيرحدودها وإن لم ينشرها.

- ومن العسير ان تتضاءل طاقة الإلهام الفطري لدى شاعرنا السعودي. وكوني إحدى شاعرات السعودية أرى حدوث هذه الأزمة التي نالتنا وأضعفت من تقبل إبداعنا وزعزعت من قناعة متلقينا بهمومنا وملكاتنا ونهضتنا المستوعبة لصدى تجربتها في مخيلتها وقدرات إبداعها، ولا يمكننا أن ننكر أن تلك الحملة المضادة للحداثة الشعرية بما تملك من مدخل منطقي اجتماعيا أثرت في العاطفة الاجتماعية.. وأحدثت فيها ما أحدثته من خلل كان له دوره في إيهام وتعتيم مخيلة الشاعرالسعودي وأشغلته بتبريرمضامينه الإبداعية وتأويل صوره الشعرية وإثبات مدى مايكنه شعره من حسن ظن لا يتعرض أو يتعارض مع معايير وقيم الشريعة التي تربى الشاعر السعودي ونشأ عليها في أساسه ويصعب التاثير على ذوي الوعي المحدود وتصورهم ماتمد به الحداثة اللغة من ثراء في معنى مللنا تكراره وفي لفظ مللنا خنقه بتنميط مايمكن أن تتجاوزه.

ومهما أدى ذلك إلى قبرها أودفنها لأجل غيرمسمى فهناك ما يؤكده حدسي الشعري والشعوري :أن جيلا قادما متقدما أقوى وأقدرعلى حمل المهمة وأكثرتحملاً واحتمالاً يسانده جيل آخر مهما يبدو فردي التجريب فهو سيتفرد بنهوضه على مايعيق إلهامه، وهو بوعيه لكيفية تعامله مع تلك الفئة غيرالمتعايشة وما لا يتوافق و رؤاها، وربما يرزق هذا الجيل بمتلق جاء رأيه مضادا لنظرة الشعراء فسيكون أقل تجريحاً وأكثرتفهما وأوسع مرونة واحتواءً وأحلم تروياً وإدراكاً وأمهل سلماً وأشد تودداً.

وتمادى أولئك في نقد الشاعر وتهميشه جعل الشاعربما يملك من حساسية مفرطة يتحاورمع قصائده وحيدا معزول التلقي مسلوب السماع لصدى ماهداه إليه تخييله ومرايا لا شعوره. والرواية والفن التشكيلي وإن كانتا تتقدمان الشعر فليستا تتقادمانه- كونهما لا يعاران الاهتمام والمتابعة نفسها من فئة رهنت طاقاتها للنيل من تجربة الشعر الحديث - وهما قد وجدا حظيهما الآن وشاركا الشعر المكانة التي ظلت قاصرة عليه وكان قد تولى عرشها دون منافس زمناً طويلا فلم يكن ليلق حربا شعواء عليه كما هي الآن.

ويمكن بذلك اكتشاف ان المتطرفين الذين انبروا لمهاجمة الشعرقد تفشى هجومهم فشمل أي تحديث إبداعي وجد له التأييد الأكثر والتدميرالأقل في ماعدا المنطقة الوسطى من مناطقنا السعودية الأخرى التي يحظى مبدعوها بمتلقين أكثرمرونة في تقبل تجاربهم والترحيب بإبداعاتهم الجديدة. وذلك مايستوقفني دائما وأتأمله بعظيم استغراب وتعجب لا أجد له تبريرا منطقيا سوى ثقافة تلقي السائد التي يلعب فيها تمركز زعماء الحرب على التجديد الإبداعي في منطقة أو مدينة أكثرمن غيرها. وما لهم من تأثير في وعي يستجيب لما يبنون عليه مبادئهم في التحليل ومنطقهم الناقص في استيعاب الرأي الجديد وثقافة التغيير وأولئك وإن ثبت لهم خطأهم في تحليل إبداع غيرهم وظلم نواياه فليسوا بمعترفين بذلك ولا يمكنهم يوما أن يقروا بفداحة آرائهم وهو ما يبتعدون به أشد البعد عن قيمنا الإسلامية التي لا تنشغل بالشكل عن المعنى وبالقيمة عن تمثلها والعمل بها.

