جريدة الرياض اليومية

الجمعة غرة صفر 1426هـ - 11 مارس 2005م - العدد 13409
[ الأولـــى | متابعات | شؤون دولية | محليات | لقاء | مقالات اليوم | طــب | ثقافة اليوم | الرأي | الرياض الاقتصادي | تقنية المعلومات | دنيا الرياضة | الكاريكاتير | محطات متحركة | الأخــيــرة | الصحفي الإلكتروني | ]
وزارة التربية والتعليم.. إشكالية الفكر وفلسفة التغيير

الدكتور إبراهيم بن عبدالله الحميدان

من الأشياء التي تحسب لوزارة التربية والتعليم خلال العشر سنوات الأخيرة أنها كانت السبب في تحريك المياه الراكدة في الميدان التربوي، فقد كان لديها الجرأة بالقاء الحجر الذي أثار العديد من الدوائر والذبذبات، بعيداً عن الاتجاه العام لهذا التغيير.

أيضاً من الأشياء التي تسجل لها، ذاك الانفتاح الإعلامي الإيجابي، فالخطاب التربوي والتعليمي في حضرة الإعلام بأنواعه أصبح أكثر حضوراً. وأياً كانت تلك الأطروحات فلابد أن تحوي العديد من وجهات النظر الإيجابية.

ولكن السؤال المطروح، هل كان هذا الانفتاح وشفافية الخطاب والرغبة في تحريك ما كان قابعاً تحت تلك المياه ذا أثر ايجابي على فلسفة التغيير في الوزارة؟.. وهل كانت الوزارة في تبني هذا المنهج تمتلك الثقة الكافية بأن لديها استراتيجية واضحة للتغيير وثبات في الأهداف غير قابلة للمداولة.. أم أن الأمر أصبح ضحية تلك الفلسفة الحماسية في عهد الوزارة الجديد مما جعلها تعيد حساباتها نتيجة التأثير غير المباشر للخطاب الإعلامي فتحولت الخطط إلى إبر مسكنة تبحث عن الوهج الإعلامي أكثر من التغيير الإيجابي لمحاولة إقناع الطرف الآخر.

هذا الأمر أدى بالوزارة إلى البحث عن كبش فداء غير معلن يتضح ذلك من خلال شكوى العديد من المسؤولين في التربية والتعليم (بعيداً عن الخطاب الرسمي) أنهم لا يملكون الأدوات البشرية الكافية لتنفيذ استراتيجياتهم التخطيطية بشكل أكثر فاعلية وكأنهم يتنصلون من المسؤولية بعد الإحساس بثقل تركة الوزارة، مع ملاحظة أن هذ الأمر غير جازم فلكل شيخ طريقته ولكل مسؤول فلسفته ولا يمكن وضع الجميع على محك واحد.

ما سبق يصل بنا إلى نقطة هامة جداً تتمثل بالسؤال التالي: لماذا أصبح تنفيذ المشروعات والمخططات لدى التربية والتعليم على كافة المستويات وزارة أو إدارات أو مدارس مرتبطاً بالأشخاص أكثر من المشروعات؟ فإذا ما خَلَق (شخص ما) فكرة معينة وتبناها تبدأ الوقوف على قدميها، وما أن ينتقل إلى جهة حتى يتحول ذاك المشروع إلى رجل مريض ينتظر رصاصة الرحمة!!.. هل يوجد رابط بين ذلك وعشوائية التخطيط؟

إن هذا الأمر مما لا شك فيه هو نتاج ضعف العمل الجماعي وعدم وجود مخططات مشتركة وواضحة يسهل متابعتها وتنفيذها، كما أنه من الممكن أن يكون الأمر مرتبطاً ببحث بعض الأشخاص عن مجده الشخصي بعيداً عن المصلحة العامة، فتصبح قضية التتابع والتسلسل ليست من ضمن الخيارات المجودة فكأن نجاح شخص ما لابد وأن يقوم على جثة فشل شخص آخر!!.

هذا يقودنا إلى السؤال عن الشخص المسؤول عن عشوائية المخططات وعشوائية تنفيذها؟ ولماذا لا يكون الأمر أكثر تقنيناً؟.. أترك الإجابة مشرعة فهي لا تخفى على من يملك سهماً في التربية والتعليم بعيداً عن التنظير.

وليكون الحديث أكثر إجرائية، فإن قمة ما تحتاجه وزارة التربية والتعليم هو (الجرأة في التغيير) فما يحدث من تغيير عشوائي وتقسيمات إدارية داخلية تنشطر كل يوم وتتضخم دون أسباب منطقية سيجعل الوزارة تتجه إلى (الداخل). وما أعنيه بالاتجاه إلى الداخل هو التركيز على التقسيم والتشعيب والتجزئة الداخلية في الوزارة بعيداً عن الميدان.. فتزداد الهوة والتباعد بين ما يحدث في الميدان والمجهودات في الوزارة لأنها (الوزارة) تدور في فلكها الخاص ويصبح التغيير والتطوير مرتبطاً بفلسفات تنظيرية ربما تكون موجودة في اليابان أو استراليا أو نيجيريا أو الأردن ولكن المؤكد أنها لا توجد في ميداننا مما يؤدي إلى هدر اقتصادي وبشري مع تأثير ضعيف لا يتجاوز أرنبة أنف الوزارة.

