تاريخ العرب قد يُكتب من خلال تاريخ السياسة العربية، وتاريخ السياسة العربية يكتب من خلال تاريخ الثقافة العربية، ولكن تاريخ الثقافة سيظل منقوصاً ما لم يستوف حق تاريخ اللغة العربية وربما أيضاً تاريخ المصطلح العربي.
وللمصطلح العربي قصة شيقة بين مشرقه ومغربه ولكن له قصصاً أكثر تشويقاً، هي قصصه في كل جناح من الجناحين وقصصه داخل كل قطر من أقطاره.
قال أهل تونس عند انطلاق الحداثة النقدية: «الهيكلية» وقال بعض نقاد مصر: «البنائية». ثم ظهر للجميع أن لفظ «البينوية» أصلح وأسلس فامتثل كل النقاد وتبنوه، وقال أهل تونس: «أسلوبية» ممتثلين لوصايا المعرفة: لفظ واحد للمفهوم الواحد، ولكن رواداً من مصر - ولا سيما المرحوم د. شكري محمد عياد ود. صلاح فضل - تمسكوا بالعبارة المزدوجة: «علم الأسلوب» اقتفاءً بما سبق إليه الرائد الأول أحمد الشايب منذ أواسط القرن العشرين.
وقال د. عبدالله الغذامي - في المملكة العربية السعودية - منذ زمن: «التشريحة» فلم يلق المصطلح رواجاً، ثم ظهر بين المدرسة السعودية والمدرسة المصرية خلاف في الاجتهاد الاصطلاحي: أتفكيكية هي أم تقويضية؟ ودار سجال عجيب بين د. ميجان الرويلي ود. جابر عصفور، فقد أصدر الأول بمعية د. سعد البازعي عام 1995 «دليل الناقد الأدبي» وآثر المؤلفان مصطلح «التقويضية» وكتب د. جابر عصفور عرضاً نقدياً للكتاب (العربي ع 448 - مارس 1996) رجا فيه المؤلفين أن يستبقيا مصطلح «التفكيكية» لأنه ذاع وانتشر، فغضب د. ميجان إذ حمل القول محمل «الأستاذية» التي لا يستسيغها، وكاد الخطاب أن يفلت من مراسم الأعراف. ومرت الأيام فإذا الذي راج هو مصطلح التفكيك.
على أرضنا العربية تنشأ مصطلحات برئية، وتنتعش مصطلحات مظلومة، وتنتشي مصطلحات متفجرة ظالمة.
عرّب بعض أهل المغرب العربي اسم الورقة البنكية فقالوا «الصك» ولكن جل أهل المشرق آثروا اللفظ الأجنبي فقالوا «الشيك» وقيل هنا «السوق المالية» وقيل هناك «البورصة». وفي يوم من الأيام جاء القائمون على التداول المالي إلى اللغويين يستفتونهم هل يجوز أن نستعمل أداة الحصر «فقط» قبل محصورها فنقول: «ادفعوا مقابل هذا الشيك فقط ألف دينار» ثم نؤكد الحصر المتقدم بحصر متأخر فنضيف بعد كلمة دينار «لا غير». فتعاون هؤلاء وأولئك على تنظيم ندوة دراسية وجعلوا لها عنواناً اقتبسوه من اسم أداة الحصر فكانت الندوة حول «التفقيط».
أما خصائص الدول التي تحجب مدلولاً واحداً كأن تختار بين أن تسمي الشيء «فوائض بنكية» أو تسمية «المربوحية» بعد أن تختار بين «الادخار» أو «التوفير» فإنها ترسم الخطوط في مخيال الذاكرة بين الجحيم والفردوس.
قصص وراءها قصص وسجوف تثوي من وراء السجوف.
إن وضع المصطلحات اللغوية الدالة على ما يستجد من مبتكرات سواء في مجال العالم المادي أو في مجال المتصورات والمفاهيم قد كان الهدف الأساسي الأول الذي تأسست من أجله مجامع اللغة العربية في الوطن العربي، وبعد أن ترسخت قدم مجمع دمشق، ومجمع القاهرة، ومجمع عمّان، ومجمع بغداد، اتضح أن تأثير هذه المؤسسات في التداول اللغوي محدود جداً، وسيان في هذا الأمر التداول في الحياة اليومية العامة والتداول في المستوى العلمي والمعرفي، بل كثيراً ما بدا أن اختلاف اجتهاد المجامع قد زاد التشتت تفاقماً. من أجل ذلك تم بعث مكتب تنسيق التعريب في الرباط ضمن مؤسسات العمل العربي الثقافي المشترك، وظل الواقع العربي على حاله عموماً رغم الإنجاز الفعلي الجليل الذي حققته هذه المؤسسة منذ أقدمت على وضع المعجم الموحد بحسب كل مجال من مجالات المعارف والفنون. ثم بدا لبعض الأقطار أن تضيف من جهدها إلى جهود المؤسسات القائمة فأحدثت تونس في عام 1997 المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، وأسست طرابلس مجمع اللغة العربية في الجماهيرية الليبية عام 1999، ويدور بين فترة وأخرى حوار في هذا القطر أو ذاك بحثاً عن إمكانية إنشاء مجامع أخرى.
إن بعض الحقائق تخفى على الحس الجماعي وقد يفوت أهل الأمر إدراكها وهم يتخذون قراراتهم بشأن الظاهرة اللغوية، ولابد من إماطة اللثام عن شيء دقيق جداً في هذا السياق. إن الأشياء التي تدعو الحاجة إلى وضع مصطلحات لها عند حدوثها لا يخلو أمرها من إحدى حالين، فإما أنها من مألوفات الحياة العامة لدى الناس وإما أنها من مجالات العلم والبحث والمعرفة، فالأولى هي مبتكرات أو مستحدثات في أغلبها حسية وقد تكون غير حسية، وهذه ترسل فيها المصطلحات المصوغة، ويدفع بها إلى الاستعمال على سبيل الاقتراح، ثم تأتي نواميس التداول فتروّج بعضها وتسوِّقه فيشيع، ويقترح بعضها الآخر فيكسد ولا ينفق. والسلطة هنا لآليات التداول التي تتدخل فيها اليوم آليات الإعلام وتقنيات التواصل، وفي هذا الباب تندرج الألفاظ العديدة التي راجت حول الجهاز المبتكر حديثاً الذي قيل عنه: موبايل وبورتابل ونقال وجوّال ومحمول. وما زال الاستعمال لم يحسم أمر التوحيد على المستوى العربي.
والثانية هي تلك التي تُعرف بمصطلحات العلوم والفنون ولابد لنا من إجلاء بعض خفاياها، فالقوانين التي تجري على اللغة تجري عليها والنواميس التي تحكم تداول المصطلحات في الحياة اليومية تحكمها، فهي جميعاً تذعن إلى مبدأ الاقتصاد اللغوي، ومبدأ الحد الأدنى من الجهد، وفي هذه وتلك يصدق مبدأ أفضلية اللفظ الواحد للمفهوم الواحد، ومنه ينبع مبدأ ترجمة المصطلح الأجنبي الواحد بمصطلح عربي واحد ولو على مراحل من التجريد الذهني المتدرج.
غير أن هذا التماثل لا يحجب عنا الفوارق القائمة بين هذا السياق وذلك، وهي فوارق ثقافية ترتبط بمؤسسة المعرفة أكثر مما هي فوارق أدائية ترتبط بمؤسسة اللغة، وفي ضوئها قد تنكشف خصوصيات «سوسيو - ثقافية» تعين على إجلاء خلفيات الحوار المعرفي بين مشرق الوطن العربي ومغربه.
من تلك الظواهر المحجوبة عن الحس الجمعي أن أهل النفوذ من العلماء والباحثين والمدرسين الأكاديميين هم وحدهم القادرون على ترويج المصطلح بما يحاضرون وبما يدرّسون وبما يكتبون وينشرون. ذلك أنهم في مرحلة النضج العلمي يكونون قد اكتسبوا سلطة معرفية يترجمها الناس إلى سلطة ثقافية، بينما يعجز غيرهم من الجيل الناشئ عن إثبات وجاهة «مصطلحاته» رغم أنه يكون أحياناً ذا جدارة معرفية متفوقة. عند هذه اللحظة وفي هذا المنعرج يحدث شيء غريب هو على التخوم بين المتطلبات المعرفية والحيثيات النفسية. فالأستاذ الأكاديمي العالم يكون قد سبق إلى استعمال مصطلحات معينة في مجال تخصصه، فإذا صادفته اقتراحات أخرى حول تلك المفاهيم التي يتداولها بمصطلحات سابقة تراه متمسكاً بمنجزه الفردي فيعز عليه التفريط في ما أصبح جزءاً من قاموسه الخاص. فهذه واحدة.
أما الأخرى فكثيراً ما تتغلف هذه «الحمية» الفردية بالحمية القطرية إذا ما تطابق المنجز الفردي مع الشائع المحلي، وعندئذ تزداد عسرة صاحبنا فلا يقدم على التنسيق الاصطلاحي عربياً فضلاً عن التوحيد الكلي الشامل. وغير غريب أنه يتقي شراً نفسياً إذ قد يُتهم - محلياً - بأنه جاحد للإرث الذي تراكم في مؤسسات بلده.
أما الظاهرة الأوسع والأعتى فتتمثل هي أيضاً في حقيقة أخرى محتجبة عن الوعي العام، وربما عن الوعي الخاص كذلك. فمن المعلوم أن المؤسسة الأكاديمية هي في كل أٍقطار الأرض مؤثرة في مسيرة العلم والمعرفة. فأما في الدول المتقدمة علمياً فإنها مؤثرة بوصفها مؤسسة بحثية أكثر مما هي مؤسسة تدريسية لأنها هي التي تزدهر فيها المراكز والمختبرات ومشاريع البحث وبرامجه، وأما في الدول النامية - وفي أقطارنا العربية تحديداً - فإن الجامعة مؤثرة بوصفها مؤسسة تعليمية قبل كل شيء آخر، ولهذه الظاهرة أسباب متعددة متوالجة على غاية من التشابك والتعقيد، وليس سياقنا هذا متيحاً للإفاضة فيها، ولكننا نسوق هذه الحقيقة على وجه التشخيص التقريري لا على وجه الطعن أو الإدانة.
مما سلف نخلص إلى الجوهر المنشود: أن المؤسسة التعليمية عندنا هي المتحكمة بدرجة عليا في آليات الإنتاج المعرفي، وبناءً عليه لا مجال لتوحيد المصطلح عربياً ولا حتى للتنسيق فيه ما لم نحقق التوحيد التربوي أو الحد الأقصى من التنسيق فيه، وربما نواصل هذا الطرح لنقول إنه لا أمل في التوحيد التربوي ما لم ننجز التوحيد السياسي على معنى الحد الأقصى من تنسيق المصالح بين الضرورات والغايات.
طوال نصف قرن تقريباً قضاه العرب في بناء الدولة القطرية كان الجميع يعتبرون أن الوحدة السياسية حلم منشود، وكان كثيرون يعتبرون أنه أمنية طوباوية لا سيما بعد تسلسل انتكاس التجارب السياسية فيها، وكان الجميع يشرئبون - على الأقل - إلى وحدة اقتصادية، ولكن الأيام كشفت لهم أن هذه لا تقل استعصاءً عن تلك، ومثلما جنح التفسير ببعضهم إلى إلقاء مسؤولية فشل الوحدة السياسية على القوى الدولية المتنفذة جنح البعض الآخر إلى ربط فشل التكامل الاقتصادي بضياع فرصة العرب في إعطاء الجامعة العربية كل مقومات النفوذ الإجرائي، ولذلك ظلت المبادلات التجارية بين كثيراً من الأقطار العربية تراوح مكانها عند سقف ثلاثة بالمائة في أفضل الاحتمالات.
في أثناء ذلك كله كان المظنون الشائع عند الجميع أن الوحدة الثقافية حقيقة قائمة، وأنها حقيقة دائمة، وخال الناس كلهم أن الوحدة اللغوية حقيقة تجري مجرى البديهيات، ولكن أصحاب القرار قد قفزوا على المسألة التربوية فلم ينجزوا الحد الأدنى من التنسيق في موضوع المناهج الدراسية.
اليوم تستشري ظواهر التوزع المؤذنة بالتفتيت: فالإعلام الفضائي الغزير ما انفك يزهد في موضوع اللغة، وما انفك يكرّس الإقليمية فالقطرية، واليوم تتكاشف الضغوط الخارجية حاثة العرب على أن يلوذوا بخصوصياتهم القطرية، وحاضة إياهم على أن يدرجوا ذلك ضمن إصلاحاتهم السياسية المنتظرة. فليت العرب - وأهل القرار منهم تخصيصاً - يستهلون عهد الإصلاح المنشود باستفتاء حر نزيه تشرف عليه هيآت دولية مستقلة يجيب فيه كل عربي أدرك سن البلوغ عن سؤالين محددين وذلك إما بـ (نعم) أو بـ (لا) عن كل واحد منهما:
1) هل ترى أن تحل اللغة الأجنبية محل اللغة العربية في مجال العلوم وما إليها من تقنيات؟
2) هل ترى أن تحل اللهجة المحلية العامية محل اللغة العربية الفصحى في التداول الإعلامي والثقافي؟
سيكون الاستفتاء أولى خطواتنا على درب الديمقراطية الفعلية وغير عجيب أن يخرج من صناديق الاقتراع حجر تلقم به أفواه كثيرين من سدنة الاستلاب وزبانية التغريب.