دور السفارات السعودية في خدمة الرعايا السعوديين في الخارج ..
تعد المساحة المتاحة لعامة الناس في وسائل الإعلام لإبداء آرائهم حول أي موضوع مؤشر لقياس الرأي العام وإن كان غير دقيق، حيث يختلف مدى هذه المساحة تبعاً للوسيلة الإعلامية. وتعد الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) بفضائه الواسع مجالا رحبا لرصد الرأي العام وانطباعاته تجاه أي موضوع، ومن المواضيع التي حاولت رصدها في المواقع والمنتديات الرسمية وغير الرسمية الانطباعات والآراء حول دور السفارات السعودية في خدمة الرعايا السعوديين في الخارج، وخرجت بانطباع شخصي أن نسبة لا يستهان بها غير راضية عن دور السفارات السعودية وتتهمها بالتقصير وإهمال الواجبات المنوطة بها في خدمة ورعاية مصالح الرعايا السعوديين. مع مراعاة أن في المقابل هناك نسبة أيضاً عالية تثني على جهود السفارات السعودية في هذا الشأن.
وسأكتفي هنا بإيراد بعض مقتطفات مقتبسة من عدة منتديات، ومن التعليقات ما يلي: «السائح السعودي يستغل بشكل مهين واستفزازي عكس السائحين الخليجيين، وللأسف ليس هناك تعاون من سفارات المملكة بعكس سفارات دول الخليج الأخرى» ورأي آخر «موقف سفاراتنا في معظم دول العالم سلبي بشكل عام، وأتمنى أن تدب الحياة فيها، وتتعامل بجدية أكبر مع قضايا المواطنين» ويعلق آخر قائلاً «هناك فجوة عميقة وسور عال بين المواطن السعودي والسفارات السعودية، وقد نسي كثير من موظفيها أهدافها الرئيسية وهي خدمة المواطن في خارج المملكة».
والآراء السابقة هي جزء من آراء تعبر عن عدم رضائها عن دور السفارات السعودية في خدمة الرعايا السعوديين، وبعيداً عن الاعتبارات الشخصية أو الآراء المتحاملة بدون سبب منطقي، يجب أن نحترم الآراء الأخرى، ونناقش مدى موضوعيتها من خلال محاولة الإجابة على السؤال التالي، ما هو الدور الحقيقي والمهام المنوطة بالسفارات السعودية في ظل القانون الدولي والأنظمة والتعليمات الصادرة لها من وزارة الخارجية والمتعلقة بالرعايا السعوديين؟ وهل ما يطلبه الرعايا السعوديون منسجماً مع هذه المهام؟
في القانون الدولي هناك قاعدة رئيسية وهي (أن من مهام البعثة الدبلوماسية حماية مصالح الدولة ومصالح رعاياها في الدولة المعتمد لديها، ضمن الحدود التي يقرها القانون الدولي). لذا يمكن القول ان مهام الممثليات تجاه الرعايا السعوديين يتمحور حول وظيفتين رئيسيين، الأولى وظيفة وقائية والأخرى وظيفة علاجية، وذلك على النحو التالي:
الوظيفة الأولى: الوظيفة الوقائية، وتتمثل في قيام السفارات السعودية بتقديم النصح والإرشاد للرعايا من خلال التعليمات التي تنشر في موقع وزارة الخارجية السعودية الإلكتروني، ومواقع السفارات السعودية على الإنترنت ايضاً، والمطبوعات التي توزعها السفارات السعودية للرعايا السعوديين، وتحوي التعليمات الواجب اتباعها من قبل الرعايا السعوديين في الخارج مثل ضرورة التأكد من صلاحية جواز السفر والحصول على التأشيرات اللازمة، وتسجيل الجواز في السفارة، وضرورة المحافظة عليه من الضياع أو السرقة، واستشارة السفارة عن قوانين الدولة المضيفة قبل الإقدام على أي عمل إرادي كتوقيع العقود وإبرام الصفقات التجارية، وإجراءات الجمارك ..إلخ، والأمر لا يتطلب من المواطن السعودي الحضور إلى مقر السفارة إن كان لا يستطيع، فيمكن الاتصال بالهاتف على قسم شؤون الرعايا في السفارة لتقديم المشورة والمساعدة. وقصارى القول ان السفارة يناط بها في وظيفتها الوقائية مهمة تقديم النصح والإرشاد لأي استفسار من المواطنين السعوديين في الخارج عن أي أمر يعنيهم، وهو واجب مفترض عليها لا يمكنها أو لأحد موظفيها التنصل منه تبعاً لتعليمات الحكومة السعودية ممثلة في وزارة الخارجية.