من أمثلة هذا التباعد الناتح بين الوزارة والميدان، ذاك الجدل البيزنطي حول تغيير المناهج، فالمواطن العادي ارتبطت كلمة (منهج) عنده بالمحتوى المعرفي، فبالتالي شعر أن هناك تهديداً لقدسية الكتب (التي لا أعلم من أين اكتسبتها) مع العلم أن الجميع كان يطالب بذلك وتبدل معظمهم مائة وثمانين درجة بعد الأحداث الأخيرة وكأن الأمر مرتبط بنظرية المؤامرة وبالبحث عن التيار المضاد فقط. ترى ما الذي كان سيحدث لو أن أحد المسؤولين في التربية والتعليم وضّح أن تغيير المنهج ليس موجهاً فقط إلى المحتوى المعرفي، بل سيكون هناك تغيير يتطلب تطويرا عرضياً في المحتوى المعرفي بشكل يعود بالفائدة على المواطن والوطن؟.. أظن ألشخص العادي سيكون أقل عدائية نحو هذا التغيير خصوصاً إذا ما أشرك به عن طريق الاستفتاءات والاستبانات.

إن الانفتاح المهول والتراكمات المعرفية وتنوع مصادر المعرفة كلها مؤشرات نحو تغيير قادم لا محالة.. يقول (غوتة) بإمكانك أن تقاوم غزو جيش، ولكن ليس بالإمكان أن تقاوم غزو الأفكار. من هنا كان المطلب السابق بضرورة أن تكون الوزارة أكثر جرأة في التغيير، فخطط التغيير الترقيعية التي تحدث أفقدت الوزارة مؤيديها القدماء ولم تكسبها المزيد من المؤيدين أو ترضي من كانوا يتصارعون مع أولئك القدماء، فنتج عن التغييرات العشوائية (مسخاً) في بعض أنظمتنا التعليمية.

وأهم عناصر التغيير الناجح تحديد نقطة ارتكاز واضح تكون هي القاعدة الأساسية لعملية التغيير الإيجابية التي نبحث عنها.

فمن النقاط الصالحة لتكون محوراً أساساً للتغيير هو اليوم المدرسي للطالب ومن خلاله من الممكن أن يتسع العمل ليؤدي إلى التغيير المطلوب بشكل متسق ومتناغم دون وجود أي اصطدامات فكرية أو حضارية أو شعبية.

والسؤال هو: كيف يكون اليوم الدراسي هو مرتكز لعملية التغيير؟

لو سألت أي شخص يرتبط بالتعليم سواء مسؤول أو ولي أمر أو حتى الطالب نفسه هل أنت مقتنع بهذا الكم الهائل من المواد التي تدرسها؟ الإجابة مباشرة (لا) إذاً ما الحل؟.. كلنا نعترف أن هنالك مشكلة فلماذا لا تحدث عملية التغيير؟؟ هل هو الخوف أم القصور الفكري أم البحث عن الراحة الوهمية؟!

إن تغيير اليوم الدراسي يبدأ من تقنين المواد التي يدرسها الطالب بشكل أكثر فائدة وأقل جهداً، ومن الممكن أن يحدث ذلك وفق التصور التالي كمقترح للمرحلة المتوسطة:

في النظام الحالي يدرس الطاب قرآن وفقه وتوحيد وتفسير وحديث وقواعد وأدب وجغرافيا وتاريخ وكيمياء وفيزياء ورياضيات.... الخ، كم هائل من المواد وتشويه قاس لفكر الطالب وفوضى تثقيفية، مما يجعله يتحول من طالب مفكر أو مبدع إلى طالب يبحث فقط عن النجاح والرسوب من خلال محاولة الحفظ البائسة والتي حولته من طالب إلى أداة تسجيل.

فمن الممكن كتصور مقترح ليس شرطاً أن يتصف بالمثالية أن تكون المواد التي يدرسها الطالب كالتالي:

1 - تربية إسلامية (5 حصص): وتشمل القرآن والتفسير والتجويد والفقه والحديث والتوحيد، تقسم على الصفوف الثلاثة بالمرحلة المتوسطة بشكل مدمج جميل يجعل الطالب يستطيع الربط بين هذه المواد بشكل تطبيقي مفيد.

2 - اللغة العربية (5 حصص): تشمل القواعد والإملاء والأدب والقراءة والبلاغة والنقد والتعبير.. كمادة واحدة لكن بطريقة الدمج. فيدرس المادة بشكل متكامل، فالهدف (المثالي) المعلن لوزارة التربية أنها تريد تخريج طلاب قادرين على التحدث والإقناع بشكل إيجابي وليس تحويلهم إلى سيبويه أو غيره، فهل حققت ذلك؟.

3 - الدراسات الإجتماعية (4 حصص): وتشمل التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية، ويتم تأليف كتبها عن طريق الدمج السليم وليس ما تحاول الوزارة القيام به عن طريق تجميع المواد المنفصلة بكتاب واحد مما يزيد التشتت بذهن الطالب.

