لم تعد الحروب والمذابح والكوارث الطبيعية تحدث بعيداً عنا بل على مقربة متر من المقعد الوثير الذي نجلس عليه وفي يد بعضنا كأس من العصير وفي يد البعض الآخر كأس من الرحيق وفي يد البلايين من البشر المسحوقين كأس من العلقم هذا إذا قُدر لهم أن يشاهدوا التلفزيون لا لأنهم لا يملكون تلفزيوناً بل لأنهم جزء من المشهد الدامي، وبالأمس شاهدنا المظاهرات في ساحة الشهداء في بيروت وشعرت وكأني واقف في وسط الزحام الرهيب من البشر، وبالأمس البعيد شاهدت أحداث 11 سبتمبر وأحسست أنني أشاهد فيلماً من أفلام الرعب لا يستطيع أن يخرجه سبيلبرج مخرج الدناسورات أو أعتى مخرجي السينما، وفي عام 2002 شاهدت مذبحة جنين وشاهدت الأجزاء البشرية تتناثر وتتطاير مع كتل الأسمنت وبدون شعور قفزت من المقعد وهممت بأن أهرب مذعوراً من الغرفة وكأني عائش في المشهد وتذكرت البحتري وهو يشاهد صور الجيش والمعارك في جدران إيران كسرى ويردد:
يغتلى فيهم ارتيابي حتى
تتقراهم يداي بلمس
فالصورة أو ما يسمى الآن بالماتي ميديا أصبحت أبلغ وسائل الاتصال وجعلتنا نعايش الأحداث ونحياها وبالتالي لا نستطيع أن نقف موقف المحايد الذي يعيش في كوكب آخر، بل لم نعد نستطيع أن نحيا في كوكب آخر ونحن نرى الإنسان يهبط فيه، لقد أصبحنا غصباً ملتزمين ومسؤولين وحتى ذلك الذي لا يشعر بالمسؤولية لابد أن يشعر بعقدة الذنب ويندى جبينه من الجبن والخذلان وهو يقف موقف المتفرج، ولعل أول صور أثارت ضمير العالم هي صور جرنيكا المذبحة التي ارتكبها الألمان في اسبانيا على أن الفن العظيم يستطيع أن يبلغ ما تبلغه الصورة وهذا ما ندركه حين نتأمل لوحة جرنيكا لبيكاسو أو حين نقرأ هذا الوصف الحافل بالصور لبودلير للإنسان المسحوق في المدينة الحديثة:
حينما تجثم السماء الواطئة والمثقلة
على الروح المتحشرجة تحت سأم مقيم
يطبق الأفق على الكون كله
ممطراً نهاراً أسود أشد اسوداداً من الليالي
وتتحول الأرض إلى زنزانة رطبة
يتخبط الرجاء فيها كخفاش
يضرب الجدران بجناحه الفزع
ويرتطم رأسه بالسقوف العفنة
والرجاء بالطبع كناية عن الإنسان ومن هنا تتأتى روعة الصورة أو هل أقول الماتي ميديا أو الميديا المتعددة.