صدر بالانكليزية عن دار بانيبال بلندن كتاب صاموئيل شمعون «عراقي في باريس» وهو يوميات كتبها المؤلف على فترات مختلفة مسجلا فيها ذكريات تشرده في العاصمة الفرنسية. سبق ان نُشرت بعض تلك القصص في الصحف العربية وترجمتها مجلة بانيبال التي يصدرها الشاعر والقصصي مع زوجته البريطانية مارغريت أوبانك.
تعّرف القارىء عبر قصص صاموئيل شمعون على نوع من الكتابة التي تتميز بحساسية فريدة ربما لا نجدها في كل الديباجات العربية التي نقرأ، فأسلوبه يجمع السهل الممتنع الى العاطفة الإنسانية المتخففة من حمولة الوجود الثقيلة. فطنته وطلاقته وجنونه تجعل من كتابته، مجرد تدوينات للأوقات الفالتة من التطفل والتقليد والتصنّع، فهو كوميديان يتلبس إهاب المهرّج ليضحك الناس على نفسه وأنفسهم. ومن الصعب ان نقول انه كاتب محترف، أو هو لا يتوسم بنفسه ذلك المسعى، كما من الصعب ان ننسبه الى التقاليد المتداولة او المحاكية لأساليب تفكير الآخرين في الحياة. وهو لا يحاول ان يظهر على نحو متصنع من خلال سرد سيرته، وجهه الطيب او الانساني، مع انه يحكي في كل الأوقات عن بؤس حياته، بل هو يسوق تلك الأيام بقلم عركته فكاهة الحياة وعبثها.
الترجمة الانكليزية لقصصه قام بها مجموعة من المترجمين العرب والانكليز، وتحمل بعضا من روح كتابته، فلغتها بسيطة ومنسابة، ولعل سهولة الأصل العربي ومطواعيته مكنها من النفاذ بسلاسة الى مغزى القصص وتورياتها.
مذ كان طفلا مسيحيا يدوّن صاموئيل رحلة حياته في الحبانية، والحبانية مدينة صغيرة في المنطقة الغربية تستكين على بحيرة من الماء، جمعت حولها ثقافات العراق وأديانه وقومياته وطوائفه في تعايش لحمته الفقر وشراكة الحرية. وحيث تتداخل البيوت والعوائل ، تنشأ حيوات تخلو من النعرات وتتسم بقدر كبير من الانفتاح والتسامح، مع انها محاطة بمدن تتوطن فيها أشرس القبائل وأكثرها تعصبا. ربما لم يكن الزمن العراقي في ذلك الوقت الذي عاش صاموئيل طفولته قد رجع الى الوراء في استدارة سنواته الدراماتيكية الأخيرة.
«زمن الغجر» الذي يتحدث عنه المخرج البوسني أمير كوستريكا هو أقرب الى مخيلة صاموئيل شمعون في سيناريو فيلمه الهوليودي عن العراقي المهاجر، هذا الفيلم الذي لايعرف القارئ أين تنتهي محطته، ومتى يفتح المخرج المتوهم الضوء الأخضر لتمر عبره خطواته الطروبة المتصعلكة.
يسجل المؤلف الرحلة الأولى لخروجه من العراق، يوم ودع عائلته قاصدا هوليود لا غيرها التي حفظ منها أسماء أفلامها وأبطالها، شأن الكثير من أطفال العراق، حيث كانت السينما وهوليود على وجه التحديد، حلما من أحلام لعبهم اليومي، فحلت ثقافتها بدل ثقافة الزقاق وفراغ الايام الشحيحة.
أراد صاموئيل كتابة سيناريو طويل عن حياته، يقدمه الى مخرج من هوليود، ويكون هو بطله. وللتاريخ حلم الكثير من الشعراء العراقيين بدور سينمائي، وبعضهم جرّب في أدوار الكومبارس في فرنسا وهوليود، في واحدة من الأسرار الفكاهية التي لا يعرفها الكثيرون في العالم العربي. أي أن حلم صاموئيل لم يكن يخصه، مثل نزعة التصعلك التي تشارك فيها مثقفو الستينات والسبعينات في العراق.
بدأت حياة التشرد التي عاشها صاموئيل بباريس، يوم حط به رحال الحظ وهو يمضي الى بلد العم سام. في دمشق الأقرب الى العراق عبر رحلة البر، لقنته استخباراتها الدرس الأول لتلك الرحلة المضحكة المبكية، مشتبهة بإسمه التوراتي. ثم كان نصيبه من التعذيب الثاني على يد مليشيات الكتائب المسيحية بلبنان، ففر منهم الى الأردن ليجد نفسه في ضيافة رجال أمنها الذين لقنوا جسده الدرس الثالث.
هدته أيام الضياع في عمان الى رجل رحيم من المقاومة الفلسطينية في عمان، ليحمل منه توصية الى الفكهاني قلب الثورة ببيروت. وبين الجد والهزل يكتب صاموئيل يوميات انتظاره في ظل حرب الشوارع، فحلمه الأميركي ساقه الى التنظيم الأكثر راديكالية في محاربة اميركا، الى الجبهة الديمقراطية!. يلتقي مجموعة من القادة والمثقفين ويتعرف على حياة تتحرك بين الحواجز والمتاريس والطيران الاسرائيلي. وبعد الاجتياح يرحل مع المقاومة الى قبرص، فتمنحه فرنسا في ضربة حظ غير متوقعة، تأشيرة الدخول الأولى في حياته الى الغرب.
عاش صاموئيل أول مشواره بباريس بين طالبي اللجوء من بلدان العالم الثالث، حاملا معه متاعه القليل والآلة الكاتبة التي يسطر عليها سيناريو حياته.
يمنحنا المؤلف فرصة ثمينة للتعرف على المجتمع الثقافي العربي في باريس، وحين يلتف حوله ويلتقي بصحافييه وأدبائه ومتكسبيه، يستغرق في قصص الحياة اليومية التي تفقده سكنه، فيرغم على حياة التشرد التي يندفع اليها على نحو لا يفقد فيها البوصلة بالكامل، بل يبقى متأرجحا بين رغبة في الاستقرار وأخرى يفضّل فيها حياة ينظر اليها بمزيج من الفخر والحنو. ان تكون صعلوكا تلك سمة من يعيشون خارج ضغائن المكاسب، لعله الشعار الذي يواسي به الفتى نفسه.
الكثير من القصص التي تصل بينه وبين حياة الليل والمتشردين، تحمل طابع الأدب الجوال، فهو يبدو متنقلا بين الصعاليك وأنصافهم من العرب المهاجرين، وبقية الأقوام التي يتبعها في رحلة البحث عن مغامرة يختلقها عقله ويذهب فيها بوجدانه نحو مكان آخر مليء بالأضواء والصخب والموسيقى. أحلام يقظته تجلب له النساء العابرات اللواتي يصدقن علاقته بأبطال السينما او قصص هتشكوك او ضربة الحظ التي تأخذه الى حيث يرى روبرت دي نيرو يمثل دور أبيه الأخرس الأطرش.
البطل في الغالب في مأزق فكاهي، يتنقل بين محطة المترو التي تستضيفه في الليل، والبارات والشوارع وبيوت الأصدقاء. ولكنه يبقى الى النهاية يقظا لا يريد الاستغراق في حياة البؤس ولا يقبل ان ينظر اليه كمتسول او عاجز.
في نهاية الرحلة يعود صاموئيل الى أيامه الأولى في فصل «صبي الشوارع والسينما» طفولة مهداة الى جون فورد المخرج الذي ولع به صاموئيل.
أيام الحبانية تبدأ في السينما وتنتهي بأكاذيبها، عندما يستوقفه رفيق الهندي مراقب بطاقات الدخول ويسأله عن الاسم الأصلي لجوين وين بطل افلام الكابوي، يجيبه الصبي عن كل التواريخ التي حفظها عنه. هذه التعويذة مفتاح صاموئيل لاجتياز كل الحواجز، بما فيها حاجز طفولته التي حرم فيها من التعليم، واضطر الى التجوال في برد العراق وحره اللاهب بين أبواب مدارس البنات والصبيان يبيع الآيس كريم والساندويشات، وهو يجر عربته وقدمه بالنعل المطاطي في أسفلت الشارع الحارق، دون أن يحمل قلبه ضغينة أو أسى.
إنه يملك ثروة المحبة والاحلام الذهبية التي تحولت الى طيور حلقت معه في كل أيام الفكاهة التي عاشها ويعيشها وهو يمثل دور حياته الحقيقية.