4 - العلوم التطبيقية (5 حصص): أحياء، فيزياء، كيمياء، حاسب آلي، على أن يركز فيها على النواحي التطبيقية البحتة والتي يمكن تطبيقها وممارستها.

5 - الرياضيات (4 حصص): على أن ينتقي في هذه المادة ما هو قابل للتطبيق والممارسة وليس ما يدرس في الجامعات!!

6 - اللغة الإنجليزية (4 حصص).

7 - الصحة النفسية (2 حصة): علم نفس، علم اجتماع، مهارات اجتماعية.

8 - المهارات الفنية (2 حصة): وهي بديلة للتربية الفنية، فبدلاً من الرسم فقط، للطالب أن يتعلم نجارة، حدادة، وغيرها من الحرف المفيدة.

9 - التربية البدنية (2 حصة): على أن يركز فيها على المهارات الحركية جنباً إلى جنب مع ممارسة الألعاب الرياضية المعتادة.

10 - مواد حرة (2 حصة): وهذه يترك لكل منطقة تعليمية تقرير محتواها وفقاً للخصائص البيئية والجغرافية والسكانية والثقافية للمنطقة.

بناء عليه يكون الجدول اليومي كالتالي:

(ت:س: تربية إسلامية)، (ل.ع: لغة عربية)، (ع.ت: علوم تطبيقية)، (ر: رياضيات)، (د.إ: دراسات اجتماعية)، (ل.إ: لغة إنجليزية)، (ت.ب: تربية بدنية)، (م.ح: مواد حرة)، (م.ف: مهارة فنية)، (ص.ن: صحة نفسية).

وبناء على التصور السابق فالطالب يدرس عشر مواد فقط والجدول المدرسي لديه أكثر راحة واستقراراً وأكثر وضوحاً وفائدة.

ومن العوامل التي تساعد في إنجاح الاقتراح السابق والتي من الممكن أن تساهم في دفع عجلة التغيير الايجابي بشكل أكثر اجرائية:

- أن لا يتجاوز نصاب المعلم (20) حصة، على أن يوضع إجراء فاعل لمتابعة المعلم كتقرير اختبارات كل (3 سنوات)، مطالبته بالبحوث والابتكارات، ربط العلاوة بالتقدير، دراسة الجهات المخولة لتقويم المعلم... الخ.

- لابد أن يعطى مدير المدرسة ميزة كبدل إدارة (10٪) على أن يحاسب بشدة على أدائه، وهذه الـ (10٪) ممكن تعويضها من خلال المعلمين الذين لا يحققون الأداء الممتاز في العمل.

- ضرورة دراسة أدوات التقويم المتبعة في الميدان سواء للطالب أو للمعلم أو غيرهم بشكل أكثر دقة وتطوراً.

- إعادة جدولة الأولويات بالنسبة لعناصر المنهج المدرسي.

- وضع استراتيجيات واضحة وخطط سنوية أو خمسينية لما يراد تغييره كالمباني المدرسية وغيرها، فوجود الأهداف والخطط الثابتة يؤدي إلى معرفة مقدار النجاح والتقدم الذي ينتج.

- الطريقة العلمية والأرقام مفيدة جداً في القضاء على التفكير العشوائى في التعبير لدى الشخص العادي والتخطيط لدى الشخص المسؤول.

- أسلوب الدمج من الأساليب الناجحة في بناء المحتوى المعرفي، ولكن يحتاج إلى مهارات عالية جداً لتحقيقه بشكل سليم.

- إشراك الجميع بالعمل (خصوصاً في بناء المحتوى المعرفي) كلاً وفق مقدرته بدءاً بالمواطن العادي وانتهاء بالمسؤولين على رأس الهرم يجعل هناك ارتباطاً بالعمل والمنتج، فاستفتاء المواطن العادي والمسؤول والأكاديمي... الخ في ما يجب أن يكون عليه المحتوى يجعل الجميع على قناعة تامة أن ما سينتج مواد صالحة للتدريس.

- الاهتمام بتطوير عناصر العمل من موظفين إداريين، مشرفين، معلمين، مديرين، مسؤولين.... الخ مطلب مهم، وهذا لا يتأتى إلا من خلال إيجاد برامج تطوير واضحة ولوائح منضبطة وفاعلة وعناصر محاسبة دقيقة.

أقف هنا.. فالحديث ذو شجون ومتشعب وكل نقطة مما سبق تحتاج إلى وقفات طويلة، فالخطط والاستراتيجيات الواضحة والمكتوبة وتحديد المسؤوليات بشكل دقيق ونظام المتابعة المتقن والمزيد من الجرأة على التغيير الواضح يضمن النجاح للعمل، مع ضرورة الإيمان بأن (الفكر) هو المحور الأول للتغير، وما سبق يبقى مجرد رأي أختمه بمقولة (سقراط) اختلاف الرأي ينبغي ألا يؤدي إلى العداء. وإلا لكنت وزوجتي من ألد الأعداء.

٭ مناهج عامة - تعليم الرياض

مشاهدة النسخة كاملة
عرض التعليقات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية