بحث



الجمعة غرة صفر 1426هـ - 11 مارس 2005م - العدد 13409

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


المشاهد الإباحية ومصادر الخطر

د. حمد بن عبدالله اللحيدان
    أصبحت شبكة الإنترنت في الوقت الحاضر أكثر الوسائل ترويجاً بلا منافس حيث تبث سمومها إلى جميع أنحاء العالم إما مجاناً والحصول على عوائد من الدعايات المرافقة أو بالحصول على مقابل من طالب الخدمة أو الحصول على مقابل مَنْ من يهمه زرع بذور الفساد والتخلف لدى الآخرين.

منذ بداية البشرية والصراع بين الخير والشر في مد وجزر ولكن الغلبة في النهاية تكون للخير لأن الله فطر الإنسان على الخير. فالخير شيء فطري، أي متأصل في النفس ومولود معها بينما الشر شيء طارئ على النفس البشرية يكتسبه الإنسان من خلال سوء التربية والتقليد والتنافس غير الشريف، وكذلك عند وجود بذور الحسد التي هي جزء من الشر الذي يزداد بالممارسة واتباع النفس هواها، ناهيك عن الاختلاط بأصحاب السوء ومصادقتهم ومشاهدة تصرفاتهم وبالتالي الاقتناع بمحاكاته وتقليدها في البداية ثم تقمص تلك التصرفات لتصبح جزءاً فاعلاً من شخصية الفرد الشرير.

وأدوات الشر قديمة جداً، فلكل شر أسلحته وأحقاده الخاصة التي تتراوح بين القدح والذم والنقد السلبي إلى السرقة والسطو إلى الاختطاف والاغتصاب والتخريب والإرهاب والقتل وليس بعد القتل ذنب.

وإذا عدنا إلى ما كانت عليه المجتمعات البشرية في الماضي نجد أن وسائل ومحفزات عمل الشر قليلة بينما محفزات عمل الخير أكثر لذلك كانت المجتمعات البشرية تعيش في تناغم وأمان عدا ما يتخللها من الحروب التي تكون في الغالب ناتجة عن منافسة على الأرض أو الماء أو المرعى وما زالت مسببات الحروب هي نفسها مع تغيير في المصطلحات المستخدمة ناهيك عن وجود مجرمين وقطاع طرق في ذلك الوقت لكن هذا يكون خارج المناطق الحضرية في الغالب.

