د. الوهيبي: «الاستعمار الجديد» أعطى بعض الشباب ذريعة للقيام بأعمال إرهابية والافتاء بغير علم
بيّن الدكتور صالح بن سليمان الوهيبي الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي أن هناك أطراف غربية تريد أن تبقي مفهوم الإرهاب غامضاً لتكيفه وفق ما تريده ووفق مصالحها.
وقال في محاضرة عن «الإرهاب والتطرف والاعتدال» أقيمت مؤخراً في أحادية محمد بن عبدالله البابطين بحي الهدا بالرياض إن بعض الغربيين وقلة من المسلمين خلطوا - قصدوا أو عن غير قصد - بين مظاهر الالتزام الديني في المظهر واللباس وبين التطرف، مشيراً إلى أن هناك تديناً يقتضي الالتزام بمظاهر معينة من «لحية» واحتشام وقيام بأركان الدين وفرائضه، وهناك غلو يجنح عن الدين الوسط، والأخير هو المذموم شرعاً وعقلاً، كما أن البعض يخلطون بين تطبيق الشريعة والإرهاب أيضاً، مؤكداً أن المملكة بحمد الله لا تساوم على التزامها بالإسلام، فالإسلام كما يقول ولاة أمرنا - رعاهم الله - هو قدر بلادنا، وهذا البلد محفوظ بعون الله بحفظه للدين وقيامه بحدوده، مشيراً إلى أن وسائل الإعلام الغربية تركز على عرض الآراء الشاذة التي تكفر الناس وتحرض على الكراهية، ولا تعطي لذوي المواقف الراشدة من الدعاة والعلماء والمصلحين مساحة بقدر ما تعطي لأولئك، وذلك لأن «المتطرفين» يقدمون لهم خدمات من حيث يعلمون أو لا يعلمون.
بين الدكتور الوهيبي خلال المحاضرة منطلقات العلاقة مع الغير، وقال إن علاقة غير المسلم بأهل الإسلام مؤسسة على مجموعة من المنطلقات وهي: أن الكفر بحد ذاته ليس موجبا للقتل والإبعاد، فللكافر أن يعيش في ديار الإسلام، وأن يتبادل مع المسلمين في التجارة والأعمال وغيرهما، وهذا من الشيوع في طول التاريخ الإسلامي وعرضه بحيث لا ينكره إلا مكابر، والمنطلق الثاني أن على المسلمين أن يحفظوا لغير المسلمين حقوقهم في بلاد الإسلام سواء أكانوا مواطنين أم معاهدين أم مستأمنين، وقد ظلت الأقليات النصرانية واليهودية والمجوسية والصابئة وغيرهم في بلاد الإسلام قرونا في حين أخرج المسلمون أو نصروا في أسبانيا وفرنسا وإيطاليا والأمريكيتين.. ملايين من المسلمين الذين استرقوا ظلما وعدوانا أجبرتهم الكنيسة في أمريكا الشمالية والجنوبية على اعتناق النصرانية. ولا تزال آثارهم شاهدة على ذلك. والمسلم مطالب دينا بمراعاة حقوق الغير من المسلمين وغيرهم، وقد تعامل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم (وهم أفقه الناس بالدين) مع غير المسلمين بعد الفتوح معاملة راقية، فأبقوهم في أرضهم، ولم يجبروهم على اعتناق الإسلام، ولم يسترقوا.. ومن ثم لم يمض أقل من قرن حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً من غير إكراه، أما المنطلق الثالث فهو أن العدل أساس مهم في التعامل مع من تحب ومن تكره، وقد حذر الله في القرآن الكريم من الجور وخاصة ضد من نكره (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا)، أو مع من نحب (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى)، وأخيراً فإن للنفوس حرمة عظيمة عند الله، فبأي عذر يلقى القاتل الله عز وجل وقد قتل نفساً بريئة واستحل حرمات؟! يقول الله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له غذاباً عظيماً} ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من حمل علينا السلاح فليس منا» (متفق عليه)، وقال صلى الله عليه وسلم: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم» (رواه الترمذي والنسائي).
وأضاف: أن العوامل المؤثرة في فهم العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو موضوع فقهي معقد، ولا يمكن لشاب غرير، أن يفتي فيه، مشيراً أن المسلمين اليوم يواجهون عدوا شرساً محتلاً ويواجهون شباباً يفتون فيما لا يعلمون.
وأشار إلى أن العوامل التي أعانت على ذلك، الاحتلال البغيض لبلاد المسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان وكشمير والشيشان وغيرها، مما أجج روح البغضاء والتنافر، كذلك الموقف الغربي المنحاز المتمثل في الرغبة في اذلال الأمة المسلمة واخضاعها نظراً لما تحظى به من تأثير فكري واقتصادي وجغرافي، إضافة إلى تقصير ولاة أمور المسلمين والعلماء في التصدي لظاهرة الاستعمار الجديد، مما أعطى لأولئك الشباب ذريعة ليقوموا هم بما لم يقم به الحكام وأولو الأمر والعلماء.
وقدم الدكتور الوهيبي في محاضرته الحلول لفهم الواقع الحالي وتداعياته الآنية والمستقبلية ومن ذلك الوقوف مع الله والإنابة إليه، والابتعاد عما يغضبه، والإلحاح في الدعاء، والإكثار من الطاعات، وعدم اليأس من نصر الله، فلا مكان لليأس في قلب المسلم الحق، بل المرء مطالب بالعمل وفق قدرته.. وأقصى ما يتمناه العدو أن نيأس من حياتنا، وأن نفقد الثقة في نفوسنا وحكامنا، وأن نيأس من نصر الله، والعياذ بالله، كذلك توخي العدل في كل شأن مع من نحب ومن نكره، فبالعدل قامت السماوات والأرض، وبه تسود الأمم، إضافة إلى التأكيد على أن الاعتدال والوسطية مبدأ تقوم عليه الحياة الطبيعية والإنسانية، فمهما انتفش التطرف فمآل الحياة إلى الوسطية، ومهما اشتط الناس في أمر فإن مرجعهم فيه إلى الاعتدال، فلنأت من الأمر ما نطيق كما ورد في الحديث.. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيسير، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن حراماً كما قالت زوجه رضي الله عنها، وأخيراً عدم الخروج على أولي الأمر، فليست عزة المسلمين مرهونة في عصيان الحكام وترويع الآمنين، بل إن هذا هو عين الفساد.. نسأل الله العافية. وأئمة أهل السنة والجماعة من أشد الناس درءاً لمفسدة الخروج لفهمهم الثاقب للنصوص الشرعية ولفقههم المتميز لما تقتضيه الحياة الإنسانية من وجود قيادة يلتف عليها الناس وتقوم بها مصالحهم.