وعن سيرة إبداع أعاقه مالحق به من ظلم وبماتكالب على الشعر من إهمال وتشكيك في بصيرته وتمكنه وإلهامه وتيقن بالرواية وهي أخت الشعرالتي استوعبت دورها وتكفلت نيابة عنه بالبوح ذلك جعل بعض النقاد يتصورون أنه لم يعد مناسبا أن ينطق لسان الشعر بالبوح و لا يمكن إلا أن أراهن على أن الشاعر يصل به عشقه لقصيدته فيحلم ان يتناسل ذلك المخاض فيه كل الأوقات ومهما يكن لا يتنصل الشاعرمن احتضان وليده الشعري الذي قد يُرى أنه انعزل اواعتزل ليذود وليده عن مايحاك له من نوايا لا تسلم بجدوى الإبداع الذي يسكنه حلمه المتواصل في تحفيز همه الإبداعي نحو الأداة الأكثرمناسبة وتطابقا واتزانا في تبين مواطن واقعه المتمردعلى ما لا يواكب مطالبه ويساير مايمتلكه من أدوات وآليات تعارف عليها جيل واستوعبها وألف ما تفيض به مقاصدها من أهداف وغايات نبيلة فعمل على إشاعتها وعبرعنها دون موقف يوضح به استهجانا أوعدائية لا مبررلها سوى أنها لا تناسب رأيه شديد الخصوصية وهو ما لا تلقي العولمة بالاً له وقدعمت حرية التعبير واحترام حرية الآخر هذا الكون ليصبح بذلك أكثرقدرة على التعايش في سلم لا يتأتى بمصادرة حق غيره في اختيارمايناسبه من أدوات التعبير.

وهنا أقف لأعود إلى جدلية النشر الخارجي وانتقاء دور النشر والحرية الإبداعية التي نالتها الرواية في مقابل الخناق التأويلي والتنديد بالمخيلة الشعرية الحديثة التي تشنها فئة غيرقليلة السلطة والسطوة والتأييد لأنها إذ تنطلق بمآخذها ومواقفها فهي تضرب على أكثرالأوتار حساسية وتأثيرا لدى المتلقي السعودي وهو المتعلق بالشريعة ويختارون من معانيه وصوره وأخيلته مايجيدون التهكم به والتندر.

وبما أن المتلقي السعودي يكن لهم من التقدير ضعف ماقد يكنه للمبدع الذي يجهل بثقافته المتواضعة وقلة اطلاعه على تجارب من هذا النوع تراكم ثقافته ومخيلته المختزلة في طاقة الكلمة الموجزة في العبارة الضيقة.

والحقيقة أن جيلا جديدا هو الآن ينهض بأدوات قادرة وإن أرقها التردد والتأخر ثم المجازفة وتجربة المغامرة الممتعة، بالتأكيد أن تشجيع بداياتها المتأخرة في تجربة نشرها حفز التاريخ الإبداعي المخبأ في دفاتره أن ينفض عنه ركوده وتثاقله وإحباطه بثقافة متلقيه المحلي وخشيته من ردود فعله التي تتصيد الصراحة وترفض تحليل واستعراض الواقع الاجتماعي وتحارب استخراج المخبوء وتستهجن تشريح ونقد الوضع العام وتصادر تطوير التاريخ الفكري وتمثيله للجيل الجديد وتصوير مواقفه لأجيال تجهل كثيرا من قيم وتقاليد الأجداد ومدى ماكانت عليه من تحفظ وتشابه في تحريك مرئياتها البسيطة لتحديد مهامها في دائرة يومها البسيط وواقعها المعاش دون تعقيد حياتنا المدنية الحديثة.

وعموماً فالحركة الروائية السعودية نهضت من الخارج وأيدتها العقول العربية القارئة لها والمطلعة على ثقافتنا المحلية التي وإن بدت بكرا فهي تتقن رصدها وتصدق في تفكيك الواقع المجهول بالنسبة لكثير من المهتمين بثقافة الخليج والمتطلعين من خلالها إلى تغذية غموضهم إزاء غفلة الإعلام عن تشجيعها والتعريف بها والإعلان عنها وتسويقها عالميا وعربيا.

ومازال المبدع السعودي روائيا كان أو شاعرا أوكيفما كان - يسعى إلى نشر تجربته الإبداعية والتنقل بها إلى أرجاء العالم وتجد مستوى رفيعا من القبول والتشجيع والاحترام والاهتمام والتجاوب والتحرك في إذاعتها وتعريف الإعلام المتعطش للارتواء منها.

ومع مايُرى في مشروع التجربة السعودية الشعري من تراجع أويتصور من تفكك وفردية وانقسام لأنه لم يكن يتمكن أو يكتفي ثقة ويمتلك إقداما ومغامرة وتحرزا كافيا كفيلا بالتنحي وعرض تجربته الجديدة البكر على قارئها الذي لديه من اليقين والوعي والمعرفة والإدراك المتردد باستيعاب حلم متلقيه المتروي في تحليلها وتشجيعها وقبول حداثتها سبقت أوانها ومستقبل قارئها المحلي وبساطة ثقافته القرائية وتعامله مع متغيراتها خاصة مع ماتعانيه المكتبات العامة والخاصة من فقر وانحسار في اهتماماتها بجلب الإصدار الجديد مع ماتسعى إليه من تجارة تخشى الخسارة وكساد السلعة إزاء قارئ يتعامل مع نوعية ونمط خاص من الكتب يرتبط معظمها ببحثه الآكاديمي ودراسته وتعليمه ولا يتحلى بميول جادة لتلقي الكتب الجديدة إلا نادرا وهو ما لا يعول عليه التجار ولا يعيرونه أهمية.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة