كان يوماً مشمساً من أيام الشمس القليلة في لندن، وبالذات في فصلها الشتوي، الزمهريري البارد وفي جوها المعتم القابض للنفس والروح.. واقتساماً وانتشاءً بالفرح بهذا الجو الشحيح المختلس المسروق وكأنه قادم من هناك من لدنا من حقول الشمس والدفء اتصل بي الصديق العزيز.
ذهبنا إلى ذلك المقهى الذي نجد فيه شيئاً من الراحة، حيث لا صخب، ولا ضجيج، كان الشارع أمامنا ينساب بوجوه الناس والسابلة، كل يسير في شأنه، وينطلق إلى همّه، وهواه، وهواجسه الذاتية، اليومية.. كل واحد من هؤلاء عالم مستقل بذاته، له شؤونه، وشجونه، وطموحاته، ورغباته، وله طريقة تفكيره، وطريقة بحثه، وكدحه في هذه الحياة، وكانوا يسيرون في انضباط، وانسجام، حتى ليخيل إليك أن هؤلاء جميعاً قد تخرجوا من دورة واحدة، في طريقة السير، والحديث، والحركة، أثناء مشيهم في هذا الشارع العتيق، النابض بالحياة، والأحياء، والذي لا يزال ينبوعاً يتدفق، بالوجوه، ويسيل بالرؤوس، هذا الشارع الذي لا يهدأ ولا ينام ولا يجف مجراه، على مر الأيام، لكأنه نهر ينحدر من النبع البشري، ليدفع بالناس إلى بحر الحياة المتلاطم.
كنت أقول لصديقي انظرْ.. ألا يذكرك هذا التدفق بأبيات الشاعر القديم «المعلوط» وهو يصف الحجيج بعد انقضاء نسكهم من الحج وقد شدوا رحالهم وركبوا مطيهم عائدين سراعاً إلى أهلهم وديارهم:
ولما قضينا من منى كل حاجة
ومسّح بالأركان من هو ماسحُ
وشدّت على دهم المطايا رحالنا
ولم ينظر الغادي الذي هو رَائحُ
أخَذنَا بأطراف الأحاديث بينَنَا
وسَالتْ بأعناق المطُّي الأباطحُ
وبينما نحن نتحدث عن صورة الشاعر القديم للناس بعد انفضاضهم من الحج وتدفق الإبل بهم في الشعاب كتدفق السيل وبين جريان الشارع أمامنا بهؤلاء البشر ونستنتج من ذلك أن التجربة البشرية الوجودية تكاد تكون واحدة بين الناس رغم اختلاف الأزمنة والأمكنة والأهداف بينما نحن كذلك إذ نفاجأ بمطية أو ناقة عربية ضخمة تشق الصمت والهدوء والانسجام وتعلن عن مقدمها، كانت امرأة طويلة ضخمة قد لبدت على جسدها من الأقمشة واللحف ما يكسو قبيلة أفريقية كاملة وهي تجر وراءها كتيبة من التابعين، والتابعات، وكان لمقدمها ومن معها ضوضاء وجلبة هائلة وقد كانت رقبتها وكفاها مثقلة بالأساور والحلي، فكنت تسمع لها رنيناً ممزوجاً بقعقعة الأحذية.. وحينما مرت بنا كتيبتها كادت تكتسحنا وتعصف بنا وتفعل بالمقهى وجميع من فيه ما فعل الإعصار «تسونامي» بأهل جنوب آسيا.
قلت لصديقي بعد أن أفقت من الإعصار ما هذا..؟ قال: ألا تعرفها..؟ قلت: أبداً. فنظر إليَّ في استنكار واستغراب..! فأقسمت أنني لا أعرفها.. قال: إذاً أنت معزول عن هذا العالم.. قلت: ربما ولكن لماذا..؟ قال: هل هناك أحد لا يعرف الفنانة الخليجية «............» قلت: والله لا أعرفها. قال: إذاً لقد زدتك علماً. قلت :كلا. بل والله زدتني غماً وهماً على هم، وليت أنني ظللت على جهلي فأنا لا أصدق ولا أظن أن الفن أياً كان نوعه سيشرفه أن تنتسب إليه مثل كاسحة الألغام هذه. قال. دع عنك ظنونك وأوهامك ومعاييرك.. فمعايير الفن تغيرت، وتبدلت، وتحولت، ولم تعد تخضع للمقاييس، والمعايير التقليدية، قلت: إذاً تخضع لمعايير البغال، والضباع، والحيتان، وعجول البحر..؟ قال: على كل حال هذه فنانة، وتعبر عن فن وعقل أمة، وهذه لها صيت ذائع عظيم، كما أن لها رحلتين في العام إلى هذا البلد، رحلة الشتاء، ورحلة الصيف، وهي الآن في رحلتها الشتوية، وهي تقصد هذا البلد في هذا الوقت وتطيل مناسكها. قلت: ماذا تفعل..؟ قال: كما ترى هكذا تطوف وتدور في شوارعه ليل نهار. ترثع، وترتع، وتعدو مع هذه الجحافل وراءها، وهي في طوفانها هذا تمر بالمحال، والأسواق، فتشتري ما تحتاج، وما لا تحتاج، وتنثر من النقود ما لا يعد ولا يحصى، فإذا أجهدها الركض والطوفان، والشراء، أناخت بركبها هذا في أقرب مطعم، فإذا أتت على ما فيه، تابعت رحلة الطوفان والركض. قلت: هكذا فقط..؟! قال: نعم.. فهذا جزء من مشوارها الفني، أو من رحلة الفن لديها. وإذا عادت إلى بلدها كتبت الصحف عن رحلتها الفنية الميمونة وسوف تسرع قناة تلفزيونية لتجري معها مقابلة مطولة وهامة تبثها معظم القنوات الفضائية.. وسوف يتحلق الناس حول الشاشات وبالذات الجيل الجديد من الصاعدين والصاعدات ليستمعوا إليها وهي تتحدث بثقة عن رحلتها الفنية الميمونة، وسوف يتابعونها بكل شغف ووله واشتياق.
أخذت برهة، وأنا واضع يدي فوق رأسي مطرقاً مذهولاً.. وقلت: يا صديقي ألا يكفينا ما نحن فيه من كوارث سياسية، واقتصادية، وثقافية..؟ ما هو مصير أجيالنا إذا كانت هذه الكارثة رمزاً من رموز ذوقنا وفننا..؟ حقاً إننا نعيش زمناً بهلوانياً، منحدراً ومخبولاً..!!
فقل لي بربك إلى أين نحن ذاهبون..؟!