ومع تقدم الحضارة البشرية الحديثة وما رافقها من وسائل ومعدات كان أولها الصناعة ثم آلة التصوير اللتين لهما إيجابياتهما التي لا تحصى ولا تعد إلا أنهما كأي وسيلة أخرى استطاع أصحاب الجشع المادي والنفس الأمارة بالسوء استخدامها في سبل غير مشروعة مثل طباعة وتوزيع الصحف والمجلات الإباحية ثم تلي ذلك ظهور التلفزيون كوسيلة إعلامية لها دورها في صنع توجه وتفكير الأجيال من خلال التأثير على النشء الصغير الذي يمضي وقتاً ليس قصيراً أمام شاشة التلفزيون ويشاهد فيها كل شيء حميد وخبيث، وحيث أن من أبرز ما يجذب المشاهد هو العنف، وحيث أن العنف أصبح جزءاً لا يتجزأ من البث التلفزيوني سواء على شكل أفلام كرتون أو على شكل مصارعة أو على شكل أفلام السطو المسلح على البنوك أو على شكل أفلام الكابوي والهنود الحمر الأمريكية التي كلها عنف مبرمج ناهيك عن أفلام التجسس والاغتصاب والحروب المدمرة التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية في نشرات الأخبار خصوصاً قتل الشعب الفلسطيني من قبل إسرائيل وقتل الشعب العراقي بسبب المستعمر المحتل ناهيك عما نتلقاه اليوم عبر البث المباشر من قنوات إباحية وشبه إباحية من جميع أنحاء العالم والأمر بالطبع ليس مقصوراً على التلفزيون فقط، بل سبقته ورافقته وسائل أخرى مثل المجلات الإباحية وأفلام الفيديو وغيرها والتي جميعها تصب في مصب واحد هو الأنفس الضعيفة التي تتحول مع الزمن إلى أنفس شريرة عمياء تبدأ بمرحلة التقليد ثم تصل إلى مرحلة التخصص والمهارة.. أي أن الإنسان يتأثر بما يشاهد ويقرأ ويسمع من دعاية وإعلان ومن هذا المنطلق نجد أن الفنادق والشركات والبنوك والمصانع وغيرها تدفع مئات الملايين من الدولارات لإقناع الناس بجودة منتجاتها أو خدماتها وتسهيلاتها، فعلى سبيل المثال نجد أن شركة ماكدونالدز تنفق في مجال الدعاية ما يقرب من 290 مليون دولار سنوياً بينما نجد أن شركة سيزر تنفق ما يقرب من 225 مليون دولار سنوياً على المجال نفسه، مما يدفع الناس حسب قناعتهم بما شاهدوا إلى شراء منتج هذه الشركة أو تلك، وعليه فإن الإنسان وخصوصاً النشء الصغير يتأثر كثيراً جداً بما يشاهد ويقرأ ويسمع، لذلك فقد أثبتت بعض الدراسات العلمية أن للتلفزيون تأثيراً كبيراً جداً على السلوك والتفكير فهو يستخدم في كثير من البلدان كوسيلة انتخابية أولى قبل الراديو والصحف والخطب المباشرة، أما في مجال تأثيره السيئ فقد قام الدكتور براندون ستنروال المتخصص بدراسة مصادر الأمراض بمجموعة من الأبحاث تتعلق بتأثير التلفزيون على منع الجريمة لدى الفرد والمجتمع وقد وجد مثلاً أن التلفزيون الذي دخل الحياة العامة في أمريكا وكندا عام 1945 قد أدى إلى زيادة جريمة القتل هناك في الفترة من 1945 حتى 1974 بنسبة تصل إلى أكثر من 92٪، وحتى يثبت الباحث صحة استنتاجه والتي تقول أن هناك علاقة بين وسائل الإعلام وتفشي الجريمة قام بإجراء بحث على مجتمع جنوب أفريقيا. وقد اختار هذا البلد لأن حكومة جنوب أفريقيا لم تسمح بدخول التلفزيون هناك إلا عام 1975م وقد توصل إلى أن جريمة القتل على سبيل المثال انخفضت في جنوب أفريقيا بنسبة 7٪ بين عامي 1945، 1974م وهي الفترة التي زادت فيها نسبة القتل في أمريكا وكندا إلى أكثر من 92٪ كما قلنا سابقا، ثم تابع دراسته بعد دخول التلفزيون هناك ثم تنبأ منذ البداية بأن مجتمع جنوب أفريقيا سيشهد زيادة في معدل الجريمة خلال الخمس عشرة سنة التي تلت عام 1975م وهو العام الذي أدخلت فيه خدمة التلفزيون هناك، كما تنبأ أن يكون أولاد الأغنياء هم أول من يقدم على الجريمة ثم يلحق بهم أولاد الفقراء بعد ذلك بثلاث سنوات.

وقد جاءت تنبؤاته في محلها، ففي عام 1989م نشرت إحصائية عن معدل جريمة القتل لعام 1987م وكانت النتيجة أن نسبة القتل في تلك السنة ارتفعت بنسبة 130٪ عما كانت عليه عام 1975، والدراسات التي قام بها آخرون تؤدي إلى نفس النتيجة.

وحيث أن للتلفزيون هذا الأثر الواضح في التأثير فإن علينا أن نتوخى الحذر فيما يعرضه من أفلام، وحيث أن لدينا رقابة ممتازة فيما يتعلق بالأخلاقيات والحرص على الحشمة فيما يبثه من أفلام فإن علينا أيضاً أن نولي أفلام العنف نصيبها من المراقبة، فأغلب أفلام الكرتون التي تبث فيها عنف ظاهر ناهيك عن المصارعة الحرة وأفلام الرجل البديل Stunt Man وأفلام المطاردات البوليسية العنيفة ومثل تلك الأفلام يمكن إبدالها بأفلام أكثر فائدة وأقل خطراً كما لا يفوتنا ونحن نتكلم عن برامج التلفزيون أن نبحث عن البرامج التي تؤدي إلى جعل الناس يشاهدون قنواتنا بدلاً من تنفيرهم منها عن طريق إعادة وتكرار بعض المواد الإعلامية بصورة ملفتة للنظر.

ومن نافلة القول أيضاً أن التلفزيون يعتبر اليوم من أنجح الوسائل في الحرب على الإرهاب لما يتميز به من سهولة إيصال المعلومة الصحيحة والصادقة وكشف ألاعيب المخربين ومن يقف خلفهم ضد هذا البلد الكريم المعطي الذي يعتبر مهوى أفئدة المسلمين وقبلتهم ناهيك عن توازن سياسة حكومته ووفاء شعبه.

وإذا كان تأثير التلفزيون بعيد المدى ويمكن مراقبته من خلال التحكم بالبث ومن خلال كون التلفزيون في الغالب مؤسسة عامة لها ضوابطها التي تحكم توجهاتها في كل دولة من الدول ماعدا بعض القنوات الشاذة التي يملكها مروجو الإباحية والانحطاط والتي تقوم ببث الأفلام غير السوية التي لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال القنوات السرية أو التهريب وهذا موجود حتى في الدول الأخرى مثل أمريكا حيث نجد أن تجار المواد الإباحية يعرفون أن هناك فئة من الناس يبحثون عن تلك المواد ويرغبون مشاهدتها لولا الخوف من العار ونظرة الناس إليهم، لذلك تجدهم لا يدخلون إلى تلك المتاجر أو دور السينما الإباحية حفاظاً على سمعتهم أمام الناس لذلك قام أصحاب هذه التجارة بإرسال تلك المواد بالبريد وبعد أن أصبح أمرهم مكشوفاً والكل يعرف هذا النوع من الطرود البريدية أصبح هذا رادعاً للبعض منهم.

ومع تطور وسائل التقنية استفاد هؤلاء التجار من وسائل البث المباشر والهاتف وشبكة الإنترنت.

وأصبحت شبكة الإنترنت في الوقت الحاضر أكثر الوسائل ترويجاً بلا منافس حيث تبث سمومها إلى جميع أنحاء العالم إما مجاناً والحصول على عوائد من الدعايات المرافقة أو بالحصول على مقابل من طالب الخدمة أو الحصول على مقابل من من يهمه زرع بذور الفساد والتخلف لدى الآخرين.

وحيث أن شبكة الإنترنت كأي وسيلة إعلامية وعلمية سلاح ذو حدين، يمكن الاستفادة منه مثلاً في الحصول على معلومات قيمة لا تقدر بثمن، كما يمكن استخدامه كوسيلة للجهاد الإلكتروني في جميع أنحاء العالم خصوصاً أن حجم الإقبال على شبكة الإنترنت يتضاعف كل ثلاثة أشهر تقريباً وعلى أية حال فقد قام تجار الرذيلة بالاستعانة بالإنترنت في بث سمومهم وإشباع جشعهم المادي والعنصري وعلى الرغم من أن الصفحات الإباحية في الإنترنت لا تتعدى 3٪ من مجموع صفحات الإنترنت إلا أن الإقبال على مشاهدة تلك الصفحات شديد جداً يصل إلى معدل 250 ألف زائر يومياً إن لم يكن أكثر في أمريكا وحدها كما أثبتت دراسة أخرى أن أكثر من 20٪ من سكان أمريكا يزورون تلك الصفحات وقد قال أحد الباحثين وهو ستيف واترز أن الدخول إلى تلك الصفحات يبدأ بدافع الفضول وحب الاطلاع البريء ثم يتطور بعد ذلك إلى إدمان مع عواقب وخيمة تتمثل في القتل والسرقة والاغتصاب والتعذيب وغير ذلك من الجرائم، وفي هذا الصدد صرحت وزارة العدل الأمريكية قائلة «لم يسبق في تاريخ وسائل الإعلام بأمريكا أن تفشى فيها مثل هذا العدد الهائل من المواد الإباحية أمام هذه الأعداد الكثيرة من الأطفال دون قيود أو مراقبة.

كما تعتبر دراسة أخرى أن أكثر من 60٪ من المراهقين (12 - 17) سنة الذين يزورون الصفحات والصور الإباحية لا يعلم أولياء أمورهم طبيعة ونوعية ما يتصفحه أبناؤهم على شبكة الإنترنت، وحيث أن تلك الصفحات أكثر جذباً فعلينا الحذر والعمل على توجيههم التوجيه الصحيح.

ولقد وجد الباحثون أن الذين يخوضون في مشاهدة الصور والمشاهد والأفلام الإباحية غالباً ما ينعكس ذلك ويؤثر على سلوكهم مثل زيادة العنف والاختطاف والقتل والسرقة وغيرها من الجرائم التي يجر بعضها بعضاً كما أنهم يصبحون أقرب إلى البهائم لأنهم لا يكترثون لمصائب الآخرين ويصبحون أكثر تقبلاً لجرائم الاغتصاب وإرغام الآخرين على الفاحشة واستعمال العنف في إشباع غرائزهم بالاغتصاب واللواط وتعذيب المغتصبين واختطاف الأطفال ناهيك عن فعل الفاحشة بالحيوانات وغيرها نسأل الله العافية.

ولقد قام عدد من الباحثين بإجراء العديد من الأبحاث على تأثير المواد الإباحية الجنسية على الجرائم بشتى أنواعها وشملت الدراسة عدداً من الدول الصناعية مثل أوروبا وكندا وأمريكا فيما بين 1953 - 1977 ولقد شملت تلك الأبحاث أكثر من ثلاثة عشر ألف شخص تعرضوا لمثل هذه المواد وقد وجدوا أن نسبة الازدياد في جرائم العنف تزداد عند متداولي الإباحية بنسبة تزيد عن 30٪ ونسبة الانحطاط وتقبل جرائم الاغتصاب تزيد بنسبة 32٪.

كما أثبتت تحقيقات الشرطة في أمريكا أنه في 80٪ من حالات جرائم الاغتصاب يتم العثور على مواد إباحية في موطن الجريمة أو في منزل الجاني كما اعترف عدد من المجرمين بأنهم كانوا يقلدون مشهداً رأوه قبل تنفيذ الجريمة.

والأفلام الإباحية هذه لها اليوم مصادر متعددة مثل القنوات الفضائية وأفلام الفيديو وشبكة الإنترنت التي أصبحت المصدر الأول لها، لذلك يجب علينا أن نعتبر من كوارث ومصائب الآخرين.

فمن الشواهد الأخرى على دور مثل تلك المواد في عمل الجريمة أو التحريض عليها ما أفادت به نتيجة دراسة قامت بها المخابرات الأمريكية (FBI) والتي شملت استجواب أكثر من خمسة وعشرين مجرماً في السجون كل منهم قد ارتكب جريمة اغتصاب وقتل أحادية أو متعددة في حق الأطفال والبالغين فوجدوا أن أكثر من 80٪ منهم كان يتداول الأفلام الإباحية ثم يقوم بتطبيق ما شاهده على الآخرين بطريقة همجية لا رحمة فيها. ولقد صرح أحد المجرمين بعد أن حكم عليه بالقتل بقوله: «لو أن أفلام وصور الدعارة منعت عني في صباي لما أصبحت شغوفاً بالجنس والشذوذ والإجرام».

وما ينطبق على الأفلام الإباحية وتأثيرها ينطبق على أفلام الرعب والعنف، فالأخيرة تؤدي إلى التهور إما بقيادة السيارة أو محاولة استخدام السلاح أو غير ذلك من الوسائل.

ويصبح الوضع أكثر تعقيداً مع وجود المخدرات كنعصر فاعل آخر مع وجود من يروج لها وإذا علمنا أن تلك الأمور يؤدي بعضها إلى بعض خصوصاً إذا علمنا أن تجارة المخدرات تأتي في المقام الأول كمصدر دخل للجريمة المنظمة والقمار يأتي في المقام الثاني فإن تجارة المواد الإباحية تأتي في المقام الثالث كمصادر دخل لشبكات الجريمة المنظمة، ذلك ما يقرب من 90٪ من تجارة المجلات والأفلام الإباحية في العالم في أيدي تلك المنظمات.

وحيث أن الشواهد والأدلة لا تنتهي، فحسبنا أن ندعو إلى تكثيف التوعية والحرص على التربية الصالحة للنشء الجديد والذي يجب أن لا يطلق له العنان لمشاهدة كل شيء من غث وسمين دون رقابة وتوجيه فدور المدرسة والبيت والأقارب والجيران ناهيك عن دور الجهات الرسمية أمر مهم يجب أن يفعل وأن تطرح جميع الأوراق على طاولة البحث والدراسة خصوصاً أننا في عالم متسارع الخطى، وأنا أقول ذلك من باب أن الاحتياط والوقاية خير من العلاج.

نعم إن أطفالنا وشبابنا في مهب الريح تتقاذفهم عدة مؤشرات ومغريات لها إيجابياتها التي لا ينكرها إلا جاهل لكن لها سلبيات لا تحصى ولا تعد، لذلك فإن علينا أن نشجع الاستفادة من الايجابيات التي نجدها في مخرجات التقنية الحديثة مثل الانترنت والتي تمثل المعلومة التي يتم الحصول عليها ثقافة الباحث عنها كما أن بث المعلومة عبر تلك الوسيلة تمثل ثقافة ومستوى وأخلاق من يبثها أما الأفلام الأخرى والقنوات الفضائية فلا يمكن الحد منها إلا من خلال التوعية والتحكم والمتابعة. نعم إن أطفالنا وشبابنا مستهدفون في ثقافتهم وأخلاقهم وتوجهاتهم وقناعاتهم وانتماءاتهم لذلك فإن علينا أن نشحذ عزائمنا وعقولنا وقدراتنا لوقف ذلك الزحف المدمر من خلال التوعية المنهجية قبل تحوله إلى طوفان لا يبقي ولا يذر. والله المستعان.

hlahaidan@alriyadh.com


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية