اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون بقاء الحياة في الأرض قائماً على الزواج حتى لغير بني البشر.. قال الله تعالى {وقلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين}، إذا لا يكون هنالك تصور للحياة واستمرارها بلا تزاوج فهو سبب المحافظة على النسل من كل جنس، وبما أن الزواج يعتبر اللبنة الأولى في بناء المجتمع فقد اهتم به الشارع الحكيم وبين ما لكل من الزوجين من حقوق وما عليه من واجبات حتى تكون الحياة الزوجية فيها من المودة والرحمة ما يضمن استمرارها، وقد بيّن الفقهاء حقوق الزوجة وأولوها اهتماماً خاصاً باعتبار أن للزوج الهيمنة والتحكم في الحياة الزوجية فهو راعيها وصاحب السلطة والنفوذ فعليه أن يعلم بحقوق الزوجة وايفائها لها كاملة حتى لا يقع عليها الظلم المنهي عنه في الشرع.
وتتمثل حقوق الزوجة في المهر لقوله تعالى {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} وقد أجمع علماء الأمة على أن المهر حق للمرأة يثبت لها بعقد النكاح، فهو حق وأثر مترتب على العقد، ويشترط في المهر أن يكون مالاً متقوماً له قيمة معتبرة في نظر الشرع، أو أن يكون في حكم المال كالمنافع التي تقدر بمال، وأن يكون معلوماً ومقدوراً عليه بعيداً عن المغالاة لقوله صلى الله عليه وسلم (إن أعظم النساء بركة أيسرهن مئونة) والأصل في المهر أن يكون معجلاً ويجوز أن يقدم بعضه ويؤخر بعضه أو أن يؤخر كله إلى أجل معلوم.. وإذا لم يسمَّ المهر فيجب مهر المثل، ويثبت المهر كاملاً للزوجة بمجرد الدخول بها أو الخلوة الصحيحة، ويثبت نصف المهر إذا طلقها الزوج قبل الدخول بها أو الخلوة الصحيحة إذا كان قد فرض لها مهراً أو كانت الزوجة صغيرة فلا يملك وليها إلا المطالبة بنصف الصداق لأن النصف مقابل احتباسها والنصف الثاني لا يجب إلا بالتمكين.
ومن حقوق الزوجة الواجبة النفقة لقوله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع (اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) ويشترط لوجوب النفقة أن يكون عقد الزواج صحيحاً، وأن تنتقل الزوجة إلى بيت الزوجية وأن لا تمنع الزوج من الاستمتاع بها إلا لعذر.. وأنواع النفقة الطعام والشراب والكسوة والمسكن المناسب والعلاج ووسائل النظافة ونفقة الخادم إذا كانت الزوجة ممن يخدم مثلها وكان الزوج موسراً وإلا فلا لأن الخادم ليس من ضرورات الحياة.. وكذلك من حقوق الزوجة على الزوج أن يعدل بين زوجاته في حال التعدد في الأمور الظاهرة كالنفقة والكسوة والمبيت فيقضي من الوقت عند الواحدة قدر ما يقضيه عند الأخرى دون تفريق بين الصغيرة والكبيرة.. وأن يقوم الزوج بتعليمها أمور دينها وما يجب عليها من الحقوق الشرعية، وأن يؤدبها على مكارم الأخلاق وأن يغار عليها ويصونها من كل ما يضرها في دينها ونفسها وأسرتها ويجرح كرامتها، وأن يغفر لها تقصيرها وأخطاءها ويعاملها بالرفق واللين.. وأن يسعى كل منهما إلى ما يرضي الآخر من لين المخاطبة، واحترام الرأي والتسامح والبعد عن كل ما يجلب الشقاق والنزاع لقوله تعالى {فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف}.
ومن الحقوق المشتركة بين الزوجين الاستمتاع فلكل منهما الحق في الاستمتاع بالآخر في الحدود المشروعة، وهو أمر تدعو إليه الفطرة، ويتوقف عليه التناسل، وهو حق يثبت لها بعقد النكاح فيجب تمكينها من استيفاء هذا الحق وحتى لا تقع في الحرام ثم انه من دواعي العفة والبعد بها عن مخاطر الوقوع في الفاحشة، ويحرم على الزوج الاشتغال عنها بعمل أو عبادة كل وقته لأنه يضرها بذلك ويعرضها للفتنة، فالجماع حق للمرأة كما هو حق للرجل، وكذلك من الحقوق المشتركة أن يرث كل منهما الآخر بعد وفاته ولو كانت الوفاة قبل الدخول، وذلك لأن عقد الزواج كان من أجل العشرة والمتعة بينهما فأوجد صلة ترابط بينهما كصلة القرابة فاستلزم ذلك ثبوت التوارث شرعاً.. ونخلص إلى أن الحقوق مشتركة ومتبادلة بين الزوجين فإذا كان الرجل قواماً يؤدي واجباته ويمارس وظيفته فلابد ان يقابل ذلك بمكافأته ايضاً بحقوقه التي تعتبر الأثر المترتب على قيامه بواجبه تجاه المرأة.