الوظيفة الثانية: الوظيفة العلاجية، وهو مساعدة المواطن السعودي والوقوف معه في كل ما يتعرض له في إقليم الدولة المعتمد لديها السفارة، وهو محور الانتقادات من الكثير، حيث يدور الاعتقاد لدى الكثير أن السفارة يجب عليها القيام بنصرة المواطن ظالماً أو مظلوماً وفي جميع الحالات، لذا يجب أن نوضح أن عمل أي سفارة كان مقيدا بقوانين الدولة المضيفة وأنظمتها، فلأي دولة أن تسن من القوانين ما تشاء استناداً إلى مبدأ السيادة في القانون الدولي، مع وجود بعض الاستثناءات لا يتسع المجال لذكرها، وما يهمنا هنا أن نذكر أهم واجبات السفارة، عند حدوث أي مشكلة أو جريمة لا سمح الله لأي مواطن سعودي في الخارج فإن السفارة ممثلاً في قسم الرعايا تتابع الحالة (المشكلة) من البداية وتقوم بجميع الإجراءات التي تكفل حقوق المواطن عن طريق قسم الرعايا أو محامي السفارة (وخاصة في القضايا الجنائية). حيث يقع على عاتق السفارة التأكد من استيفاء المواطن لجميع الحقوق المنصوص عليها في قوانين الدولة المضيفة، حتى لو كان مرتكب الجريمة هو المواطن السعودي ذاته، وتظل المتابعة مستمرة حتى انتهائها ولا يجوز للسفارة أو أحد موظيفها المسؤولين التقاعس في أي لحظة، وفي القانون الدولي يكون للدولة حماية مصالح أفرادها خارج إقليمها في حال انتهاك حقوقهم، وهو ما يعرف بـ (الحماية الدبلوماسية) ومضمونها أن البعثة الدبلوماسية (السفارة) تتولى حماية مواطنيها من الإجراءات التعسفية أو التصرفات الظالمة التي تقع عليهم من السلطات المحلية. ويشترط للحماية الدبلوماسية ثلاثة شروط، وهي:
- أن يكون الشخص الذي وقع عليه الظلم من رعايا الدولة المطالبة بالحماية.
- أن يكون قد استنفد جميع الحقوق القضائية المحلية دون ان يستطيع الحصول على حقه.
- ألا يكون صدر من الفرد، ما يعتبر مخالفاً للقانون الدولي أو القانون الداخلي للدولة.
لذا قبل لوم السفارة أو أحد موظفيها عن التقاعس في أداء أعمالهم، يجب التذكر أن عمل السفارة مقيد بقوانين الدولة المضيفة، فلا يتصور مثلاً أن مواطنا سعوديا في دولة ما يتعامل مع أشخاص مشبوهين أو يدخل في تعاملات غير قانونية، فيتعرض لنصب أو احتيال، ويطلب من السفارة إنقاذه ومساعدته لاسترداد أمواله، رغم أن التعامل غير قانوني، ومن ثم يحمل السفارة مسؤولية أخطائه. كما لا يتصور ايضاً أن يطلب المواطن من السفارة طلبات هي خارج أصلاً عن نطاق عملها كعمل حجوزات السفر أو خصومات الفنادق.
والنتيجة التي نريد الوصول إليها هي أن السفارة منوط بها خدمة الرعايا السعوديين ومصالحهم في حدود التقيد بقوانين الدولة المضيفة، ويجب عليها القيام بكل ما تستطيع تجاه ذلك، وأي نقد موجه لها يجب أن يكون موضوعيا وفي حدود مهام السفارة، وفي نفس الوقت لا يمكن لأحد أن يدعي أن عمل السفارات السعودية في الخارج يتميز المثالية المطلقة والكفاءة العالية، فمن الممكن أن يحدث إهمال أو تقاعس، ولكن من غير العدالة أن يعمم خطأ فردي وانطباع شخصي على جميع السفارات وتوصم بأنها متقاعسة في أداء مهامها. وفي المقابل يقع على عاتق السفراء والقناصل مهمة مراقبة أعمال موظفي السفارة أو القنصلية، والتأكد من أنهم يقومون بمهامهم على أكمل وجه، دون كلل أو ملل، ومحاسبة المقصرين منهم، وعدم ترك شؤون الرعايا في أيدي متعاقدين أجانب.
وإذا ثبت أن احدى السفارات أو أحد موظفيها المسؤولين قد تقاعس عن أداء واجباتها، فحرياً بالمتضرر اللجوء إلى القنصل أو السفير للشكوى وإذا لم يستجب، فكلي ثقة أن المسؤولين في وزارة الخارجية وعلى رأسهم سمو الوزير مهتمون بكل ما يتعلق بمصالح الرعايا السعوديين في الخارج، ومحاسبة المقصرين.
٭ الباحث القانوني